المهرجان اللبناني: جذورٌ لا يمكن اقتلاعها
الحدث-كندا
يخطئ من ينظر إلى المهرجان اللبناني في مونتريال بعين الحاضر وحده. فهذا الحدث لا يُختصر في بضعة أيام من الفرح، ولا في منصة، ولا في حضور علني، ولا في حسابات ربح أو خسارة. إنه صفحة مفتوحة تكتبها الجالية يوماً بعد يوم. وما إن تُطفأ أضواء الليلة الأخيرة حتى تبدأ، بصمت وتعب وإيمان، ورشة التحضير للدورة التالية.
منذ ما قبل النسخة الأولى، واكبت جريدة «الحدث-كندا»، واليوم موقع «الحدث الكندي» الإخباري، ولادة هذا المهرجان وخطواته الأولى. كنا قريبين من اجتماعاته التأسيسية الأولى، مع كهنة وعلمانيين حملوا الفكرة قبل أن تكبر، إلى أن تبنّتها الكنيسة المارونية رسمياً في كندا، وشكّلت لها لجنة كنسية، فصار المهرجان مع الوقت أحد أكبر الأحداث الجالوية اللبنانية في مونتريال.
لم تكن مواكبتنا له مجرّد تغطية إعلامية. كنا نشعر، وما زلنا، أن الذين حملوا هذا المشروع في بداياته، كما الذين يحملونه اليوم، يريدون شيئاً أعمق من تنظيم مهرجان ناجح. كانوا يريدون أن تبقى الجالية في كندا أرضاً صالحة لنمو الجذور اللبنانية؛ جذور تمتد في الذاكرة واللغة والإيمان والعادات، وتصل، ولو من بعيد، إلى صنين والأرز وجبل الشيخ. جذور لا تستطيع يد، مهما قويت، أن تقتلعها من قلب من حمل لبنان معه إلى الغربة.
المهرجان اللبناني في مونتريال، أو في لافال، هو شعلة تنتقل من جيل إلى جيل. فيه يتعلّم أولادنا أن لبنان ليس خبراً عابراً في نشرات السياسة، ولا وطناً بعيداً نذكره عند الأزمات فقط، بل بيتٌ داخلي نحمله في الطعام والرقصة والأغنية واللهجة والصلاة واللقاء. لذلك نخاف على هذه الشعلة من الانطفاء، ونعمل كي تبقى مضاءة ما دامت الهجرة جزءاً قاسياً من تاريخ اللبنانيين.
وكما أسهمت الكنيسة المارونية في تكوين لبنان الكبير، تواصل الكنيسة المارونية في كندا اليوم بناء ارتباط كبير بين اللبنانيين ووطنهم الأول. هذا الارتباط لا يلغي الاندماج في المجتمع الكندي، ولا يتعارض مع النجاح فيه، بل يمنح أبناء الجالية ذاكرة وهوية وعمقاً. فمن يعرف جذوره، يستطيع أن يقف بثبات أكبر في الأرض الجديدة.
لذا وجب شكر كل من أسّس، ومن نظّم، ومن غنّى، ومن رقص، ومن أعدّ الطعام، ومن وقف خلف الكواليس، ومن عمل بصمت كي تصل الشعلة إلى من يحملها اليوم.
لكل هؤلاء نقول شكراً. شكراً لكل من ساهم، بأي شكل من الأشكال، في أن يبقى هذا المهرجان مساحة لقاء وفرح وانتماء. ونتمنى على القيّمين عليه اليوم أن يواصلوا الطريق، مهما سمعوا من انتقادات خبيثة أو أصوات لا ترى من العمل إلا عثراته. فالمهرجان كبر لأنه خرج من قلوب الناس، ويكبر معنا لأنه ما زال يعبّر عن حاجة حقيقية في وجدان الجالية.
ومع اقتراب النسخة الخامسة والعشرين، نأمل أن يكون اليوبيل الفضي محطة تليق بتاريخ المهرجان وبالكنيسة وبالجالية اللبنانية في كندا؛ ميدالية رمزية تُعلّق على صدر كل من حافظ على هذه الشعلة. ونأمل أيضاً أن نفرح معاً بلبنان يتقدّم نحو السلام، بعدما زُرعت بذوره أولاً في القلوب.
الأخبار بالفيديو

الأخبار عبر البريد الإلكتروني
اشترك الآن لتصلك الأخبار إلى بريدك الإلكتروني










