مونتريال بين فكر «Incel» وصعود جماعات اليمين الأبيض من المستهدف في حادثة Côte-des-neiges
الحدث-كندا – مونتريال
أثار وقوع إطلاق النار الدامي في منطقة كوت-دي-نيج، وسط حضور لافت للمؤسسات والمتاجر والمدارس اليهودية، مخاوف مبكرة من احتمال أن تكون الجالية اليهودية في مونتريال هدفاً للهجوم. غير أن التحقيقات والمعلومات الرسمية المتوافرة حتى مساء الاثنين لا تقدم دليلاً يثبت هذه الفرضية، فيما تتجه الأنظار إلى بيان طويل نُسب إلى المسلح ويتضمن، بحسب تقارير إعلامية، أفكاراً معادية للنساء وقريبة من أيديولوجيا «Incel».
وانتهت الحادثة بمقتل شرطي ومدني والمسلح، وإصابة شرطية أخرى بجروح خطرة أصبحت حالتها بعدها مستقرة. وكانت الشرطة قد تلقت نحو الساعة 11:35 قبل الظهر بلاغاً عن شخص يُبرز سلاحاً طويلاً من نافذة في فندق هيلتون قرب بولفار ديكاري، قبل أن يفتح النار على العناصر الذين وصلوا إلى المكان.
حتى الآن، لم تعلن شرطة مونتريال أسماء القتلى أو هوية مطلق النار، كما لم تحدد الدافع وراء الهجوم. وقال قائد الشرطة فادي داغر إن المحققين لا يعرفون بعد من أطلق الرصاصة التي قتلت المدني، وما إذا كانت من سلاح المهاجم أو خلال رد الشرطة عليه.
الموقع أثار المخاوف… لكنه لا يثبت الاستهداف
تقع منطقة الحادث بالقرب من مدارس ومعابد ومراكز يهودية، إضافة إلى مطاعم ومتاجر تقدّم منتجات «كوشير» ومركز تابع لحركة حباد. ومن الطبيعي أن يثير ظهور رجل مسلح يحمل بندقية في هذا الموقع خوفاً شديداً داخل الجالية، خصوصاً بعد سلسلة حوادث سابقة استهدفت مؤسسات يهودية في مونتريال.
لكن اختيار المنطقة، وحده، لا يكفي لاعتبار ما جرى هجوماً معادياً لليهود. فلم يثبت أن المسلح أطلق النار على كنيس أو مدرسة أو مركز ديني، كما لم تعلن الشرطة العثور على شعارات أو كتابات معادية للسامية مرتبطة بالحادثة.
وأفاد بعض السكان وأفراد الجالية بأن ما شاهدوه لم يوحِ بأن المهاجم كان يختار ضحاياه على أساس ديني. كما أن المعلومات الأولية تشير إلى أنه أطلق النار على الشرطة عند وصولها، من دون أن يتضح حتى الآن ما إذا كان استدعاؤها جزءاً من خطته أم نتيجة تصرفات شاهدها أحد المواطنين.
لذلك، تبقى الإجابة الرسمية في هذه المرحلة واضحة: لا يوجد حتى الآن دليل يثبت أن الجالية اليهودية كانت مستهدفة، لكن المحققين لم يغلقوا أي فرضية قبل فحص بيان المهاجم وأجهزته الإلكترونية وتحركاته السابقة.
كما أن الأخبار المتضاربة بشأن مايكل موشيه مزراحي أظهرت خطورة الاستعجال. فقد نُشر أولاً أنه المدني الذي قُتل، قبل أن تتراجع مصادر من الجالية عن الخبر، وتقول إنه مفقود أو مصاب بجروح خطرة. ولهذا لا يجوز اعتماد اسمه باعتباره القتيل المدني ما لم تصدر السلطات أو عائلته تأكيداً رسمياً.
ماذا نعرف عن فرضية «Incel»؟
نقل مكتب التحقيقات في شبكة TVA عن مصادره أن المسلح قدم من مقاطعة ألبرتا خلال الأيام السابقة، وترك بياناً من عشرات الصفحات بات في حوزة الشرطة.
وبحسب التحليل الأولي المنقول عن المحققين، تحدث كاتب البيان عن الوحدة التي يعيشها بعض الرجال، وهاجم النساء، واعتبر أن عدداً كبيراً من الرجال أصبحوا مهمشين ومرفوضين عاطفياً. كما أبدى حنيناً إلى مجتمع تحكمه قيم تقليدية، وانتقد المواقع الإباحية والرأسمالية الحديثة.
ورأت المصادر أن هذا الخطاب يقترب من أيديولوجيا «Incel»، وهي اختصار لعبارة «العازب قسراً». ولا تمثل «Incel» منظمة لها قيادة ومكاتب وبنية عضوية، بل هي تسمية لمجتمعات ومنتديات إلكترونية تضم رجالاً يرون أنهم غير قادرين على إقامة علاقات عاطفية أو جنسية رغم رغبتهم في ذلك.
وتتحول المعاناة الشخصية داخل أكثر هذه المنتديات تطرفاً إلى خطاب يحمّل النساء والنسوية والمجتمع مسؤولية فشل الرجل، ويصور المرأة كخصم أو كسبب في انهيار ما يسمونه النظام التقليدي. وقد وصل بعض هذا الخطاب في حوادث سابقة إلى تمجيد القتل والاعتداءات ضد النساء.
