تعبت الخرائط من أصحابها ! هل يدخل لبنان زمن إعادة تشكيل الدول؟

Last Updated: أغسطس 17, 2026Categories: أخبار لبنان, رئيس التحرير

الحدث – كندا

Raouf Najm

دراسة وبحث

قد تبدو حدود الدول لمن يولد داخلها وكأنها جزء من الطبيعة: جبال وبحار وخطوط ثابتة لا تتحرك. غير أن نظرة واحدة إلى خريطة أوروبا عام 1850، ثم إلى خريطتها عام 1950، ثم إلى خريطة العالم اليوم، تكفي لاكتشاف أن الحدود أكثر هشاشة مما توحي به كتب الجغرافيا.

أسماء كانت تملأ الخرائط اختفت. أسماء لم تكن موجودة ظهرت. شعوب عاشت تحت راية واحدة قررت الانفصال، وأقاليم تحولت إلى دول، ودول ذابت داخل دول أكبر. وفي حالات كثيرة لم يكن الاقتصاد أو مساحة الأرض هو العامل الحاسم، وإنما السؤال الذي يعود كلما ضعفت السلطة المركزية: هل يشعر السكان أنهم يشكلون جماعة سياسية واحدة، أم أنهم يعيشون داخل دولة واحدة فقط لأن التاريخ وضعهم فيها؟

وهنا يصبح لبنان حالة تستحق أن تُقرأ خارج حدود أزمته اليومية.

ليس لأن تقسيمه أصبح قدراً، وليس لأن خريطة جديدة تنتظر في أدراج العواصم، وإنما لأن لبنان يحمل في بنيته عدداً من العناصر التي لعبت أدواراً حاسمة في ولادة دول واختفاء أخرى: جماعات دينية شديدة الحضور السياسي، مناطق ذات خصائص سكانية مختلفة، ولاءات خارجية متنافسة، خلاف على مصدر الشرعية، وسلاح لا يزال خارج الاحتكار الكامل للدولة.

والأهم أن سؤالاً كان يبدو قبل سنوات من المحرمات بدأ يُطرح: إذا تعذر الاتفاق على شكل الدولة، فهل يبقى الاتفاق على الدولة نفسها مضموناً؟

القرن التاسع عشر: دول ابتلعتها فكرة أكبر

لم ينتظر العالم الحربين العالميتين حتى يبدأ بتغيير خرائطه.

في القرن التاسع عشر اختفت ممالك ودويلات كانت كيانات سياسية معترفاً بها. مملكة الصقليتين، التي كانت أكبر دول شبه الجزيرة الإيطالية من حيث السكان والمساحة، انتهت عام 1861 خلال مشروع توحيد إيطاليا. وبعد أقل من عقد انتهت الدولة البابوية بصورتها الإقليمية القديمة عندما ضُمّت روما وما بقي من أراضيها إلى المملكة الإيطالية عام 1870.

وفي أوروبا الوسطى تفكك الاتحاد الجرماني عام 1866 بعد الحرب النمساوية–البروسية، ثم ظهرت صيغة جديدة انتهت بقيام ألمانيا الموحدة.

وعلى الجانب الآخر من الأطلسي، عاشت جمهورية تكساس دولة مستقلة قبل أن تُضم إلى الولايات المتحدة عام 1845.

هذه الأمثلة مختلفة، لكن بينها فكرة مشتركة: الدولة ليست بالضرورة الوحدة النهائية للتاريخ. أحياناً تختفي لأن جماعاتها تنجذب إلى دولة أكبر، وأحياناً لأن قومية جديدة تصبح أقوى من الولاء للكيان القائم، وأحياناً لأن ميزان القوة يغيّر معنى الحدود نفسها.

كان القرن التاسع عشر إلى حد بعيد قرن بناء الدول القومية الكبرى: إيطاليا وألمانيا أبرز مثالين. كثير من الكيانات الصغيرة اختفى لأن الانتماء القومي الواسع أصبح أكثر قوة من الحدود الموروثة.

ثم جاءت الحرب العالمية الثانية، وتغيّرت القاعدة مرة أخرى.

بعد 1945: العالم ينتج دولاً بسرعة غير مسبوقة

خرجت الإمبراطوريات الأوروبية من الحرب العالمية الثانية منهكة. بدأ الاستعمار يتراجع، وتحولت آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط إلى أكبر مصنع للدول الجديدة في التاريخ الحديث.

ولدت الهند وباكستان عام 1947 من نهاية الحكم البريطاني لشبه القارة. وكان التقسيم مرتبطاً بصورة مباشرة بالسؤال الديني والسياسي حول موقع المسلمين في الدولة الجديدة، فتكونت باكستان أساساً من منطقتين ذواتي غالبية مسلمة، تفصل بينهما آلاف الكيلومترات من الأراضي الهندية.

