“حزب الله” المستفيد الوحيد من المراوغة الإسرائيلية
الحدث-كندا
اندريه قصاص
كان يفترض أن تكون المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية المباشرة، وهي برعاية أميركية، المدخل الطبيعي إلى معالجة الاختلال القائم في الجنوب، وصولاً إلى تثبيت وقف النار واستكمال الانسحاب الإسرائيلي وفتح الطريق أمام مرحلة جديدة عنوانها عودة الدولة إلى ممارسة دورها الكامل في حماية الحدود والسيادة.
لكن الجولة السابعة من المفاوضات في روما لم تحمل، وفق الانطباعات التي عاد بها الوفد اللبناني، ما يكفي من المؤشرات لتأكيد أن هذا المسار دخل فعلاً مرحلة الحلول العملية. بل إن المناخ الذي رافقها عزّز الاعتقاد لدى بعض الأوساط اللبنانية بأن إسرائيل لا تزال تستخدم عامل الوقت، وتتعامل مع المفاوضات باعتبارها مساحة لإدارة الأزمة أكثر من كونها طريقاً سريعاً إلى إنهائها. وهنا تكمن المفارقة.
ففي الوقت الذي تحاول فيه الدولة اللبنانية تثبيت معادلة جديدة تقوم على حصرية السلاح ومرجعية المؤسسات الشرعية في القرارين الأمني والعسكري، لا تزال إسرائيل تصرّ على الاحتفاظ بمواقع داخل الأراضي اللبنانية، وتواصل عملياتها العسكرية وخروقاتها اليومية، ما يوفر مادة سياسية جاهزة للذين يعارضون تسليم سلاح “حزب الله” أو وضعه في عهدة الدولة.
وهؤلاء يقولون، ببساطة: كيف يمكن مطالبة طرف لبناني بالتخلي عن سلاحه في الوقت الذي لا تزال فيه إسرائيل تحتل أراضي لبنانية وتحتفظ بحرية الحركة العسكرية، فيما المفاوضات التي يفترض أن تؤدي إلى إنهاء هذه الحالة لا تنتج حتى الآن النتائج المطلوبة؟
قد لا تكون هذه الحجة، في رأي الداعين إلى تمكين الدولة من استعادة دورها وقرارها، كافية لتبرير استمرار أي سلاح خارج سلطة الدولة، لكنها بالتأكيد تجعل معركة حصرية السلاح أكثر تعقيداً.
فالدولة تحتاج إلى أن تثبت أن خيارها ليس مجرد مطلب سياسي أو استجابة لضغوط خارجية، بل مسار قادر على حماية لبنان واستعادة أرضه وفرض احترام سيادته. وأي تأخير في تحقيق هذا الهدف يضعف، موضوعياً، قدرة الدولة على إقناع اللبنانيين بأن الانتقال إلى مرحلة جديدة سيكون أكثر أمناً من المرحلة السابقة.
في المقابل، لا يعني ذلك أن المفاوضات فقدت جدواها. فمجرد الانتقال إلى حوار مباشر وبرعاية أميركية يشكل تحولاً مهماً في تاريخ العلاقة بين لبنان وإسرائيل، كما أن استمرار التواصل يبقى أفضل من العودة إلى الحرب. لكن التفاوض لا يمكن أن يتحول إلى غطاء زمني مفتوح يسمح باستمرار الوقائع العسكرية على الأرض من دون سقف واضح. وهنا تقع المسؤولية الأولى والمباشرة على الراعي الأميركي أيضاً.
فإذا كانت واشنطن تريد فعلاً تثبيت مسار جديد في لبنان، فإن عليها أن تكون قادرة على ترجمة رعايتها للمفاوضات إلى ضغط متوازن على الطرفين، لأن إبقاء المسار اللبناني – الإسرائيلي في دائرة الانتظار يهدد ليس فقط التفاوض، بل أيضاً المشروع السياسي الذي تقوم عليه المرحلة اللبنانية الجديد، ذلك أن حصرية السلاح لا يمكن أن تُبنى في الفراغ. إنها تحتاج إلى دولة قوية، وحدود محمية، وجيش قادر، وقرار سياسي موحد، وبيئة إقليمية تسمح للبنان بالانتقال من منطق المواجهة إلى منطق الدولة.
ومن هنا، فإن كل يوم إضافي من الاحتلال أو الخروقات الإسرائيلية لا يخدم بالضرورة إسرائيل وحدها، بل قد يخدم أيضاً، من حيث لا تريد، القوى اللبنانية التي تقول إن الدولة لم تحصل بعد على المقومات التي تسمح لها وحدها بحماية لبنان.
المعادلة باتت واضحة تمامًا، إذ أنه كلما تقدمت المفاوضات، تراجعت حجج السلاح؛ وكلما تعثرت، عادت تلك الحجج إلى الواجهة.
ولهذا فإن الجولة الثامنة لن تكون مجرد جولة تفاوضية جديدة. ستكون اختباراً للمسار برمته. فهل تستطيع الوساطة الأميركية أن تنتقل من إدارة الوقت إلى إنتاج الحلول، وهل تستطيع إسرائيل تقديم خطوات ملموسة تسمح للبنان الرسمي بتحقيق اختراق داخلي في ملف حصرية السلاح؟
فلبنان لا يحتاج إلى مفاوضات مفتوحة بلا نهاية، كما لا يحتاج إلى العودة إلى معادلات الحرب. ما يحتاج إليه فعلًا لا قولًا هو اتفاق قابل للتنفيذ، وانسحاب إسرائيلي واضح، وضمانات أمنية جدية، وفي المقابل قرار لبناني واضح بأن السلاح، أياً كان مصدره أو مبرراته، لا يمكن أن يبقى خارج سلطة الدولة إلى ما لا نهاية.
وإلا فإن لبنان سيجد نفسه مجدداً أمام الحلقة نفسها: إسرائيل تماطل، و”حزب الله” يتمسك بسلاحه، والدولة تدفع ثمن عجزها عن فرض معادلة السيادة كاملة، فيما المطلوب من واشنطن المزيد من ممارسة الضغط على تل أبيب للسير بخطوات عملية تنهي الحال الشاذة، التي يعيشها الجنوب. من هنا فإن لبنان يعّول كثيرًا على الزيارة التي سيقوم بها رئيس اللجنة الأمنية والعسكرية المكلفة الإشراف على تنفيذ “اتفاق الإطار” الجنرال الأميركي دايفيد كليرفيلد لبيروت، لمتابعة تنفيذ “اتفاق الإطار” وتحديد آليات التحقق الميداني، وتوسيع نطاق الانتشار العسكري للجيش في الجنوب كزوطر الغربية، والاتفاق على الدول واللجان التي ستتولى المراقبة والتحقق من التزام الأطراف، وتجريد المناطق من السلاح غير الشرعي، ومواجهة الخروقات الإسرائيلية والتوغلات المستمرة في القرى الجنوبية.
الأخبار بالفيديو

الأخبار عبر البريد الإلكتروني
اشترك الآن لتصلك الأخبار إلى بريدك الإلكتروني


