من «La Meute» إلى «Québec Blanc»: كيف وصلت حركات التفوق الأبيض إلى تظاهرة شاوينيغان؟
الحدث-كندا
Raouf Najm
لم تكن الصورة التي خرجت من مدينة شاوينيغان، في موريسي، مجرد لقطة عابرة لمجموعة صغيرة من الملثمين. العبارة التي رُفعت على اللافتة: «أتذكّر كيبيك أبيض» شكّلت صدمة لأنها استولت على واحدة من أكثر العبارات رمزية في الوجدان الكيبيكي، «Je me souviens»، ودفعتها نحو معنى عرقي إقصائي. هكذا تحولت حادثة محدودة العدد إلى مؤشر سياسي واجتماعي أوسع: عودة خطاب التفوق الأبيض إلى الشارع، بعد سنوات من انتقاله بين المنصات الرقمية، مجموعات الهوية، ونوادي التدريب القتالي المقنّعة بصورة رياضية.
في ظاهر الأمر، بدا المشهد صغيرًا: نحو خمسة عشر إلى عشرين شخصًا ملثمين في حديقة عامة، يرفعون شعارًا يختصر كيبيك في لون بشرة. لكن خطورة الحدث لم تأت من حجمه العددي، بل من دلالته. فكيبيك، التي بنت هويتها الحديثة حول اللغة الفرنسية، الذاكرة التاريخية، العلمانية، وحماية الثقافة في محيط أميركي شمالي ناطق بالإنكليزية، وجدت نفسها أمام محاولة خطرة لتحويل الهوية الوطنية إلى هوية عرقية. هنا تحديدًا انفجر الغضب السياسي والشعبي.
لشرح ما جرى في شاوينيغان، يجب العودة إلى موجات اليمين الراديكالي والمتطرف في كيبيك خلال العقدين الأخيرين. منذ منتصف العقد الماضي، برزت أسماء مثل La Meute، Storm Alliance، Atalante Québec، Soldiers of Odin، وPegida Québec. هذه المجموعات لم تكن متشابهة تمامًا. بعضها قدّم نفسه كحركة ضغط ضد «الإسلام الراديكالي» أو ضد الهجرة غير النظامية، وبعضها اتخذ طابعًا أكثر صدامية أو شبه عسكري، وبعضها اقترب من القومية البيضاء والنازية الجديدة. لكنها التقت في نقطة مركزية: الخوف من الآخر، رفض التعددية الثقافية، الشك العميق بالمؤسسات، وتصوير المهاجر أو المسلم أو الأقليات كتهديد لهوية كيبيك.
في سنوات 2015 و2016 و2017، وجدت هذه الحركات بيئة مناسبة للنمو. كان النقاش العام مشحونًا بقضايا الهجرة، طالبي اللجوء، معبر روكسهام، المقبرة الإسلامية في سانت أبولينير، قانون العلمانية، وصعود الخطاب الشعبوي في الغرب. لم تخترع هذه الجماعات القلق الهوياتي، لكنها استثمرته وحوّلته إلى مادة تعبئة. كان الخطاب يبدأ غالبًا بعنوان مقبول ظاهريًا: حماية اللغة، الدفاع عن القيم، رفض التطرف الديني، أو انتقاد الهجرة غير النظامية. ثم ينزلق تدريجيًا إلى تصوير الأقليات كخطر وجودي.
هنا يجب التمييز بدقة. النقاش حول الهجرة، اللغة، الاندماج، العلمانية، أو قدرة المجتمع على الاستقبال هو نقاش شرعي داخل الديمقراطية. أما حين يتحول الدفاع عن الهوية إلى فرز الناس بحسب الأصل واللون والدين، نكون أمام مشروع إقصاء. هذا هو الفارق بين نقاش سياسي طبيعي وبين خطاب تفوق أبيض. وشعار «كيبيك أبيض» وضع نفسه خارج أي لبس: لم يتحدث عن الفرنسية، ولا عن المؤسسات، ولا عن الاندماج، بل عن اللون.
حركة La Meute كانت من أبرز التعبيرات الشعبية لهذه المرحلة. نشأت في 2015 وقدّمت نفسها كتيار قومي كيبيكي مدافع عن الهوية والحدود. نجحت لفترة في جمع جمهور واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ثم دخلت مرحلة تراجع وتفكك بفعل الانقسامات الداخلية، الضغط الإعلامي، والتعبئة المضادة. Storm Alliance خرجت من بيئات قريبة، وركزت أكثر على موضوع الحدود والهجرة. Soldiers of Odin حملت نموذجًا مستوردًا من أوروبا الشمالية، يقوم على فكرة «الحراسة الأهلية» في مواجهة ما تسميه عجز الدولة. أما Atalante Québec فكانت أكثر وضوحًا في التصنيف المتطرف، بحكم قربها من بيئات قومية بيضاء ورموز ذات طابع فاشي جديد.
ومع تراجع بعض هذه الأسماء أو فقدانها جاذبيتها، لم تختفِ الأفكار نفسها. تبدلت الأشكال. خرجت من صفحات فيسبوك الكبيرة إلى مجموعات أصغر، أكثر انضباطًا، أكثر قدرة على الحركة، وأشد ارتباطًا بثقافة الذكورة القتالية. هنا يظهر نموذج Active Clubs، ومعه Second Sons Canada.
