جمعية الكتاب المقدّس في لبنان… من تاريخ نشر الكلمة إلى مواجهة الجهل الكتابي

Last Updated: أكتوبر 15, 2026Categories: أخبار لبنان

الحدث-كندا

أندريه قصاص


ليست قصة الكتاب المقدّس مجرد حكاية كتاب طُبع وانتقل من جيل إلى جيل، بل هي مسيرة طويلة من الترجمة والحفظ والنشر، ومن البحث عن الوسائل التي تجعل كلمة الله حاضرة في حياة الإنسان، بلغته وثقافته وأسئلته المتجددة. ولعلّ المحاضرة التي استمعت إليها بالأمس للدكتور مايك باصوص، الأمين العام والمدير التنفيذي لجمعية الكتاب المقدّس في لبنان، في كاتدرائية مار مارون في مونتريال في حضور راعي الأبرشية المطران بول – مروان تابت، ومطران السريان الكاثوليك أنطوان ناصيف وممثل بطريرك الأرمن الأرثوذكس الأب هاغوب غاياديان وعدد من الكهنة وجمع من المؤمنين، تشكّل مناسبة للتوقف عند تاريخ هذه المؤسسة ورسالتها، ولا سيما في ضوء تحدّيين أساسيين: الجهل الكتابي وجهل التفسير.
وفي شرح سريع عن مراحل تاريخية للجمعية قال باصوص أن جذور العمل على نشر الكتاب المقدّس في لبنان وسوريا تعود إلى عام 1820، فيما تأسست جمعية الكتاب المقدّس في لبنان رسمياً في 9 أيلول 1950، بمبادرة من مجموعة من القيادات المسيحية المحلية، ضمّت رجال دين ورجال أعمال ومحامين. وقد انطلقت هذه المبادرة من إيمان بأهمية إتاحة الكتاب المقدّس للناس، وتوسيع دائرة قراءته، وجعله في متناول مختلف الفئات الاجتماعية والثقافية. ومع مرور السنوات، تطورت الجمعية لتصبح مؤسسة متخصصة في نشر الكتاب المقدّس وتوزيعه، وإعداد الموارد المرتبطة به، بالتعاون مع كنائس ومؤسسات مسيحية من تقاليد مختلفة.
ويؤكد باصوص أنه لا يمكن فهم هذه المسيرة بمعزل عن الإرث الكتابي العريق للمشرق، حيث عرفت الكنائس نصوص الكتاب المقدّس بلغات متعددة، وفي طليعتها السريانية، قبل أن تتعاقب الترجمات العربية التي ساهمت في نقل النص إلى جمهور أوسع. وقد مثّلت الترجمة على الدوام أكثر من عملية لغوية؛ فهي مسؤولية ثقافية وروحية تقتضي المحافظة على أمانة النص، مع الحرص على أن يصل معناه إلى القارئ بلغة يفهمها ويستطيع التفاعل معها.
ويضيف: أنه وفي هذا السياق، شكّلت الترجمة العربية المشتركة للكتاب المقدّس، التي صدرت عام 1993 بعد عمل بدأ في ستينيات القرن الماضي، محطة مهمة في تاريخ التعاون الكتابي العربي، بمشاركة اختصاصيين في اللغات الأصلية ومترجمين عرب. وقد ساهمت هذه الترجمة في توفير نص عربي مشترك يُستخدم في أوساط مسيحية متعددة، إلى جانب ترجمات أخرى لها تاريخها ومكانتها في الكنائس اللبنانية والعربية.”


