واشنطن ليست “كاريتاس”… ماذا ستطلب من عون وماذا ستقدّم له؟
الحدث-كندا
أندريه قصاص
لا يذهب رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون إلى واشنطن ليضيف صورة جديدة إلى ألبوم الرؤساء اللبنانيين الذين زاروا البيت الأبيض، ولا تفتح الإدارة الأميركية أبوابها لرئيس لبناني بدافع المجاملة الدبلوماسية. فالسياسة الأميركية لا تقوم على الهدايا، بل على تبادل المصالح. وكل زيارة بهذا المستوى هي، في جوهرها، تفاوض بين ما يريده لبنان وما تريده الولايات المتحدة.
من هنا، فإن السؤال الحقيقي هو ليس: ماذا سيطلب الرئيس عون من واشنطن: بل ما الذي تعتبره واشنطن ثمناً سياسياً وأمنياً لأي دعم ستقدمه للبنان؟
يصعب الاعتقاد أن الإدارة الأميركية ستكتفي بإعادة التأكيد على دعمها للجيش ، أو بإطلاق مواقف تقليدية عن سيادة لبنان واستقراره. فهذا الخطاب يتكرر منذ سنوات، فيما يزداد لبنان ضعفاً، وتتراجع مؤسساته، وتتعاظم أزماته. وإذا كانت واشنطن ترى أن الظروف الإقليمية تغيرت، وأن هناك فرصة لإعادة ترتيب الوضع اللبناني، فمن الطبيعي أن يكون لديها تصور واضح لما تنتظره من الدولة اللبنانية.
في المقابل، يدرك الرئيس عون أن نجاح زيارته لن يقاس بما سيقال في المؤتمرات الصحافية، بل بما سيعود به إلى بيروت من مكاسب ملموسة. فهو يحتاج إلى ما هو أكثر من عبارات الدعم، لأن الداخل اللبناني لم يعد يقتنع بالوعود، بل ينتظر نتائج يمكن ترجمتها على الأرض.
أولى هذه النتائج يجب أن تكون الحصول على التزام أميركي واضح بالعمل على استكمال الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، وعدم ترك هذا الملف رهينة الحسابات العسكرية الإسرائيلية. فليس من المنطقي أن يُطلب من الدولة اللبنانية تنفيذ التزاماتها كاملة، فيما يبقى الاحتلال أو بقايا الاحتلال ورقة تفاوض مفتوحة.
وثانيها، تأمين مظلة سياسية ومالية لإطلاق ورشة إعادة الإعمار. فواشنطن، وإن لم تكن الممول الأكبر، تملك التأثير الأكبر في المؤسسات المالية الدولية وفي قرارات كثير من الدول المانحة. وإذا أرادت إعطاء الزيارة مضموناً حقيقياً، فإن عليها أن تساعد في الانتقال من مرحلة الوعود إلى مرحلة التمويل.
أما ثالث الملفات، فهو تعزيز قدرات الجيش، ليس فقط بالسلاح والتدريب، بل أيضاً بتمكينه من القيام بالدور الذي يطلبه المجتمع الدولي منه. فمن غير المنطقي أن تُحمّل المؤسسة العسكرية مسؤوليات متزايدة، من دون توفير الإمكانات التي تسمح لها بأداء هذه المسؤوليات.
لكن في المقابل، لا تبدو واشنطن مستعدة لتقديم كل ذلك من دون مقابل. فهي تنظر إلى المرحلة الحالية باعتبارها فرصة لتعزيز سلطة الدولة اللبنانية، وترسيخ حصرية القرار الأمني والعسكري بيد المؤسسات الشرعية، ودفع الحكومة إلى تنفيذ الإصلاحات المالية والإدارية التي طال انتظارها. بمعنى آخر، فإن أي دعم أميركي سيكون مرتبطاً بمسار سياسي وإصلاحي واضح، لا بمجرد تعهدات عامة.
غير أن الإدارة الأميركية تدرك أيضاً أن الضغط وحده لا يصنع الاستقرار. فلبنان ليس بلداً يمكن إدارة تحولاته عبر الإملاءات، بل عبر التوازن بين الضغوط والحوافز. وإذا أرادت واشنطن فعلاً إنجاح مشروع الدولة اللبنانية، فإن عليها أن تمنح هذه الدولة ما يساعدها على النجاح، لا أن تكتفي برفع سقف المطالب.
والواقع أن الرئيس عون يدخل البيت الأبيض وهو يحمل ورقة قوة لا ورقة ضعف. فهو يمثل اليوم الدولة اللبنانية في لحظة مفصلية، ويقود مؤسسة رئاسية تحاول استعادة دورها، كما أنه يحظى بثقة شريحة واسعة من المجتمع الدولي. لكن هذه الأوراق لن تكون كافية إذا لم ينجح في تحويلها إلى مكاسب سياسية واقتصادية ملموسة.
وفي المقابل، تبدو واشنطن أمام اختبار لا يقل أهمية. فإذا كانت تريد فعلاً لبناناً مستقراً، خالياً من الحروب الدورية، وقادراً على استعادة مؤسساته، فعليها أن تثبت أن دعمها يتجاوز الخطابات إلى الأفعال. أما إذا بقيت سياستها قائمة على مطالبة لبنان بتقديم التنازلات، من دون توفير المقومات التي تمكنه من النجاح، فإنها ستكون شريكاً في إطالة الأزمة، لا في حلها.
قد تكون زيارة الرئيس عون لواشنطن فرصة نادرة لإعادة صياغة العلاقة اللبنانية – الأميركية على أسس أكثر واقعية. لكن نجاحها لن يقاس بعدد الابتسامات أمام عدسات المصورين، بل بالإجابة عن سؤال واحد: هل سيعود رئيس الجمهورية بعد 21 تموز، ومعه ما يعزز موقع الدولة اللبنانية، أم سيعود فقط بتجديد الوعود التي سمعها أسلافه مراراً، ومن بينهم الرئيس الشيخ أمين الجميل، والرئيس سعد الحريري؟
ففي السياسة، كما في الدبلوماسية، لا تُقاس الزيارات بما يقال خلالها، بل بما قد يتغير بعدها.
الأخبار بالفيديو

الأخبار عبر البريد الإلكتروني
اشترك الآن لتصلك الأخبار إلى بريدك الإلكتروني