هذه المجموعات لا تبدأ خطابها عادة بعبارات كراهية مباشرة. تقدم نفسها كنوادي للياقة البدنية، التدريب، الفنون القتالية، الأخوة بين الرجال، الانضباط، والعودة إلى «القيم». في الظاهر، تبدو كمساحات رياضية أو شبابية. لكن باحثين في التطرف يرون فيها نموذجًا جديدًا لتطبيع التفوق الأبيض: جذب الشباب عبر الرياضة، ثم دفعهم تدريجيًا نحو خطاب «الأصل»، «التراث»، «الاستبدال»، «إعادة الهجرة»، ورفض المجتمع المتعدد.
Second Sons Canada تحديدًا برزت كأحد الأسماء الكندية المرتبطة بهذا المناخ. بحسب تقارير إعلامية كندية، أكد جيريمي ماكنزي، رئيس المجموعة، أن أعضاء من منظمته كانوا وراء تجمع شاوينيغان. وبذلك لم تعد المسألة مجرد تكهنات عن هوية المشاركين. الحدث بات مرتبطًا باسم يتحرك في فضاء Active Clubs، حيث تمتزج القومية البيضاء بصورة رياضية قابلة للتسويق.
هذا الأسلوب أكثر خطورة من الأشكال القديمة لأنه يرتدي لباسًا ناعمًا. بدل المسيرات الكبيرة والشعارات الفجة فقط، هناك تدريب جماعي، صور منظمة، حضور في الفضاء العام، رسائل قصيرة، وحرص على الظهور كحركة شبابية واثقة من نفسها. إنها محاولة لإخراج التطرف من الهامش الرقمي إلى الشارع، ثم تقديمه كجزء من النقاش العام حول الهجرة والهوية.
لكن تظاهرة شاوينيغان كشفت حدود هذا التمويه. فالشعار نفسه نسف كل محاولة للتبرير. «كيبيك أبيض» لا يترك مساحة كبيرة للتأويل. لذلك جاءت ردود الفعل سريعة وعابرة للأحزاب. مسؤولون من Québec solidaire، Bloc québécois، Parti québécois، Parti libéral du Québec، وحكومة كيبيك دانوا الرسالة بوضوح. مدينة شاوينيغان أكدت أنها لم تكن على علم مسبق بالتجمع، وأن أي طلب رسمي لم يقدم لتنظيمه، وشددت على أنها مدينة استقبال واندماج، وقد استقبلت في عام واحد مئات الوافدين الجدد من عشرات الجنسيات.
رد المدينة مهم لأنه أعاد المعركة إلى مكانها الصحيح. فالمجموعة التي رفعت الشعار حاولت أن تتكلم باسم كيبيك أو باسم الذاكرة الكيبيكية. أما شاوينيغان فردت بأن الذاكرة لا تبرر العنصرية، وأن الانتماء المحلي لا يقوم على إقصاء الوافدين. هذه نقطة أساسية: غالبًا ما تحاول حركات التفوق الأبيض استخدام رموز وطنية محترمة لتغطية مشروعها. تستعير العلم، الشعار، التاريخ، اللغة، والذاكرة. ثم تفرغها من معناها المدني وتملأها بمعنى عرقي.
المفارقة أن كيبيك نفسها لا يمكن اختصارها بفكرة «البياض». تاريخها يبدأ بأرض الشعوب الأصلية، ويمر بالاستعمار الفرنسي والبريطاني، ثم موجات الهجرة الأوروبية والعربية واللاتينية والآسيوية والإفريقية، وصولًا إلى مجتمع فرنكوفوني متعدد يتجادل يوميًا حول هويته وحدوده. هذه الهوية ليست بلا توتر، وليست بلا خوف، وليست بلا نقاشات صعبة. لكنها أيضًا ليست رخصة لإلغاء الآخرين.
ما جرى في شاوينيغان يجب أن يُقرأ كإنذار لا كحدث معزول. صحيح أن عدد المشاركين كان صغيرًا، وصحيح أن معظم المجتمع السياسي والمدني أدانه فورًا، لكن الحركات المتطرفة لا تقاس دائمًا بعدد من ينزلون إلى الشارع. تقاس بقدرتها على تلويث اللغة العامة، جعل الكراهية مألوفة، وتحويل العبارات العنصرية إلى «رأي» قابل للنقاش. هنا تكمن المعركة الحقيقية: منع انتقال التفوق الأبيض من الهامش إلى الوسط، ومن السرية إلى العلنية، ومن الشعار الصادم إلى الخطاب العادي.
في النهاية، لا يحتاج كيبيك إلى من يدافع عنه بتحويله إلى لون. الدفاع الحقيقي عن كيبيك يكون بحماية لغته، مؤسساته، ذاكرته، علمانيته، وكرامة كل من يعيش فيه. أما اختزال الهوية في العرق، فهو إساءة إلى كيبيك قبل أن يكون اعتداءً على المهاجرين والأقليات. شاوينيغان لم تكشف قوة هذه المجموعات بقدر ما كشفت جرأتها الجديدة. والرد عليها لا يكون بالهلع، بل بالوضوح: الهوية شأن ديمقراطي، أما التفوق الأبيض فمشروع عنصري لا مكان له في مجتمع يحترم نفسه.
الأخبار بالفيديو

الأخبار عبر البريد الإلكتروني
اشترك الآن لتصلك الأخبار إلى بريدك الإلكتروني


