فرصة اميركية أخيرة لإنقاذ الدولة اللبنانية
الحدث-كندا
رؤوف نجم
تنظر الولايات المتحدة إلى الاتفاق اللبناني–الإسرائيلي بوصفه مشروعاً يهدف إلى تغيير المعادلة التي حكمت لبنان خلال العقود الماضية، و الى نقل قرار الحرب والسلم من القوى المسلحة إلى الدولة ومؤسساتها الشرعية.
فاستعادة الأرض، وعودة الجنوبيين، وإعادة الإعمار، حسب واشنطن، تمر عبر قيام دولة تمسك وحدها بالسلاح والحدود والقرار الأمني. لذلك تربط السيادة اللبنانية بقدرة الحكومة والجيش على بسط سلطتهما على كامل الأراضي، ومنع وجود أي قوة عسكرية مستقلة عنهما.
هذا ما يتمناه اكثرية اللبنانيين لكن هذه المقاربة ليست مجانية فهي تمنح لبنان فرصة حقيقية قد تكون الاخيرة، لكنها تضعه أيضاً أمام شروط ثقيلة.
فالجانب الإيجابي في الاتفاق واضح: وقف الحرب، انسحاب القوات الإسرائيلية، عودة السكان إلى قراهم، دعم الجيش وفتح باب المساعدات والإعمار. وهي أهداف يصعب على أي لبناني الاعتراض عليها، بعدما دفع الجنوب ولبنان كله ثمناً بشرياً واقتصادياً كبيراً، وبات استمرار المواجهة يهدد ما تبقى من الدولة.
غير أن واشنطن لا تقدم هذه المكاسب باعتبارها حقوقاً فورية انما تربطها بمراحل أمنية وشروط مراقبة وتحقق عن كثب. الامر الذي يعتبره بعض الفرقاء امرا يصعب تقبله : فلبنان مطالب بالتزامات واضحة تبدأ بحصر السلاح، وضبط الحدود ومنع التمويل غير الشرعي، فيما يبقى الانسحاب الإسرائيلي تدريجياً ومرتبطاً بتقييم مدى زوال التهديد.
وبذلك لا يحصل لبنان على ضمانة مطلقة بأن إسرائيل ستنسحب وتتوقف عن عملياتها بمجرد تنفيذ الاتفاق. الرافضون للاتفاق يقولون ان اسرائيل تستطيع في أي مرحلة القول إن الشروط لم تكتمل أو إن الخطر لا يزال قائماً، فتؤخر الانسحاب أو تحتفظ بحرية التحرك العسكري.
وهذه هي الثغرة الأخطر.
ويضيف بعض المشككين . إذا كان المطلوب قيام دولة لبنانية حقيقية، فيجب حمايتها أيضاً من الاعتداءات الخارجية، لا أن تتحول فقط إلى جهة تنفذ الالتزامات المطلوبة منها.
الى ذلك، يبدو واضحاً أن إعادة الإعمار ستتحول الى أداة ضغط سياسي وأمني. فالأموال والمساعدات سترتبط بمراحل التنفيذ وبالرقابة على مصادر التمويل ووجهة الإنفاق. واذ فد يساعد ذلك على الحد من الفساد ومنع توظيف أموال الإعمار لخدمة التنظيمات المسلحة، الا انه قد يجعل إعادة بناء القرى المتضررة رهينة القرار السياسي الأميركي والتقييم الأمني الإسرائيلي.
رغم ذلك لا ينبغي رفض الاتفاق لمجرد أن واشنطن صاغته وفق مصالحها. فالولايات المتحدة، مثل كل دولة كبرى، تتحرك وفق حساباتها الاستراتيجية. فهي تريد حماية إسرائيل، وتقليص النفوذ الإيراني، و ايضا تريدتعزيز موقع الجيش اللبناني وجعله القوة الشرعية الوحيدة.
واذا كانت واشنطن تبحث عن مصالحها، فعلى لبنان ايضا ان يكون قادراً على حماية مصلحته داخل هذه التسوية فلا بديل غيرها .
لذلك يُمكن للبنان أن يحول الاتفاق إلى فرصة فريدة في ظل غياب اي مبادرة بديلة، من خلال تمسك واضح بتلازم مسار خطواته والخطوات الإسرائيلية فانتشار الجيش مقابل الانسحاب، وحصر السلاح مقابل وقف الاعتداءات، والإعمار مقابل ضمانات دولية جدية. أما إذا نفذ لبنان التزاماته، فيما بقي الانسحاب الإسرائيلي خاضعاً لشروط غامضة وتقديرات مفتوحة، فإن التسوية تصبح غير متوازنة، مما قد يحمل الدولة مسؤوليات كبيرة من دون منحها الضمانات الكافية لتنفيذ ما وعدت ووُعِدتْ به، خاصة انه لا يمكن تجاهل تعقيدات الداخل اللبناني. فحصر السلاح لا يتحقق بالشعارات ولا بقرارات تؤدي إلى مواجهة أهلية. وأي خطوة ناقصة قد تتحول إلى مغامرة تفتح جراحاً لم تُغلق منذ الحرب الأهلية.
وكي لا تضيع الفرصة الوحيدة والاخيرة، غلى الافرقاء المؤيدين والممانعين الابتعاذ عن الاستفزازات الداخلية واستعمال مفردات التخوين والعمالة والتسليم بقيادة الدولة والجيش والمؤسسات الشرعية للمسار الحالي وان يشارك فيه اللبنانيون جميعاً، للوصول تدريجياً إلى دولة لا ينازعها أحد على قرارها، من دون إذلال أي فئة أو دفع البلاد إلى اقتتال جديد.
لقد جرّب اللبنانيون منذ 1975 كل الحلول الخارجية والمشاريع المعلبة وحان الآوان لتتسلم الدولة القيادة لترسم المبادرة الخاصة بها وخاصة انها لا تتعامل مع الاتفاق الجديد باعتباره نصراً لفريق أو هزيمة لأخر انما تعتبره فرصة جديرة ان تُستغل فهو قد يكون آخر الأبواب المتاحة أمام لبنان للخروج من دائرة الحرب والانهيار. كما ان الضمانة هذه المرة هي واشنطن والرئيس ترامب شخصيا وهو الذي قال ان الاتفاق طريق لإعادة صياغة لبنان كما ان الرئيس دونالد ترانب هو الوحيد القادر على انتزاع ضمانات من إسرائيل لوقف اعتداءاتها وللانسحاب وهي ضمانات كافية وقوية و لا تقل وضوحاً عن الالتزامات المطلوبة من لبنان.
الأخبار بالفيديو

الأخبار عبر البريد الإلكتروني
اشترك الآن لتصلك الأخبار إلى بريدك الإلكتروني


