الاب البروفسور جورج حبيقة: هوية ورسالة تتجاوز المحن والرهبانية اللبنانية المارونية اسم يحمل الوطن وروح المقاومة

الحدث-كندا خاص

Raouf Najm
Rédacteur en chef

عندما تدخل مركز القوات في مونتريال،  تأكد انك أصبحت في عرين للاسود الذين،  ان صلّوا فمن اجل لبنان وان رفعوا عيونهم الى الجبال فلكي ترى قاديشا وجزين وحرمون والأرز شامخاً. هكذا نشأوا ومن اجل تلك الجبال استشهد رفاقهم ومن اجل اكمال المسيرة هم اليوم في مونتريال اما عقولهم وأرواحهم  فلا تزال معلقة على جبال الأرز مثلما عُلق الصليب على الجلجلة. اما لماذا هذه المقدمة، فلان الموضوع يتعلق بمسيرة رهبان الكسليك والجبهة اللبنانية والمشوار الذي بدأه اللبنانيون كل اللبنانيين الشرفاء لحمل الرسالة اللبنانية منذ ان بدأوا يتعرضون في الماضي البعيد منذ أيام المماليك وحتى عندما تغيرت يد القاتل مرارا، الا ان الرهبان ظلّوا إلى جانب أبناء شعبهم، يساندونهم ويحفظون فيهم الإيمان بالانسان والوطن والحرية .

في مثل هذه الأجواء توجه الاب البروفسور جورج حبيقة النائب العام للرهبنة اللبنانية الى مركز القوات في مونتريال  قبيل عودته الى لبنان للقاء هؤلاء المقاومين الذي ارادت الاقدار ان يكونوا اليوم في مونتريال للحديث عن دور الرهبنة في حرب لبنان التي بدأ فتيل اشتعالها قبل الانفجار الكبير في 13 نيسان 1975.

فماذا قال الاب حبيقة الرئيس الفخري لجامعة الكسليك التي تتكلم جدرانها وتختزن حقبات وتاريخ نضال ومقاومة لأحلك أيام التاريخ اللبناني الحديث.

في بداية اللقاء رحّب السيد رشدي رعد  باسم مركز القوات اللبنانية في مونتريال، بالحضور وبالذين يتابعون اللقاء عبر تطبيق «زوم». و قال يسرّنا أن نستضيف الأب البروفسور جورج حبيقة، فنقول له: أهلاً وسهلاً بيننا.
نحن نثمّن كثيراً وجودك معنا رغم ارتباطاتك الكثيرة، ونسأل الله أن يمنحك القوة والصحة. فهناك من يمتلك المعرفة والثقافة الواسعة ويعرض أفكاراً عميقة وتاريخية، وهناك من يستطيع أن ينقل هذه المعرفة بلغة قريبة من القلب، يفهمها الجميع ويتفاعلون معها. وهذه الصفات نجدها مجتمعة في شخص الأب البروفسور جورج حبيقة، وهو غنى لنا أن يشاركنا علمه وخبرته.
موضوع لقائنا اليوم يتناول جانباً من تاريخ الرهبانية اللبنانية المارونية، ورسالتها ودورها في الحفاظ على الوجود المسيحي والهوية اللبنانية. وهذا الموضوع يهمّنا، وخصوصاً في الانتشار، لأن ارتباطنا بلبنان لا يقتصر على الأرض والبيوت، بل يمتد إلى تاريخنا وجذورنا وإيماننا وهويتنا ورسالتنا.
إنه لقاء يتيح لنا أن نصغي ونتعلّم، وأن نقترب أكثر من جذورنا، ومن الدور الكبير الذي أدّته الرهبانية اللبنانية المارونية عبر تاريخ لبنان. نرحّب بك مجدداً، ونشكرك من القلب على حضورك، آملين أن نستفيد من كل لحظة نقضيها معك. ونعلم أن وقتك ضيّق، لذلك قد لا يتسع اللقاء لعدد كبير من الأسئلة.

© AlHadath.ca — Reproduction interdite sans autorisation écrite préalable.

ورد الاب حبيقة التحية بمثلها:

الأستاذ رشدي رعد، منسّق المكتب، تحية حارة لك.
الأب الرئيس مروان عيسى العزيز، والأصدقاء الأحباء، والإعلاميون الكرام، ورفاق الدرب، أحييكم جميعاً، وأنا سعيد جداً بوجودي بينكم.

