الحدود اللبنانية–السورية: هدوء حذر على الأرض وحرب من الفيديوهات المفبركة

الحدث–كندا

Raouf Najm

بينما تترقب المنطقة نتائج التحولات السياسية والعسكرية المتسارعة، تحولت الحدود اللبنانية–السورية خلال الأيام الأخيرة إلى مسرح لحرب من نوع آخر، تدور عبر شاشات الهواتف ومواقع التواصل الاجتماعي أكثر مما تدور على الأرض.

فقد انتشرت مقاطع مصورة تزعم أن الجيش السوري أرسل أرتالاً عسكرية ومدفعية ثقيلة باتجاه الحدود اللبنانية، وأن اشتباكات اندلعت قرب بلدة الطفيل بين القوات السورية وعناصر من حزب الله. إلا أن عمليات التحقق أظهرت أن الجزء الأكبر من هذه المقاطع قديم، أو جرى التلاعب به رقمياً، فيما أُنتج بعضها بالكامل بواسطة الذكاء الاصطناعي.

وحتى فجر الأحد 21 حزيران/يونيو، لم يصدر عن الجيش اللبناني أو السلطات السورية ما يؤكد وقوع اشتباكات جديدة بين الجانبين، كما لم يظهر في المصادر الميدانية الموثوقة ما يثبت وجود عملية عسكرية سورية وشيكة داخل الأراضي اللبنانية.

ولا يعني ذلك أن الحدود خالية من الانتشار العسكري. فسوريا كانت قد عززت، منذ شباط ومطلع آذار الماضيين، وجود قواتها وحرس الحدود في المناطق المقابلة للبنان والعراق، في ظل اتساع المواجهة الإقليمية وازدياد المخاوف من تهريب الأسلحة وتسلل المسلحين. لكن هذا الانتشار المعلن سابقاً يختلف عن الروايات المتداولة حالياً، التي تتحدث عن حشود جديدة تستعد لاجتياز الحدود أو خوض حرب ضد حزب الله.

ومن أبرز المقاطع المضللة فيديو يظهر شاحنات تحمل دبابات وآليات عسكرية، أرفق بتعليق يزعم أنها «تعزيزات سورية ضخمة وصلت خلال الساعات الأخيرة إلى الحدود اللبنانية». وقد أظهر البحث العكسي أن المقطع منشور منذ 12 شباط/فبراير 2026، وجرى تداوله في حينه على أنه يصور انتشاراً عسكرياً باتجاه الحدود السورية–العراقية، وليس الحدود مع لبنان.

كما انتشر فيديو آخر قيل إنه يوثق اشتباكات في بلدة الطفيل الحدودية، وتُسمع فيه أصوات إطلاق نار كثيف. غير أن التحقق أظهر أن المشاهد قديمة ومنشورة منذ سنوات، وترتبط بأعمال تجريف ونزاعات على الأراضي في البلدة، فيما أضيفت إليها أصوات الرصاص حديثاً لإعطائها طابعاً عسكرياً وإقناع المشاهدين بأنها توثق معركة جارية.

أما الفيديو الأكثر إثارة، فظهر فيه عدد من المدافع والجنود أثناء إطلاق القذائف، مع الادعاء بأن الجيش السوري يجري تدريبات مدفعية قرب ريف دمشق والحدود اللبنانية. لكن التدقيق كشف أن المشاهد مولدة بالذكاء الاصطناعي، وتضمنت أخطاء بصرية واضحة، بينها ظهور العلم السوري بصورة غير صحيحة ومرور أحد الجنود أمام مدفع بطريقة بدت معها أجزاء من جسده شبه شفافة.

وجاء انتشار هذه المقاطع بعد تصريحات أميركية تناولت احتمال قيام دمشق بدور في معالجة ملف حزب الله، وهو ما فتح الباب أمام تأويلات وشائعات ربطت أي تحرك عسكري سوري على أراضيه بخطة للتدخل في لبنان.

لكن الرئيس السوري أحمد الشرع نفى، في 13 حزيران/يونيو، ما تردد عن استعداد قوات بلاده لدخول الأراضي اللبنانية، مؤكداً أن هذه الأنباء «عارية من الصحة»، وأن أولوية دمشق في المرحلة الراهنة تتمثل في تثبيت الاستقرار ومعالجة الملفات الاقتصادية والأمنية، لا فتح جبهة جديدة داخل لبنان.

ميدانياً، تبقى الحدود الشمالية والشرقية للبنان منطقة شديدة الحساسية بسبب اتساعها وتداخل القرى والأراضي الزراعية والعائلية على جانبيها، إضافة إلى وجود عشرات المعابر والمسالك غير الشرعية. ولذلك يستمر انتشار الجيش اللبناني والقوات السورية ضمن أراضي كل دولة، مع تركيز معلن على مكافحة تهريب الأشخاص والمخدرات والأسلحة ومراقبة التحركات في المناطق الجردية.

الخطر الحقيقي في الساعات الراهنة لا يتمثل، وفق المعلومات المتاحة، في حرب سورية–لبنانية بدأت بالفعل، وإنما في قدرة الشائعات على تحويل أي حركة عسكرية أو صوت رصاص قديم إلى خبر عاجل عن اجتياح أو معركة كبرى.

وتظهر موجة المقاطع الأخيرة مدى سهولة استخدام الذكاء الاصطناعي والتسجيلات القديمة لإثارة الذعر والتوتر السياسي والطائفي. لذلك يبقى التعامل مع أي فيديو غير محدد المكان والتاريخ، ولا يصدر عن جهة رسمية أو وسيلة موثوقة، ضرورياً بحذر شديد، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بحدود قابلة للاشتعال وبمنطقة لا تحتاج إلى كثير من الشائعات كي تعود إلى دائرة التوتر.

الأخبار عبر البريد الإلكتروني

اشترك الآن لتصلك الأخبار إلى بريدك الإلكتروني