لكن وصف المهاجم بأنه من أتباع «Incel» لا يزال، في حادثة مونتريال، فرضية إعلامية تستند إلى مصادر تحقيقية ولم تعلنها الشرطة في تقرير رسمي. كما أن أفكار «Incel» المعروفة تتركز أساساً على كراهية النساء، ولا تعني تلقائياً وجود دافع عنصري أو معادٍ لليهود.
من هم الملثمون الذين ظهروا في شاوينيغان؟
تأتي حادثة مونتريال بعد أسابيع قليلة من ظهور نحو عشرين رجلاً ملثماً في مدينة شاوينيغان، وهم يرتدون ملابس سوداء ويرفعون لافتة كتب عليها بالفرنسية: «أتذكر كيبيك بيضاء».
أثار المشهد إدانة واسعة من حكومة كيبيك والأحزاب السياسية والسلطات المحلية. وربط سياسيون التجمع بما يسمى «Active Clubs»، ومنها مجموعة Second Sons Canada، وهي شبكات قومية بيضاء تستعمل الرياضة وتمارين اللياقة البدنية والفنون القتالية وسيلة لجذب الشباب وبناء روابط ذكورية مغلقة.
وتقدم هذه الجماعات نفسها أحياناً على أنها نوادٍ للرياضة والأخوّة والحفاظ على التراث، لكن باحثين في التطرف يرون أنها تستخدم هذه الأنشطة لتطبيع أفكار تفوق العرق الأبيض، ومعارضة الهجرة والتعدد الثقافي، والترويج لنظرية مؤامرة تزعم أن السكان البيض يُستبدلون تدريجياً بالمهاجرين.
كما ظهر أفراد يرتدون الأقنعة البيضاء والملابس السوداء في تحركات متزامنة أو متقاربة في مدن كندية أخرى. وقالت Second Sons Canada إنها كانت وراء عدد من هذه التحركات، بينما وصفها باحثون بأنها جزء من نموذج حديث ولا مركزي لتنظيم اليمين الأبيض، يعرف أحياناً باسم «القومية البيضاء 3.0».
هل توجد علاقة بين «Incel» وSecond Sons؟
لا توجد حتى الآن أي معلومات رسمية أو صحافية موثوقة تربط مسلح مونتريال بمجموعة Second Sons Canada أو بأي «Active Club». كما لم يظهر دليل على أنه شارك في تجمع شاوينيغان أو كان عضواً في تنظيم عنصري أبيض.
والأهم أن المقارنة بينهما تحتاج إلى دقة: «Incel» ليست منظمة واحدة، بل فضاء إلكتروني ذو خطاب معادٍ للنساء؛ أما Second Sons و«Active Clubs» فهي مجموعات أكثر تنظيماً، يتركز خطابها على العرق الأبيض والهجرة والهوية القومية والتدريب الجسدي.
ومع ذلك، توجد نقاط تشابه فكرية لا يمكن تجاهلها. فالتياران يستهدفان غالباً رجالاً يشعرون بالعزلة أو فقدان المكانة، ويقدمان لهم تفسيراً مبسطاً يقوم على وجود عدو مسؤول عن أزماتهم. لدى «Incel» تكون المرأة والنسوية هما العدو الرئيسي، بينما تلقي القومية البيضاء المسؤولية على المهاجرين والأقليات والتعددية الثقافية.
كما يلتقي بعض الخطابين عند تمجيد الرجولة الصلبة، ورفض التحولات الاجتماعية، والحنين إلى مجتمع تقليدي كان الرجل الأبيض فيه، وفق تصورهم، أكثر سلطة ونفوذاً. ويمكن لهذه الأفكار أن تتداخل داخل شبكة الإنترنت نفسها، وأن ينتقل شخص من خطاب معادٍ للنساء إلى خطاب عنصري أو العكس.
لكن التشابه أو التداخل الفكري لا يثبت وجود اتصال تنظيمي أو علاقة مباشرة. وحتى ظهور المهاجم بملابس عسكرية لا يكفي لربطه بجماعات الملثمين؛ فالانتماء يحتاج إلى أدلة، مثل الاتصالات والعضوية والمشاركة في النشاطات أو إشارات واضحة داخل البيان الذي تركه.
بين فرضيتين وتحقيق مفتوح
حتى الآن، تبدو فرضية الاستهداف المباشر للجالية اليهودية أضعف من فرضية هجوم مرتبط بأزمة شخصية وتطرف معادٍ للنساء، استناداً إلى ما نُشر عن بيان المهاجم. إلا أن هذه الخلاصة تبقى مؤقتة، لأن الشرطة لم تكشف نص البيان أو هوية المسلح أو الهدف الذي كان يريد الوصول إليه.
وسيكون على التحقيق الإجابة عن أسئلة حاسمة: لماذا اختار هذا الفندق والمنطقة؟ هل استدرج الشرطة عمداً؟ هل ذكر اليهود أو النساء أو جماعات عرقية في كتاباته؟ وهل كانت لديه صلات بمنتديات «Incel» أو جماعات اليمين الأبيض؟
إلى أن تظهر هذه الأدلة، لا يمكن وصف الحادثة بأنها اعتداء معادٍ لليهود، كما لا يمكن ربطها بجماعة Second Sons أو تجمع شاوينيغان. الثابت الوحيد هو أن التطرف القائم على الكراهية، سواء استهدف النساء أو الأقليات أو المهاجرين، يجد في العزلة الرقمية وغضب بعض الشباب أرضاً مشتركة، حتى عندما تختلف أسماء الجماعات وشعاراتها.
الأخبار بالفيديو

الأخبار عبر البريد الإلكتروني
اشترك الآن لتصلك الأخبار إلى بريدك الإلكتروني