أشكر الأستاذ رشدي على كلمته الطيبة والجميلة والمشجّعة. لقد خصصت وقتاً لهذا اللقاء رغم أن هذا الأسبوع كان حافلاً بالمحاضرات واللقاءات والاحتفالات، ويسعدني أن أختمه معكم هذه الليلة، قبل مغادرتي غداً عائداً إلى لبنان، بلد الأرز.

الموضوع الذي اخترناه لهذه الأمسية جميل وتاريخي وموثّق: علاقة الرهبانية اللبنانية المارونية بقيام الجبهة اللبنانية والدفاع عن لبنان.

الرهبانية اللبنانية المارونية هي، على ما أعتقد، الرهبانية الوحيدة في العالم التي تحمل اسم بلد. وهذا أمر جميل ومميّز. وكذلك الكنيسة المارونية هي الكنيسة الوحيدة التي تحمل اسم قديس. إن في تاريخنا خصوصية واستثناءات لا تخضع دائماً للقواعد العامة.

نشأت كنيستنا المارونية في ظروف صعبة، وفي سياق مقاومة وتمسّك بالهوية، بعد انقطاع التواصل مع كرسي أنطاكية في أعقاب الفتح العربي. و نشأت الرهبانية المارونية بدورها من حركة نهوض. فالإنسان الماروني، في جوهره، يرفض الخضوع والهيمنة، ويتمسك بالكرامة وبالحرية وبالاعتراف بالآخر.

أسّس الرهبانية أربعة رهبان موارنة من حلب، كانوا كباراً في العلم والثقافة. وكانت حلب، في أواخر القرن السابع عشر، مركزاً مهماً للثقافة المسيحية في الشرق، غنية بالموسيقى والعلوم والتراث. ثم نشأت خلافات بين الرهبان الحلبيين والموارنة اللبنانيين، فانقسموا لاحقاً، وأصبح لنا ما عُرف بالرهبانية اللبنانية المارونية، أو الرهبانية البلدية.

لقد انطلقت هذه الرهبانية من وادي قنوبين، حاملة لبنان في اسمها وروحانيتها ورسالتها. ولبنان ليس مجرد اسم في الوعي المسيحي؛ فهو مذكور في الكتاب المقدس عشرات المرات، رمزاً للجمال والقوة والصمود والمجد.

يقول النبي أشعيا عن زمن الخلاص: «مجد لبنان أُعطي لها». فالصحراء، أرض القفر والموت والحرمان، تُمنح مجد لبنان، أي الخصب والحياة والجمال. ولهذا اكتسب لبنان في الوجدان الكتابي مكانة مميزة، حتى إن موسى، وهو على مشارف أرض الميعاد، طلب أن يرى جبل لبنان.

لبنان ليس قضية عادية، يا أحبائي. لقد زرت أستراليا مرتين، ورأيت مدى تعلق اللبنانيين هناك بوطنهم. يهاجر اللبناني بسبب الحروب والاضطراب، لا لأنه لا يحب لبنان. لبنان يسكن قلبه وكيانه أينما حلّ.

الرهبانية اللبنانية المارونية تحمل لبنان في اسمها وقلبها وحياتها الروحية، لأنها ترى فيه أرضاً ذات رسالة. وقد عبّر القديس البابا يوحنا بولس الثاني عن هذه المكانة عندما جعل من لبنان مرجعاً عالمياً للعيش المشترك بين الثقافات والحضارات والأديان.

إن لبنان عرف المآسي والحروب والتدخلات الأجنبية، ومرّت عليه قوى كثيرة، لكنها رحلت وبقي لبنان. لا أقول إن اللبنانيين أبطال وحدهم، مع أن فيهم بطولة كبيرة، لكنني أؤمن أيضاً بأن عناية إلهية ترافق هذا الوطن.

الرهبانية لا تستطيع أن تكون محايدة عندما يكون لبنان في خطر. وهي لا تدافع عن لبنان من أجل المسيحيين وحدهم، لأن لبنان رسالة لجميع أبنائه. فالعيش المشترك فيه ليس شعاراً؛ المسيحي يولد في مجتمع يعرف فيه المسلم، والمسلم يولد في مجتمع يعرف فيه المسيحي. وهذا التفاعل اليومي والفكري خلق تجربة لبنانية مختلفة.

