الكيبيكيون قالوا كلمتهم… والديمقراطية انتصرت
الحدث كندا
رؤوف نجم
بهذه البساطة الراقية، ومن دون صراخ أو عنف أو صدام في الشارع، قال الكيبيكيون كلمتهم. توجهوا إلى صناديق الاقتراع، وضع كل منهم خياره في ورقة صغيرة، ثم عادوا إلى بيوتهم تاركين للفرز أن يرسم ملامح مرحلة جديدة في تاريخ المقاطعة. وفي ساعات قليلة، تبدلت مواقع السلطة، غادر من غادر، وتقدّم جيل سياسي جديد لتسلّم المسؤولية، فيما قبل الجميع بحكم الناخبين.
إنها صورة تستحق التوقف عندها. فالديمقراطية لا تُختبر عندما يفوز الحزب الذي نؤيده، بل عندما يخسر الحزب الحاكم ويحترم النتيجة، وعندما تمنح الأغلبية موقعاً لخصمها من دون أن تنزع عنه حقه في المشاركة والرقابة. ما جرى في كيبيك في الخامس من أكتوبر كان درساً عملياً في احترام المؤسسات، وفي انتقال السلطة بهدوء، وفي قدرة المجتمع على إدارة اختلافاته عبر القانون والصندوق.
كيبيك مدرسة قائمة بذاتها في ممارسة الديمقراطية وإدارة الشأن العام. فيها يتواجه مشروع الاستقلال مع الدفاع عن الفيدرالية، ويتنافس اليمين مع اليسار، وتتصادم الرؤى حول الهجرة والاقتصاد والسكن والبيئة، لكن الجميع يعود في النهاية إلى قاعدة واحدة: الشعب هو صاحب الكلمة، والمؤسسات هي الحكم.
لم تُنتج الانتخابات التشريعية حكومة قوية قادرة على الحكم وحدها، لكنها أفرزت مشهداً أكثر دلالة: ديمقراطية موزعة بين خمس قوى كبرى، يعود فيها الحزب الكيبيكي إلى السلطة بحكومة أقلية، فيما تصبح كل ميزانية وكل مشروع قانون وكل نقاش حول مستقبل المقاطعة اختباراً جديداً لإرادة الناخبين.
حصل الحزب الكيبيكي بقيادة بول سان بيير بلاموندون على 59 مقعداً من أصل 127، أي أقل بخمسة مقاعد من الأكثرية المطلوبة. وحل الحزب الليبرالي ثانياً بـ40 مقعداً، ثم المحافظون بـ19، وكيبيك التضامني بـ9، فيما خرج تحالف مستقبل كيبيك من الجمعية الوطنية من دون مقاعد.
هذه الخريطة لا تمنح أي حزب تفويضاً مطلقاً. وهي تضع الجميع أمام مسؤولية مزدوجة: الحكومة مطالبة بأن تقنع، والمعارضة مطالبة بأن تراقب وتقترح وتؤثر. هنا يظهر المعنى الأعمق للديمقراطية: اختيار الممثلين، ثم إلزامهم بالاستماع والتفاوض واحترام أن للخصم السياسي شرعية مستمدة من أصوات الناس.
بالنسبة إلى بلاموندون، تحمل النتيجة بعداً يتجاوز إدارة الملفات اليومية. فهو يرى أن حق كيبيك في طرح سؤال السيادة والاستقلال يدخل في صميم الممارسة الديمقراطية. فالاستفتاء، في نظره، هو عودة إلى المواطنين كي يقرروا مستقبلهم السياسي بأنفسهم. وقد وعد بعقد استفتاء خلال ولايته، مع إرجاء الموعد إلى ما بعد انتهاء ولاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في ضوء حالة عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي المحيطة بكندا.
لكن حكومة الأقلية تضع هذا المشروع أمام واقع أكثر تعقيداً. فالناخبون لم يمنحوا الحزب الكيبيكي الغالبية الكافية لفرض أجندته. لقد رسموا برلماناً يحتاج إلى حوار دائم. القوانين ستناقش بنداً بنداً، والميزانيات تحتاج إلى أصوات من خارج الحزب الحاكم، وكل قرار كبير سيقاس بقدرته على جمع التأييد داخل الجمعية الوطنية.
ومن هنا يبرز دور شارل ميليار، زعيم الحزب الليبرالي وقائد المعارضة الرسمية. فالليبراليون، المدافعون عن بقاء كيبيك داخل كندا، سيقدمون أنفسهم كقوة توازن في مواجهة مشروع الاستقلال. وهم يعترفون برغبة الناخبين في التغيير، لكنهم يرفضون أن يتحول هذا التغيير إلى مغامرة سياسية لا تحظى بتوافق واسع. في حكومة أقلية، لا تكون المعارضة مجرد صوت رافض، وإنما شريكاً دستورياً في حماية التوازن.
أما رُبى غزال وكيبيك التضامني، فتقدمان تعريفاً أوسع للديمقراطية. فالديمقراطية، بحسب الرؤية التقدمية للحزب، تمتد إلى حق المواطن في السكن الكريم، والخدمات العامة العادلة، ومواجهة التغير المناخي، وإعطاء الفئات الضعيفة مكاناً حقيقياً في صنع القرار. وهي مقاربة تجعل الإنسان وحياته اليومية في صلب النقاش السياسي، إلى جانب القضايا الدستورية والاقتصادية.
وفي الجهة المحافظة، حقق إريك دوهيم اختراقاً لافتاً بإدخال نواب حزبه إلى البرلمان للمرة الأولى. ويرى في هذه النتيجة دليلاً على أن أصوات مئات آلاف الكيبيكيين أصبحت ممثلة تحت قبة الجمعية الوطنية. موقفه من حكومة الأقلية واضح: تعاون على القضايا التي تخدم المواطنين، من دون ائتلافات دائمة أو اتفاقات طويلة تقيد الحزب. كل مشروع سيُدرس وفق مضمونه ومصلحة الناس.
أما كريستين فريشيت، فقد واجهت النتيجة الأقسى. خسارة تحالف مستقبل كيبيك لمقاعده كلها تمثل نهاية مؤلمة لمرحلة حكم استمرت سنوات. لكن قبولها بحكم الصناديق يعكس أحد أجمل وجوه الديمقراطية: التداول السلمي للسلطة، والاعتراف بأن المرجع الأخير، عند الاختلاف، هو قرار الناخبين.
كيبيك تدخل اليوم مرحلة جديدة. سيعود موضوع الاستقلال إلى الواجهة، إلى جانب السكن والهجرة والاقتصاد والخدمات العامة. وستكون المعارضة قوية، لكن عليها أن تثبت قدرتها على التأثير البنّاء. أما الحكومة، فعليها أن تحكم بوعي بأن أكثر من سبعين في المئة من الناخبين لم يمنحوها أصواتهم.
ذلك هو الدرس الأبرز في انتخابات 5 أكتوبر: الديمقراطية لا تقدم دائماً أجوبة نهائية، لكنها تفتح المجال أمام نقاش منظم، وتحمي حق الاختلاف، وتمنع احتكار القرار. قال الكيبيكيون كلمتهم، والمرحلة المقبلة ستكشف قدرة ممثليهم على الإصغاء إليها.
الأخبار بالفيديو

الأخبار عبر البريد الإلكتروني
اشترك الآن لتصلك الأخبار إلى بريدك الإلكتروني


