الدولة وحزب الله وجهاً لوجه في أخطر اختبار

Last Updated: يونيو 27, 2026Categories: Uncategorized, أخبار لبنان, كتاب الموقع
الحدث-كندا

رؤوف نجم

شهدت الضاحية الجنوبية وبعض شوارع بيروت تحركات لمناصري حزب الله، شملت مسيرات دراجات وقطع طرق، بينها الطريق المؤدي إلى المطار. لكن حتى الآن لا توجد معطيات أو استطلاعات موثوقة تسمح بالقول إن الشارع اللبناني كله ضد الاتفاق ؛ التحركات الراهنة تتركز أساساً في البيئة المؤيدة للمقاومة.

وجاءت هذه التحركات غداة توقيع الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل بوساطة أميركية، وسط انقسام سياسي حاد حول مضمونه وآلية تنفيذه، ولا سيما لجهة ربط الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية بنزع سلاح حزب الله وانتشار الجيش اللبناني في المناطق التي تخليها القوات الإسرائيلية.

الدولة: خطوة أولى لاستعادة السيادة

في الموقف الرسمي، قدّم رئيس الجمهورية جوزاف عون الاتفاق بوصفه خطوة أولى على طريق استعادة سيادة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها، معتبراً أن نجاحه يجب أن يفتح الباب أمام عودة النازحين إلى بلداتهم وقراهم، وانتشار الجيش اللبناني، وإطلاق عملية إعادة الإعمار.

وشكر عون الفريق اللبناني المفاوض والدول التي ساهمت في التوصل إلى الاتفاق، مؤكداً أن الهدف الأساسي يبقى استعادة لبنان أرضه وسيادته كاملة، وعدم تكريس أي احتلال أو منطقة أمنية داخل الأراضي اللبنانية.

أما رئيس الحكومة نواف سلام، فشدد على أن حصر السلاح بيد الدولة وبسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية ليسا مطلباً خارجياً جديداً، بل التزام لبناني منصوص عليه في اتفاق الطائف والقرارات الدولية، وفي مقدمها القرار 1701.

ويعتبر الموقف الحكومي أن الاتفاق يمنح الدولة فرصة لاستعادة قرار الحرب والسلم، وتمكين الجيش من الانتشار في الجنوب، وتأمين عودة الأهالي، شرط التزام إسرائيل بالانسحاب ووقف اعتداءاتها وعدم تحويل الترتيبات الأمنية المؤقتة إلى احتلال دائم.

غير أن التصريحات الإسرائيلية التي ربطت الانسحاب الكامل بإتمام عملية نزع سلاح حزب الله أثارت تساؤلات في بيروت حول ترتيب الخطوات والضمانات المقدمة للبنان، وما إذا كان الاتفاق يضمن الانسحاب فعلاً، أم يترك لإسرائيل حق تقرير موعده وشروطه.

حزب الله: اتفاق إذعان يشرّع الاحتلال

في المقابل، أعلن حزب الله رفضه الكامل للاتفاق. ووصف أمينه العام الشيخ نعيم قاسم ما تم التوصل إليه بأنه استسلام للشروط الإسرائيلية وتنازل عن السيادة اللبنانية، معتبراً أن ربط الانسحاب بنزع سلاح الحزب يعني منح إسرائيل غطاءً للاستمرار في احتلال أجزاء من الجنوب.

ويرى الحزب أن الأولوية يجب أن تكون للانسحاب الإسرائيلي الكامل وغير المشروط، ووقف الاعتداءات وإطلاق الأسرى وعودة الأهالي، قبل فتح أي نقاش حول سلاح المقاومة أو الاستراتيجية الدفاعية.

كما حمّل نواب في كتلة الوفاء للمقاومة السلطة السياسية مسؤولية الموافقة على اتفاق يسمح، بحسب قراءتهم، ببقاء القوات الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية، محذرين من أن محاولة فرض نزع السلاح بالقوة قد تؤدي إلى مواجهة داخلية وتهدد السلم الأهلي.

وبالنسبة إلى حزب الله، لا يقتصر الاعتراض على التفاصيل التنفيذية، بل يشمل أصل المسار التفاوضي الذي جرى من دون مشاركته، على الرغم من أن الاتفاق يتناول مباشرة سلاحه وبنيته العسكرية ومستقبله السياسي والأمني.

ويطالب الحزب بالعودة إلى صيغة تضمن الانسحاب الإسرائيلي ووقف الأعمال العسكرية أولاً، ثم إجراء حوار لبناني داخلي حول مستقبل السلاح، بعيداً عن الشروط والضغوط الإسرائيلية.

حركة أمل وبري: اتفاق غير متوازن وتحذير من الفتنة

أما حركة أمل، فاقترب موقفها من موقف حزب الله، وإن جاءت لهجتها أكثر حذراً. واعتبرت أن الاتفاق غير متوازن ويمنح إسرائيل مكاسب وضمانات لا يقابلها التزام واضح ومحدد بالانسحاب الكامل.

وشددت الحركة على أن أي وقف لإطلاق النار يجب أن يكون شاملاً براً وبحراً وجواً، وأن يترافق الانسحاب الإسرائيلي مع انتشار الجيش اللبناني، من دون إبقاء مناطق عازلة أو مواقع عسكرية تحت السيطرة الإسرائيلية.