وقد قال الوزير السابق رشيد درباس، وهو مسلم سني من طرابلس، إنه كان في السابق ينظر بشك إلى فكرة لبنان الكبير، ثم اكتشف أهميتها، ووصل إلى قناعة مفادها أن هذا الكيان أنقذه من أن يكون مواطناً في أحد بلدان القتل والانقسام.

لبنان الكبير الذي أُعلن سنة 1920 هو في ذاته حدث استثنائي. والأعجوبة الأكبر هي أن يبقى لبنان رغم كل ما مرّ عليه من مآسٍ وحروب وتدخلات. فالصيغة اللبنانية لا بديل لها، لأنها تقوم على الشراكة والاعتراف المتبادل بين مكوّنات الوطن.

من اتفاق القاهرة إلى قيام الجبهة اللبنانية ودور الأباتي بولس نعمان وبشير الجميل

وتابع الأب جورج حبيقة:

قبل سنة 1975، كنا نعيش قلقاً وجودياً متصاعداً. غير أن المسيحي لا يحق له أن يصادق الخوف، لأن سيّد الزمن والتاريخ ليس الإنسان، بل الله والمسيح.

في سنة 1969، فُرض اتفاق القاهرة، الذي أتاح للعمل الفدائي الفلسطيني أن ينطلق من الأراضي اللبنانية ضد إسرائيل. وقد رأى كثيرون في ذلك تنازلاً عن السيادة اللبنانية، ولا سيما في الجنوب. ويُروى أن الرئيس فؤاد شهاب بكى على لبنان عندما أدرك خطورة المسار الذي دخلته البلاد.

كان فؤاد شهاب رجل دولة استثنائياً، عمل على بناء المؤسسات والتنمية المتوازنة، حتى صُنّف لبنان في عهده، عام 1963، بين البلدان الأكثر ازدهاراً. لكن التخلّي عن السيادة على جزء من الأرض اللبنانية أدخل البلاد في مرحلة شديدة الخطورة.

أتذكر يوم 13 نيسان 1975. كنا، أنا والأخ أندريه (اندريه قصاص الصحفي المعروف الموجود في كندا كان حاضرا في اللقاء)، قد ذهبنا لمشاهدة مسرحية في البيكاديللي، في أجواء فنية جميلة مع الأخوين رحباني وفيروز. وعند خروجنا، طُلب إلينا تغيير طريق العودة بسبب اندلاع اشتباك بين الكتائب اللبنانية والفلسطينيين في عين الرمانة. ومنذ ذلك اليوم، غادرنا بيروت الغربية زمناً طويلاً. لقد اندلعت الحرب.

لم يكن ممكناً للرهبانية أن تقف موقف المتفرج أو الحياد. كنا ندافع عن لبنان بكل مكوّناته، لا عن لبنان المسيحي وحده. وكنا نتحرك في خط البطريرك الياس الحويك، الذي طالب بلبنان في حدوده الطبيعية والتاريخية.

لم يكن مشروع البطريرك الحويك مشروع غلبة طائفة على طائفة، بل مشروع وطن ذي جغرافيا وتاريخ وهوية. لبنان، في نظره، كان امتداداً لكيان تاريخي مستقل، لا تابعاً لأي محيط. وقد سعى إلى استعادة حدوده الطبيعية والتاريخية، لا إلى إقامة دولة مغلقة أو طائفية.

نحن كمسيحيين لا نستطيع أن نعيش في الانغلاق. رسالة المسيح هي: «اذهبوا إلى العالم أجمع وبشّروا». والآخر المختلف ليس تهديداً لنا؛ إنه يساعدنا على وعي هويتنا. لذلك، فإن الدفاع عن الوجود المسيحي في لبنان هو دفاع عن عنصر أساسي من عناصر التعددية اللبنانية. فإذا سقط هذا الوجود، سقط التنوّع، وتضرّر لبنان كله.