لكن المفارقة جاءت لاحقاً.

فالدين الذي ساهم في قيام باكستان لم يكن كافياً لإبقائها موحدة. عام 1971 انفصل الجزء الشرقي وأصبح بنغلادش، لأن اللغة والهوية البنغالية والجغرافيا والصراع على السلطة كانت أقوى من وحدة العقيدة الإسلامية.

وهذه واحدة من أهم إشارات التاريخ للبنان: العقيدة المشتركة لا تصنع وحدها أمة، كما أن اختلاف العقيدة لا يجعل الانقسام حتمياً.

في أوروبا، أنتجت نتائج الحرب أيضاً دولتين ألمانيتين، شرقية وغربية، بقيتا منفصلتين أربعة عقود قبل أن تتوحدا مجدداً عام 1990. وفي شبه الجزيرة الكورية استقر الانقسام بين شمال وجنوب حتى أصبح واقعاً دولياً دائماً تقريباً.

أما الشرق الأوسط، الذي خرجت معظم كياناته الحديثة من انهيار السلطنة العثمانية ثم الانتدابات الأوروبية، فقد شهد بدوره قيام دول جديدة وترسيخ حدود جديدة، وكان قيام إسرائيل عام 1948 أحد أكثر التحولات الجغرافية والسياسية تأثيراً في المنطقة.

الخريطة التي نعتبرها اليوم «طبيعية» هي، في الحقيقة، حديثة جداً.

ثم جاءت الموجة الثانية: سقوط الدول متعددة القوميات

نهاية الحرب الباردة أثبتت أن ظاهرة تشكيل الدول لم تنته مع زوال الاستعمار.

عام 1991 انهار الاتحاد السوفياتي. دولة كانت إحدى قوتين عظميين في النظام الدولي اختفت، وخرجت من داخلها جمهوريات مستقلة من روسيا وأوكرانيا ودول البلطيق إلى القوقاز وآسيا الوسطى. لعب ضعف المركز والأزمات السياسية وصعود النزعات القومية في الجمهوريات أدواراً أساسية في عملية الانهيار.

وفي الفترة نفسها انفجرت يوغوسلافيا.

وهنا تصبح المقارنة أكثر حساسية بالنسبة إلى لبنان.

يوغوسلافيا لم تكن مجموعة أراضٍ فارغة جرى تقسيمها إدارياً. كانت مجتمعات متداخلة، تحمل هويات قومية ودينية مختلفة: صرب وكروات وبوشناق وسلوفينيون ومقدونيون وغيرهم. ومع ضعف السلطة الاتحادية وصعود القومية تحولت الجمهوريات إلى مراكز ولاء بديلة، ثم تحولت الحدود الإدارية إلى حدود دولية.

وسالت الدماء تحديداً حيث لم تكن الخريطة السكانية واضحة.

البوسنة كانت المثال المرعب: المسلم والكاثوليكي والأرثوذكسي لم يكونوا يعيشون دائماً في ثلاث مناطق منفصلة يمكن فصلها بقلم. لذلك حاولت الحرب أن تفعل بالسكان ما لم تستطع الجغرافيا فعله، فظهر التهجير والتطهير العرقي والمجازر.

أما تشيكوسلوفاكيا فقد قدمت الصورة المعاكسة. انتهت الدولة عام 1993 وظهرت جمهورية التشيك وسلوفاكيا من دون حرب أهلية، لأن الانفصال جرى سياسياً بين وحدتين إقليميتين واضحتين نسبياً.

إذن لا توجد قاعدة واحدة لتفكك الدول.

يمكن لدولة أن تنتهي بالمدافع.

ويمكن أن تنتهي بتوقيع.

ويمكن أن تبقى على الخريطة بينما تتغير طبيعتها الداخلية إلى حد يكاد يجعلها دولة أخرى.

وهنا نصل إلى لبنان

لبنان ليس يوغوسلافيا مصغرة، وهذه نقطة أساسية.

الموارنة والسنّة والشيعة والدروز والأرثوذكس والكاثوليك وغيرهم ليسوا «قوميات» منفصلة بالمعنى الذي كان عليه الصرب والكروات والسلوفينيون. اللغة مشتركة إلى حد بعيد، والتاريخ والجغرافيا والمصالح الاقتصادية والهجرة الداخلية أنتجت تداخلاً لبنانياً كثيفاً.

