سوريا بين أنقرة وتل أبيب: أين يمكن أن يقع أول احتكاك عسكري مباشر؟
الحدث-كندا متابعة
غارة أبو الظهور ترفع منسوب الخطر… وإسرائيل تخشى أن تتحول سوريا إلى مظلة نفوذ عسكري تركي تحدّ من تفوقها الجوي
دخل التنافس التركي–الإسرائيلي على سوريا مرحلة أكثر حساسية بعد الغارات الإسرائيلية التي استهدفت، في 18 آب/أغسطس، قاعدة أبو الظهور الجوية في محافظة إدلب، على مسافة نحو 70 كيلومتراً من الحدود التركية. فالضربة تجاوزت في دلالاتها حدود استهداف منشأة عسكرية سورية، بعدما أعلنت إسرائيل أن أحد دوافعها كان منع انتشار عسكري تركي محتمل في القاعدة.
ووفق ما نقلته وكالة «رويترز»، قال مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن دمشق كانت على وشك السماح بانتشار قوات تركية في أبو الظهور، معتبراً أن ذلك يشكل تهديداً لأمن إسرائيل. في المقابل، رفضت أنقرة هذه المبررات، واتهمت إسرائيل باستخدامها لتغطية ضربات تمس السيادة السورية، مؤكدة استمرار تعاونها مع حكومة الرئيس أحمد الشرع في المجالات العسكرية والمؤسساتية.
وبحسب الإعلام السوري، نفذت إسرائيل ثماني غارات أصابت مدرج القاعدة ومنشآت تخزين، وألحقت أضراراً مادية من دون وقوع ضحايا. وقد أدانت تركيا وسوريا الهجوم، فيما وصف المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم باراك الضربة بأنها «تصعيد غير ضروري».
أخطر ما ظهر بعد الضربة لم يكن حجم الأضرار في أبو الظهور، وإنما ما كشفه باراك عن الساعات التي رافقتها.
فقد أكد أن تركيا لم تتلقَّ إنذاراً مسبقاً بالهجوم، وأنها رصدت الطائرات الإسرائيلية وهي تتجه شمالاً في اتجاه قريب من أراضيها، ما كان يمكن أن يدفعها، بصورة معقولة، إلى الاستعداد لرد عسكري.
وأضاف المبعوث الأميركي أن هدوء الأطراف حال دون تدهور الوضع، معلناً أن واشنطن تعمل على إنشاء آلية أكثر فاعلية لمنع الاشتباك بين تركيا وإسرائيل وسوريا.
وهذه المعطيات تجعل من أبو الظهور اليوم أكثر المواقع احتمالاً لوقوع أول احتكاك مباشر بين الجيشين التركي والإسرائيلي إذا قررت أنقرة إرسال قوات أو معدات عسكرية إلى القاعدة، ثم عادت إسرائيل لاستهدافها.
فالمعادلة ستختلف جذرياً في حال أصبح داخل المنشأة جنود أتراك أو منظومات تركية. وعندها قد تتحول غارة إسرائيلية على موقع سوري إلى ضربة تطاول قوة تابعة لدولة عضو في حلف شمال الأطلسي.
لماذا تخشى إسرائيل الوجود التركي في سوريا؟
جوهر الصراع يتجاوز قاعدة عسكرية واحدة.
تركيا أصبحت من أبرز حلفاء السلطة السورية الجديدة، وتشارك في تدريب القوات السورية وإعادة بناء مؤسسات الدولة وتقديم الدعم العسكري والسياسي لدمشق. وإسرائيل تراقب هذا الدور بقلق متزايد، خصوصاً عندما ينتقل من التدريب وإعادة التنظيم إلى البنية التحتية العسكرية والرادارات والدفاع الجوي.
المشكلة بالنسبة إلى إسرائيل تكمن في أن انتشاراً عسكرياً تركياً واسعاً قد يؤدي تدريجياً إلى قيام مظلة أمنية تركية فوق أجزاء من سوريا.
فإسرائيل اعتمدت طوال سنوات على حرية حركة جوية واسعة في الأجواء السورية لضرب أهداف تعتبرها مهددة لأمنها، كما استخدمت المجال السوري في عمليات مرتبطة بالوجود الإيراني ونقل السلاح إلى حزب الله.
أما إذا انتشرت رادارات تركية ومنظومات دفاع جوي قادرة على رصد الطائرات الإسرائيلية وتعقبها، فإن البيئة العسكرية السورية ستتغير.
وتحدثت «فايننشال تايمز» عن قيام القوات التركية بتركيب أنظمة رادار على الساحل السوري ضمن جهود للمساهمة في إعادة بناء قدرات الدفاع الجوي السورية.
من هنا يمكن فهم الموقف الإسرائيلي: تل أبيب لا تريد أن تتحول سوريا إلى منطقة نفوذ عسكري تركي قادرة على تقييد التفوق الجوي الإسرائيلي أو الحد من حرية عمل سلاح الجو الإسرائيلي.
أبو الظهور الأقرب… وT4 الأخطر
على المدى القصير، تبدو قاعدة أبو الظهور النقطة الأكثر قابلية لإنتاج حادث عسكري بسبب قربها من تركيا وما حدث فيها بالفعل.
لكن الخطر الاستراتيجي الأكبر قد يكون في وسط سوريا، وتحديداً في قاعدة T4 أو التياس في ريف حمص، إضافة إلى تدمر ومطار حماة العسكري.
ففي نيسان/أبريل 2025، كشفت «رويترز» أن فرقاً عسكرية تركية كانت قد درست قواعد T4 وتدمر وحماة في إطار خطط محتملة لتوسيع التعاون العسكري مع الحكومة السورية، قبل أن تتعرض هذه المنشآت لضربات إسرائيلية.
موقع T4 يعطي المسألة بعداً مختلفاً. فالانتشار التركي في إدلب يمكن تفسيره في إطار النفوذ التقليدي لأنقرة في شمال سوريا وأمن حدودها، بينما وجود تركي عسكري متقدم في منطقة حمص وتدمر يعني وصول أنقرة إلى القلب الجغرافي والاستراتيجي لسوريا.
وفي حال ترافقت هذه القواعد مع طائرات مسيرة ورادارات ومنظومات دفاع جوي، فإنها قد تخلق واقعاً جديداً يفرض قيوداً عملية على النشاط الجوي الإسرائيلي.
ولهذا يمكن القول إن أبو الظهور هي المرشح الأول لحادث قريب، بينما تبقى T4 المرشح الأخطر لمواجهة ذات أبعاد استراتيجية أوسع.
الأخبار بالفيديو

الأخبار عبر البريد الإلكتروني
اشترك الآن لتصلك الأخبار إلى بريدك الإلكتروني