في تلك المرحلة، كان الرئيس العام للرهبانية اللبنانية المارونية الأباتي شربل قسيس، رحمه الله، رجلَ مبادرة وشجاعة. ومع الرهبانيات الأخرى، أُنشئت رابطة الرؤساء العامين، وبدأت اجتماعات متواصلة لمساندة القيادات اللبنانية في تلك المحنة.

كما نُظّمت مؤتمرات سيدة البير، وسخّرت جامعة الروح القدس – الكسليك طاقاتها الفكرية والبحثية لخدمة القضية اللبنانية. وكان في الجامعة والرهبانية عدد من كبار المفكرين والرهبان والباحثين، بينهم الأباتي بولس نعمان، والأب اسطفان صقر، والأب توما مهنا، والأب أنطوان موسى، إلى جانب شخصيات فكرية ووطنية مثل الدكتور شارل مالك وفؤاد أفرام البستاني.

وفي عام 1976، تبلور قيام الجبهة اللبنانية، بمشاركة الرهبانيات المارونية وقادة سياسيين ووطنيين، وفي مقدمتهم الرئيس كميل شمعون والشيخ بيار الجميل والرئيس سليمان فرنجية، ثم انضم إليهم لاحقاً الدكتور شارل مالك وآخرون.

لم تُسمَّ «الجبهة المسيحية»، بل «الجبهة اللبنانية»، لأن القضية كانت قضية لبنان كله، لا قضية جزء منه. وكان همّها حماية المسلم اللبناني كما حماية المسيحي اللبناني، والدفاع عن الكيان اللبناني وعن الحرية والتعددية.

وقد انضم المفكر إدوار حنين إلى الجبهة، وأصبح من أبرز الناطقين باسمها. وكانت بياناته نموذجاً في الفكر واللغة والدقة، حتى إن الناس كانوا يقرأونها ليتعلموا كيف تُصاغ المواقف السياسية والوطنية بلغة رفيعة.

في مرحلة الانهيار، برزت قامات كبيرة حملت مسؤوليتها. كانت الرهبانيات في حال استنفار عام، ووضعت مدارسها ومستشفياتها وجامعاتها ومؤسساتها في خدمة الناس.

وعندما سقطت الدامور، تحرك الأباتي بولس نعمان، مع الأستاذ شاكر أبو سليمان، لإنقاذ الأهالي. انطلقت المراكب من مرفأ جونية لإجلاء الناجين. ووصل كثيرون إلى الكسليك بعد أن سبح بعضهم في البحر هرباً من الموت، من دون ثياب أو مقتنيات.

استقبلتهم الرهبانية، وهيّأت لهم الغرف والأسرة والملابس والطعام والمساعدات. لم يكن ذلك بتكليف من أحد، بل لأن واجب الرهبانية هو الوقوف إلى جانب الإنسان المتألم. فكل مؤسساتنا لا معنى لها إن لم تكن في خدمة شعبنا.

إن الحفاظ على الوجود المسيحي هو، في جوهره، خدمة للبنان ولرسالته التعددية. ونحن لا نطلب شكراً على ذلك؛ لأن هذا واجب يقع في صلب رسالة الكنيسة والرهبانية.