لكن النظام السياسي اللبناني نفسه يعترف بالطوائف بوصفها مكونات سياسية. اتفاق الطائف أبقى نظام تقاسم السلطة الطائفي وأعاد توزيع موازينه، فيما بقيت المناصب العليا موزعة عرفاً بين الموارنة والسنّة والشيعة.

وهذا يولد مفارقة نادرة:

لبنان يريد بناء دولة مواطنين، لكنه يديرها من خلال جماعات.

طالما تتفق الجماعات على الدولة، تستطيع الصيغة أن تستمر.

المشكلة تبدأ عندما يختلف اللبنانيون في معنى السيادة نفسها.

هل قرار الحرب والسلم حصراً للدولة؟

من يملك السلاح؟

ما حدود علاقة كل جماعة بالخارج؟

هل تستطيع الأكثرية السياسية اتخاذ قرارات أمنية تعارضها طائفة بكامل ثقلها تقريباً؟

وإذا لم تستطع الدولة فرض قرارها، فهل نحن أمام دولة واحدة ضعيفة، أم أمام بدايات تعدد في السيادة؟

هذه ليست أسئلة نظرية في آب 2026.

الحكومة اللبنانية تعمل على استعادة احتكار الدولة للسلاح، فيما يرفض حزب الله نزع سلاحه قبل الانسحاب الإسرائيلي. وفي الوقت نفسه تربط إسرائيل انسحاب قواتها من الجنوب بنزع سلاح الحزب، ما يضع الدولة أمام معادلة شديدة التعقيد: كل طرف يجعل الخطوة المطلوبة منه مرتبطة بخطوة الطرف الآخر.

وقد أظهرت تجربة المناطق التجريبية في الجنوب مدى صعوبة تحويل هذه التسوية من نص سياسي إلى واقع ميداني.

فهل يمكن أن تظهر «اتحادات لبنان»؟

الخريطة الافتراضية التي رسمناها في هذا النقاش ليست تنبؤاً، لكنها تكشف شيئاً مهماً.

إذا أُعيد تنظيم لبنان على أساس فيدرالي واسع، فإن الجغرافيا قد تدفع إلى ظهور أقاليم ليست طائفية بصورة نقية، لكنها تحمل ثقلاً اجتماعياً وسياسياً مختلفاً.

قد يتشكل إقليم شمالي يمتد حول طرابلس وعكار والضنية، وإقليم في جبل لبنان ذي ثقل مسيحي يمتد عبر أقضية مختلفة وربما يرتبط بزحلة، وإقليم للجبل حيث الثقل الدرزي في الشوف وعاليه وراشيا، وإقليم جنوبي، وإقليم بقاعي، فيما تحتاج بيروت على الأرجح إلى وضع اتحادي خاص.

لكن لحظة رسم هذه الخريطة تظهر المشكلة فوراً.

أين تضع صيدا؟

ماذا تفعل بجزين؟

كيف ترسم حدود زحلة؟

أين تبدأ الضاحية وأين تنتهي بيروت؟

ماذا تفعل بالقرى المسيحية في الجنوب، وبالقرى الشيعية أو السنية داخل مناطق أخرى؟

هذه الأسئلة تفسر لماذا يمكن أن تكون الفيدرالية أسهل من التقسيم، ولكنها في الوقت نفسه أخطر إذا بُنيت على أساس مذهبي جامد.

فالإقليم الإداري يسمح ببقاء السكان حيث هم.

أما الدولة الطائفية فتحتاج إلى حدود واضحة، والحدود الواضحة في مجتمع متداخل كثيراً ما تبدأ بمشكلة الأقليات.

ويوغوسلافيا تعلمنا ما الذي قد يحدث بعد ذلك.

لبنان أمام ثلاثة أنواع من المستقبل

المسار الأول هو أن تستعيد الدولة قدرتها على إنتاج هوية سياسية أقوى من هويات الجماعات، وأن يصبح الجيش صاحب السلاح الشرعي الوحيد، وتنتظم العلاقة بين المركز والمناطق ضمن لامركزية واسعة. عندها يستطيع لبنان أن يتغير كثيراً من دون أن تتغير حدوده.

المسار الثاني هو إعادة تأسيس الدولة فيدرالياً. يبقى لبنان واحداً في الدفاع والخارجية والعملة والسيادة الدولية، لكن الأقاليم تدير مساحة واسعة من شؤونها. هذا السيناريو لا يعني نهاية لبنان، بل ربما يكون لدى بعض اللبنانيين محاولة لإنقاذه بطريقة مختلفة.

أما المسار الثالث فهو الأكثر خطورة: أن تستمر الدولة رسمياً بينما تتحول الجماعات تدريجياً إلى وحدات سياسية وأمنية واقتصادية شبه مستقلة.

هذا النوع من التفكك لا يحتاج إلى إعلان استقلال.