وتعكس هذه المحطات التاريخية اتجاهاً أساسياً في رسالة جمعية الكتاب المقدّس: جعل النص المقدّس متاحاً، وتوسيع نطاق نشره، وتطوير الوسائل التي تتيح للأفراد والعائلات والمؤسسات الكنسية الاستفادة منه. وقد انضمت الجمعية إلى اتحاد جمعيات الكتاب المقدّس العالمي بصفة عضو مشارك عام 1983، ثم أصبحت عضواً كاملاً عام 1996، فيما امتد نشاطها تاريخياً إلى عدد من بلدان المنطقة.
الجهل الكتابي
غير أن نشر الكتاب المقدّس يطرح سؤالاً يتجاوز عدد النسخ المطبوعة والموزعة، ويتصل بمدى معرفة الناس بمضمونه وفهمهم لمعانيه. وهنا تبرز أهمية التمييز بين الجهل الكتابي وجهل التفسير، وهما مشكلتان مختلفتان، وإن كانتا تلتقيان في إضعاف العلاقة الواعية بين الإنسان والنص المقدّس.
وفي رأي باصوص أن الجهل الكتابي يتمثل في عدم معرفة الكتاب المقدّس أو عدم قراءته بما يكفي، حتى لدى أشخاص ينتمون إلى تقليد كنسي ويمارسون الشعائر الدينية بانتظام. وقد يعرف الإنسان المناسبات الأساسية في الحياة الكنسية، لكنه لا يمتلك معرفة كافية بالشخصيات والأحداث والنصوص التي تشكّل أساس الإيمان المسيحي. وفي هذه الحالة، قد يبقى الإيمان مرتبطاً بما ورثه الإنسان من محيطه، من دون أن تتوافر له دائماً فرصة اكتشاف النص بنفسه والتعمق في مضمونه.
وعن جهل التفسير، يقول باصوص إنه يتخذ منحى أكثر تعقيداً؛ إذ قد يعرف الإنسان الآية ويحفظها، لكنه يقرأها بمعزل عن سياقها التاريخي والأدبي واللاهوتي، أو يستخدمها لتأكيد فكرة مسبقة من دون النظر إلى موقعها في النص الكامل. وقد يؤدي ذلك إلى سوء فهم المعنى، أو إلى استنتاجات لا تنسجم مع المقصد الذي يعبّر عنه النص ضمن سياقه.
فالجهل بالنص يحرم الإنسان من المعرفة، أما سوء فهم التفسير فقد يدفعه إلى الاعتقاد بأنه يعرف النص، فيما هو يسيء فهمه. ومن هنا، لا تكفي الدعوة إلى قراءة الكتاب المقدّس وحدها، بل ينبغي أن تترافق مع تشجيع القراءة الواعية، وتوفير الموارد التي تساعد على فهم النص، واحترام قواعد التفسير، والاستفادة من التراث العلمي واللاهوتي للكنائس.
ولا يعني التفسير السليم فرض قراءة واحدة على جميع المسيحيين، بل يتطلب معرفة باللغة والسياق وطبيعة النص، والتمييز بين معناه وبين الأفكار التي قد يُسقطها القارئ عليه. كما يقتضي إدراك الفوارق بين الأنواع الأدبية في الكتاب المقدّس، وعدم التعامل مع كل نص بالطريقة نفسها، سواء أكان سرداً تاريخياً أم شعراً أم حكمة أم تعليماً أم مثلاً.
من هنا، تتجاوز مسؤولية جمعية الكتاب المقدّس حدود الطباعة والتوزيع، لتشمل المساهمة في توفير الأدوات والموارد التي تشجع على القراءة والفهم. ولا يعني ذلك أن تحلّ الجمعية محل الكنائس في التعليم والتفسير والرعاية الروحية، بل أن تؤدي دوراً مكمّلاً من خلال إتاحة النصوص والموارد الكتابية، وتعزيز التعاون مع المؤسسات الكنسية والتربوية.
وقد بات هذا الدور أكثر إلحاحاً في زمن التحولات الرقمية، حيث تتغير عادات القراءة، ويتلقى الشباب قسماً كبيراً من معارفهم عبر الشاشات والمنصات الإلكترونية. فالانتقال إلى التطبيقات والكتب الإلكترونية والمحتوى الصوتي والمرئي يفتح آفاقاً واسعة لنشر الكتاب المقدّس، لكنه يفرض أيضاً تحدياً يتمثل في ضمان ألا تتحول سهولة الوصول إلى النص إلى قراءة سطحية أو إلى تداول تفسيرات مجتزأة من دون تدقيق.
وفي هذا الإطار، تكتسب البرامج التعليمية الموجهة إلى الأطفال والشباب، والموارد التي تساعد العائلات على قراءة الكتاب المقدّس معاً، أهمية خاصة. كما يمكن للتعاون بين جمعيات الكتاب المقدّس والكنائس والمدارس والمؤسسات الإعلامية أن يسهم في بناء ثقافة كتابية أكثر رسوخاً، تجمع بين المعرفة والفهم، وبين القراءة الشخصية والحوار الجماعي.
أما في لبنان، حيث تتداخل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية مع الهجرة وتراجع الإمكانات التربوية لدى كثير من العائلات، فإن إتاحة الكتاب المقدّس والموارد التعليمية المرتبطة به تطرح تحدياً إضافياً. فالمطلوب ليس توفير الكتاب فحسب، بل ضمان وصوله إلى الفئات التي تحتاج إليه، وتطوير أساليب تجعل قراءته ممكنة ومفيدة في مختلف الظروف، بما فيها ظروف اللبنانيين المنتشرين في بلدان الاغتراب.
إن تجربة جمعية الكتاب المقدّس في لبنان تفتح الباب أمام تأمل أوسع في العلاقة بين التراث والحداثة، وبين نشر النص وفهمه. فتاريخ الجمعية يذكّر بأهمية الجهود التي بُذلت عبر العقود لإتاحة الكتاب المقدّس باللغة العربية، فيما تضع تحديات الحاضر أمامها مسؤولية البحث عن وسائل جديدة للوصول إلى الأجيال التي لم تعد تقرأ بالطريقة نفسها التي اعتادتها الأجيال السابقة.
وفي المحصلة، لا تُقاس رسالة نشر الكتاب المقدّس بعدد النسخ التي تصل إلى أيدي الناس وحده، بل أيضاً بمدى ما تتيحه لهم من معرفة وفهم وتأمل. فالكتاب الذي يبقى على الرف لا يحقق وحده الغاية من نشره، والنص الذي يُقرأ من دون فهم سياقه قد يتحول إلى مادة للاستشهاد المجتزأ بدلاً من أن يكون مدخلاً إلى المعرفة.
لذلك، ربما يكون التحدي الأكبر أمام المؤسسات المعنية بنشر الكتاب المقدّس اليوم هو الانتقال من إتاحة النص إلى بناء علاقة واعية ومستدامة معه؛ علاقة لا تكتفي بمعرفة الكلمات، بل تسعى إلى فهم معانيها، ولا تتوقف عند القراءة، بل تفتح المجال أمام التأمل والحوار وتحمل المسؤولية تجاه الإنسان والمجتمع.
وهنا تكمن أهمية مواصلة العمل الذي تنهض به جمعية الكتاب المقدّس في لبنان، بالتعاون مع الكنائس والمؤسسات التربوية والإعلامية: أن تبقى كلمة الله متاحة للأجيال الجديدة، وأن تصل إليها بلغة مفهومة ووسائل مناسبة، وأن تترافق قراءتها مع معرفة تحمي النص من الجهل، وفهم يحميه من سوء التفسير.
وكان لكل من المطرانين تابت وناصيف مداخلتان قيمتان عن أهمية هذه الجمعية وما تقوم به من دور فعال وبنّاء في نشر الكتاب المقدس وكلمة الله.

الأخبار عبر البريد الإلكتروني

اشترك الآن لتصلك الأخبار إلى بريدك الإلكتروني