الأباتي بولس نعمان، دعمه لبشير الجميل، واستمرار الرسالة اللبنانية بعد الحرب

واضاف البروفسور حبيقة شارحا، لقد استقبل لبنان الفلسطينيين المهجّرين من أرضهم، وفتح لهم أبوابه وأراضيه انتظاراً لعودتهم إلى وطنهم. لكن تحوّل الوجود الفلسطيني المسلّح إلى عامل صدام داخل لبنان كان مأساة كبيرة.
وقد صدرت لاحقاً مواقف اعتذار من شخصيات فلسطينية ولبنانية عن الأخطاء التي ارتُكبت في تلك المرحلة. كما قال عدد من المفكرين والقيادات السنّية في لبنان إن دعم السلاح الفلسطيني كان خطأً كبيراً، لأنه جرح شعور المكوّن المسيحي وأضعف الدولة اللبنانية.
لا أحد يستطيع أن يبني سعادته على أنقاض الآخرين، ولا أحد يستطيع أن يلغي أحداً. فاللجوء إلى العنف هزيمة للإنسانية. والتاريخ يثبت أن الحروب لا تصنع حلاً حقيقياً؛ إذ تنتهي، بعد آلاف الضحايا والدمار، إلى حوار أو تفاوض كان يمكن أن يبدأ قبل الحرب.
بعد انتهاء ولاية الأباتي شربل قسيس، تولّى الأباتي بولس نعمان قيادة الرهبانية سنة 1980. وكان شخصية استثنائية، متجردة، قوية، وعميقة الإيمان. عاش الفقر الرهباني بكل صدق، وكان همه الأساسي أن يبقى الوجود المسيحي فاعلاً وحراً في لبنان، في خدمة الوطن كله.
تميّز الأباتي بولس نعمان بكتاباته وأبحاثه ومذكراته، وكرّس جهداً كبيراً لدراسة تاريخ المارونية ورهبانيتها ورسالتها. كما عمل لمساندة المسيحيين في زمن الحرب كي يبقوا ثابتين في أرضهم، لأن ثباتهم، في نظره، كان شرطاً لبقاء لبنان نفسه.
كان الأباتي نعمان يحترم الجميع ويعمل مع مختلف الشخصيات، لكنه رأى في الشيخ بشير الجميل شخصية قادرة على تنفيذ مشروع قيام دولة قوية وحرة. لم يكن دعمه لبشير انطلاقاً من حساب شخصي أو حزبي، بل من اقتناعه بأنه قائد شاب، متجرد، حازم، وصادق في التزامه بقيام دولة لبنانية فعلية.
كان بشير الجميل قريباً من الرهبانية؛ يأتي إلى الكسليك، ويصلي مع الرهبان، ويجلس بينهم ببساطة وشفافية. وحين انتُخب رئيساً للجمهورية، رأى الأباتي بولس نعمان في انتخابه أملاً كبيراً للبنان، وفرح به لأنه اعتبره فرصة لاستعادة الدولة وهيبتها.
كان الهدف واضحاً: أن يبقى الوجود المسيحي حراً وفاعلاً، لا امتيازاً ضد أحد، بل ضمانة للبنان التعددي ولسيادته. فالمسيحي في لبنان ليس رقماً إحصائياً فحسب؛ هو جزء من تاريخ البلد وثقافته ومؤسساته التعليمية والاستشفائية والفكرية والفنية.
إن لبنان بلد توافقي، ولا يمكن اختصاره بالأرقام. قيمته في شراكته بين مكوّناته وفي طاقات أبنائه. لذلك كرس الأباتي بولس نعمان نفسه للجبهة اللبنانية، دفاعاً عن لبنان ووصولاً به إلى مستوى الدولة القادرة والسيدة.
اغتيال الرئيس المنتخب بشير الجميل كان صدمة قاسية للرهبانية وللأباتي نعمان. لكنه لم ينكسر ولم يتراجع عن مبادئه. حزن، لكنه بقي ثابتاً، وتابع النضال رغم الإخفاقات والتحولات.
انتهت الجبهة اللبنانية بصيغتها التاريخية، ثم استمرت القوات اللبنانية في الساحة، إلى جانب قوى وأحزاب مسيحية أخرى. وقد شهدت تلك المرحلة صدامات داخلية مؤلمة، يمكن وصفها بأنها نوع من الانتحار الجماعي، لما خلّفته من جراح وانقسامات.
لكن الأمل باقٍ. فلبنان يختزن طاقات هائلة لدى جميع مكوّناته، في الداخل والانتشار. وحين نرى اللبنانيين في العالم، مسيحيين ومسلمين، أطباء ومهندسين وباحثين وفنانين ورجال أعمال، ندرك حجم القدرة التي يملكها هذا الشعب.
أذكر أنني زرت مركزاً أميركياً مهماً للتحكم في الفضاء يحمل اسم العالم اللبناني شارل العشي. إنه ابن الرياق، درس في لبنان، ثم تابع دراسته في فرنسا والولايات المتحدة، ووصل إلى مواقع علمية عالمية. وقد زرع أرزة لبنانية في ذلك المكان، في إشارة إلى جذوره وإلى حضور لبنان في العالم.
هذا هو لبنان الذي لا يموت. نحن لا نحمله في «الشتات»، بل في الانتشار. كما انتشر الفينيقيون في البحر المتوسط، ينتشر اللبنانيون اليوم في العالم حاملين معهم القدرة على الإبداع والتلاقي.
لسنا شعباً يتقن العنف؛ رسالتنا هي المحبة والسلام والطمأنينة والتعارف بين البشر. وهذه هي الرسالة التي نتابع حملها، في ضوء تراث الرهبانية اللبنانية المارونية والجبهة اللبنانية: أن يبقى لبنان وطناً يعيش فيه المختلفون معاً، ويقدّم نموذجاً للعالم في المشاركة والتعددية.