يبدأ عندما يصبح لكل منطقة أمنها الواقعي، واقتصادها وشبكة خدماتها ومرجعيتها السياسية وعلاقتها الخارجية، ثم تأتي الأزمة التالية فتجد الحدود النفسية جاهزة قبل الحدود الجغرافية.

وهذا تحديداً ما ينبغي مراقبته.

أخطر تحول ليس ظهور الانفصاليين

قد يبحث البعض اليوم عن حزب لبناني يعلن: «نريد دولة مستقلة».

هذا ليس المقياس الأهم.

قبل انقسام معظم الدول، حدث شيء أكثر عمقاً: تراجع استعداد الجماعات لتحمل كلفة العيش المشترك.

حين يبدأ المواطن في الاعتقاد أن أبناء المنطقة الأخرى يعطلون مستقبله، وأن ثروته تُهدر من أجلهم، وأن أمنه مهدد بسبب خياراتهم، وأن الخارج أقرب إليه من شركائه في الداخل، تكون الدولة قد خسرت جزءاً من رأسمالها غير المرئي.

وهذا أخطر من النصوص الدستورية.

يمكن تعديل دستور خلال أسابيع.

إعادة بناء الثقة بين جماعات خائفة قد تحتاج جيلاً.

وقد تحدثت تقارير خلال حرب 2026 عن عودة مخاوف لبنانيين عاشوا الحرب الأهلية من أجواء تذكّر بالانقسامات السابقة، في ظل النزوح الواسع والاستقطاب حول حزب الله وإسرائيل والسلاح.

هذا لا يعني أن لبنان يتجه حتماً إلى حرب أهلية أو تقسيم. لكنه يعني أن التاريخ لم يعد تمريناً أكاديمياً بالكامل.

هل لبنان بعيد عن مصير الدول التي اختفت؟

ليس بعيداً إلى الدرجة التي تسمح بالاطمئنان، وليس قريباً إلى الدرجة التي تسمح بإعلان نهايته.

هناك عناصر تمنع التقسيم: التداخل السكاني، صغر المساحة، غياب قوميات لبنانية منفصلة، وجود الجيش، ارتباط الاقتصاد والمرافق ببعضها، وعدم وجود اعتراف دولي بمشاريع انفصال.

لكن هناك أيضاً عناصر تدفع إلى إعادة التفكير في الصيغة: نظام طائفي عميق، اختلاف جذري حول السلاح والسيادة، خوف متبادل بين الجماعات، صراعات إقليمية تمر داخل الأراضي اللبنانية، وتفاوت في تصور كل بيئة لمصدر الخطر ومن هو الحليف ومن هو العدو.

ولهذا فإن الاحتمال الأكثر إثارة للاهتمام ليس أن نستيقظ غداً ونجد خمسة أعلام مكان العلم اللبناني.

قد يكون التحول أقل درامية وأكثر عمقاً:

أن يبقى لبنان اسماً واحداً، بينما يتغير معنى كلمة لبنان.

ربما يصبح أكثر لامركزية.

ربما يصبح اتحاداً فيدرالياً.

ربما يستعيد دولة مركزية أقوى.

وربما، إذا فشل اللبنانيون في التوصل إلى تعريف مشترك للسيادة، يدخل مساراً تصبح فيه الكيانات الداخلية أكثر واقعية من المؤسسات المشتركة.

منذ القرن التاسع عشر وحتى اليوم، لم تكن الخرائط تحترم كثيراً فكرة أن ما هو موجود سيبقى موجوداً إلى الأبد.

مملكة الصقليتين كانت تبدو حقيقة.

تشيكوسلوفاكيا كانت حقيقة.

يوغوسلافيا كانت حقيقة.

الاتحاد السوفياتي كان قوة عظمى نووية حين بدأ يتفكك.

وفي المقابل، دول كثيرة تضم لغات وأدياناً وقوميات متعددة بقيت موحدة لأنها استطاعت تحويل الاختلاف إلى نظام سياسي قابل للحياة.

لهذا لا يقرر التنوع مصير لبنان.

الذي سيقرر مصيره هو ما إذا كان اللبنانيون قادرين على جعل الدولة أكثر أهمية من الطائفة عندما تتعارض مصالح الاثنتين.

إذا نجحوا، يمكن أن يتغير النظام وتبقى الخريطة.

إذا فشلوا، فقد لا يكون السؤال في السنوات المقبلة: هل سيتغير لبنان؟

بل:

أي لبنان سيبقى عندما ينتهي التغيير؟

الأخبار عبر البريد الإلكتروني

اشترك الآن لتصلك الأخبار إلى بريدك الإلكتروني