وفي السياق نفسه، برزت تحذيرات رئيس مجلس النواب نبيه بري من خطر الفتنة، في إشارة إلى الخشية من أن يؤدي تنفيذ الاتفاق من دون تفاهم داخلي إلى صدام بين الجيش وحزب الله، أو إلى توترات أمنية وسياسية بين اللبنانيين.

ويحاول بري الفصل بين تأييده لانتشار الجيش واستعادة الدولة لسيادتها وبين رفضه أن يتم ذلك تحت الاحتلال أو بضغط إسرائيلي، مع التشديد على ضرورة تجنب أي خطوات قد تنقل المواجهة من الحدود إلى الداخل اللبناني.

القوات والسياديون: نهاية زمن الدويلة

على الجهة المقابلة، رحبت القوات اللبنانية وشخصيات سيادية وعدد من النواب المعارضين لحزب الله بالاتفاق، معتبرين أنه يشكل بداية فعلية لإنهاء ازدواجية السلاح والسلطة في لبنان.

ورأت هذه القوى أن استمرار السلاح خارج الدولة هو الذي منح إسرائيل الذريعة للاعتداء على لبنان والبقاء في أراضيه، وأن الطريق إلى تحرير الأرض وحماية الحدود يمر عبر الجيش والمؤسسات الشرعية، وليس عبر احتفاظ حزب سياسي بقرار مستقل للحرب والسلم.

واعتبر النائب أشرف ريفي أن الاتفاق يؤشر إلى سقوط مشروع الدويلة وبدء مشروع الدولة، فيما رأى نواب آخرون أن المرحلة المقبلة يجب أن تؤدي إلى إنهاء كل وجود مسلح خارج المؤسسات العسكرية والأمنية الشرعية.

ومع ذلك، طالبت بعض المواقف المؤيدة بالحصول على ضمانات أميركية ودولية واضحة تمنع إسرائيل من المماطلة في الانسحاب، وتضمن ألا تتحول المناطق الأمنية المؤقتة إلى حزام أمني دائم داخل لبنان.

جنبلاط وباسيل: تأييد مشروط وتحفظ على الضمانات

وفي موقع أكثر تحفظاً، أبدى وليد جنبلاط تخوفه من أن يكون الاتفاق ثلاثياً في شكله، لكنه منحاز إلى المصلحة الإسرائيلية في مضمونه، مشدداً على ضرورة أن تكون مرجعية أي تسوية هي السيادة اللبنانية واتفاق الطائف والقرارات الدولية.

ولا يرفض جنبلاط مبدأ التفاوض أو حصر السلاح بيد الدولة، لكنه يدعو إلى معالجة الملف بطريقة تحمي الوحدة الداخلية وتمنع تكرار تجارب اتفاقات لم تنجح في تحقيق الانسحاب أو الاستقرار.

أما رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، فاتخذ موقفاً مشروطاً، معتبراً أن الاتفاق يمكن أن يشكل فرصة إذا أعاد للبنان كامل حقوقه وأرضه، لكنه قد يتحول إلى وصفة للفتنة إذا فُرض تنفيذه بالقوة أو أدى إلى مواجهة بين اللبنانيين.

اعتراضات حقوقية على بند الملاحقات الدولية

وإلى جانب الانقسام السياسي، ظهرت اعتراضات قانونية وحقوقية على البند الذي يدعو الطرفين إلى وقف الإجراءات العدائية أو السلبية في المحافل السياسية والقانونية الدولية.

وحذر حقوقيون من أن يُستخدم هذا البند لمنع لبنان أو ضحايا الحرب من ملاحقة جرائم محتملة أمام المحاكم الدولية، أو من منح المحكمة الجنائية الدولية صلاحية التحقيق في انتهاكات ارتكبت خلال الحرب.

وأكدت مواقف حقوقية لبنانية أن المطالبة بالعدالة ومحاسبة المسؤولين عن استهداف المدنيين والصحافيين والمسعفين لا يمكن اعتبارها عملاً عدائياً، وأن أي اتفاق سياسي لا يستطيع إسقاط الحقوق الفردية للضحايا.

معركة التنفيذ بدأت

وبذلك ينقسم المشهد اللبناني بين سلطة ترى في الاتفاق فرصة لاستعادة الأرض والدولة وإنهاء الحرب، وحزب الله وحلفائه الذين يعتبرونه اتفاقاً غير متوازن يستهدف المقاومة ويشرّع الاحتلال، وقوى سياسية تؤيده بشرط تنفيذه بضمانات واضحة، وأخرى تخشى أن يؤدي تطبيقه من دون توافق داخلي إلى انفجار أمني.

وتبقى العقدة الأساسية في ترتيب الخطوات: هل تنسحب إسرائيل أولاً لتنتشر مكانها وحدات الجيش اللبناني، أم يُطلب من الجيش نزع سلاح حزب الله قبل اكتمال الانسحاب؟

الإجابة العملية عن هذا السؤال ستحدد مصير الاتفاق. فإذا بدأ الانسحاب فعلياً وعاد أهالي الجنوب وانتشر الجيش مدعوماً بضمانات عربية ودولية، فقد يفتح ذلك الباب أمام تسوية داخلية تدريجية. أما إذا بقي الاحتلال وطُلب من الدولة الدخول في مواجهة مع حزب الله، فقد يتحول الاتفاق من فرصة لوقف الحرب إلى مصدر جديد للانقسام والاضطراب في لبنان.

الأخبار عبر البريد الإلكتروني

اشترك الآن لتصلك الأخبار إلى بريدك الإلكتروني