بعد انتهاء كلمة الاب حبيقة رد البروفسور  حبيقة على بعض الاسئلة

على سؤال: أين كانت بكركي حين اضطلعت الرهبانية بهذا الدور الوطني؟

قال الاب  جورج حبيقة:

قال المطران بول – مروان تابت (اسقف كندا للموارنة) إن الرهبانية اللبنانية المارونية، بحكم حجمها ودورها، كانت دائماً قوة احتياط في الكنيسة. فعندما تبتعد بكركي قليلاً عن الميدان، تتقدم الرهبانية لتسدّ الحاجة؛ وعندما تستعيد بكركي حضورها، تعود الرهبانية إلى موقعها الطبيعي كقوة مساندة.

نحن في النهاية داخل الكنيسة وتحت مرجعيتها. لكن عندما يكون الوجود في خطر، لا يجوز أن ينتظر أحد الآخر. إذا اندلع حريق، يسرع الجميع إلى إخماده؛ لا ننتظر الأوامر كي نتحرك. قد يكون التنظيم ضرورياً ويزيد الفاعلية، لكن الواجب يفرض على كل واحد أن يقوم بما يستطيع، دفاعاً عن لبنان بكل مكوّناته.

وحول مواحهة ضعف الانتماء الوطني لدى بعض المكوّنات، وكيف نمنع اختزال المسيحيين في أرقام؟

اجاب الاب حبيقة:

علينا أولاً أن نرفض أي كلام يوحي بأن نوعية فئة من اللبنانيين أفضل من نوعية فئة أخرى. هذا كلام لا يليق بلبنان. جميع اللبنانيين يملكون طاقات ونوعية، والمشكلة ليست في قيمة الناس، بل في طبيعة النظام الذي نريد أن نبنيه.

لبنان دولة توافقية، أي إن تمثيلها يقوم على الشراكة بين المكوّنات، لا على حكم الأكثرية العددية وحدها. وهذا المبدأ موجود في تجارب عديدة، ومنها الولايات المتحدة، حيث تُمثَّل الولايات في مجلس الشيوخ على قدم المساواة، بصرف النظر عن حجم كل ولاية.

وفي لبنان، لم يكن مبدأ تمثيل المكوّنات غريباً عن تاريخنا. ففي عهد المتصرفية، لم يكن التمثيل خاضعاً للعدد وحده. وعند مناقشة الدستور اللبناني سنة 1926، دافع بعض النواب المسلمين، ومنهم صبحي حيدر، عن استمرار التمثيل الطائفي لضمان شراكة الجميع في الحكم.

عندما سأل المفوض السامي الفرنسي هنري دو جوفنيل البطريرك الياس الحويك عن شكل التمثيل النيابي، أجاب البطريرك بما معناه: إذا كان التمثيل خارج القيد الطائفي، فمن يضمن وصول جميع المكوّنات إلى البرلمان؟ إن لبنان الذي نريده هو لبنان يكون فيه الجميع ممثلين، لكي يتعارف المسيحي والمسلم، ويتبادلا الرأي والمصالح، ويقوما معاً بالشأن العام.

لا يجوز أن نطلب من الآخر أن يشبهنا. لا أحد يشبه أحداً؛ فكل إنسان حالة فريدة. هذا هو التنوع، وهذه هي أعجوبة الخلق. المطلوب أن نعترف بالآخر المختلف، وأن نبني حضارة تقوم على الإنسانية والمحبة والاحترام.

وعن دور الرهبانية والكنيسة اليوم في دعم وصول رئيس قوي وبناء لبنان الذي نحلم به؟

رد الرئيس الفخري لجامعة الكسليك والنائب العام للرهبنة اللبنانية:

دورنا اليوم مختلف. القيادة الكنسية العليا، وفي مقدمتها بكركي، تقوم بدور فاعل، والرهبانية تساند بكل الوسائل المتاحة. لكن في دولة توافقية مثل لبنان، يبقى الأساس هو اللغة التي نستعملها.

إن الخطاب السياسي العنيف خطر كبير. كان البطريرك صفير، رحمه الله، يقول إن الحرب تبدأ بالكلام. وإذا لم نراجع لغتنا، فلن يتغير الوضع ولن يتحسن.

المطلوب خطاب راقٍ ومحترم، لا يجرح ولا يحطّم. أعرف أن بعض الخطابات قد يثير الغضب، وقد يشعر الإنسان بأنها بعيدة عن الواقع أو مستفزة، لكن علينا أن نضبط أنفسنا. لبنان لا يُبنى بالصراخ ولا بالإهانة، بل بالصبر، كما تُربّى العائلة بالصبر يوماً بعد يوم.

علينا أن نعترف بالآخر شريكاً في الوطن، حتى عندما نشعر بأنه لا يعترف بنا كما يجب. فطريق العنف مسدود، وقد رأينا مصير بلدان كثيرة في المنطقة عندما سقطت فيها الشراكة الوطنية.

ومع ذلك، لا ينبغي أن نغفل عن التغيير. فالعالم يتبدل، حتى في دول الخليج حيث تُبنى الكنائس اليوم وتوجد جماعات مسيحية تمارس حياتها الدينية. الثابت في تاريخ الإنسان هو التغيير، لذلك لا مكان لليأس.

و هل لدى الرهبانية برنامج طويل الأمد لمواجهة الهجرة وتراجع عدد المسيحيين في لبنان؟

اجاب النائب العام للرهبنة: السؤال محق، والقلق الوجودي مفهوم. لكن الفرق بين القلق واليأس هو الرجاء. والرجاء المسيحي يقوى في المحن.

الوجود المسيحي في لبنان عمره نحو ألفي سنة، وقد مرّ بظروف أقسى بكثير، خصوصاً في عهود المماليك وما رافقها من مذابح وتهجير. لذلك لا أقبل استخدام كلمة «الاضمحلال» لوصف المسيحيين في لبنان. لا يحق لنا، كمسيحيين، أن نتكلم بهذه اللغة.

التاريخ لا يُكتب في غرف التشاؤم، ولا يُحسم بمقالات سوداء. لقد واجه أجدادنا ظروفاً كان من المستحيل، لو نظرنا إليها في وقتها، أن نتصور بعدها اننا اليوم موجودون في الحكم. لكنهم بقوا، وكان لهم دور حاسم في مستقبل هذا البلد.

أما الانتشار، فليس خسارة للبنان. كل لبناني في الخارج هو لبناني كامل الانتماء، وحضوره قوة للبنان. لقد رأيت في أستراليا لبنانيين يعيشون هناك، لكن لبنان يقيم في قلوبهم وحياتهم. ولولا الاغتراب اللبناني ودعمه، لكان لبنان في وضع أصعب بكثير.

الرهبانية تعمل ضمن إمكاناتها، في الجامعة والمدارس والمستشفيات والمؤسسات الاجتماعية. ومن غير المنصف الحكم على هذه الجهود من بعيد أو اختزالها. فجامعة الكسليك، على سبيل المثال، تؤمّن عملاً لمئات الأساتذة الذين يعيلون عائلاتهم، إلى جانب رسالتها التربوية والوطنية.

وفي ختام اللقاء، قدّم مركز القوات اللبنانية في مونتريال درعاً تقديرياً إلى الأب البروفسور جورج حبيقة، وجاء فيه:

«لا يوقدون سراجاً ويضعونه تحت المكيال، بل على المنارة، فيضيء لجميع الذين في البيت»
— إنجيل متى 5:15

إلى الأب البروفسور جورج حبيقة، تقديراً لمسيرة جعلت من العلم نوراً، ومن الإيمان رسالة، ومن الخدمة شهادة.

© AlHadath.ca — Reproduction interdite sans autorisation écrite préalable.

الأخبار عبر البريد الإلكتروني

اشترك الآن لتصلك الأخبار إلى بريدك الإلكتروني