لبنان أمام هدنة غامضة: القتال يتراجع وإسرائيل تتمسّك بالبقاء في الجنوب
بيروت – الحدث- كندا
Raouf Najm
تراجعت حدة المواجهات في لبنان عقب إعلان التفاهم الأولي بين الولايات المتحدة وإيران، لكن الساعات التي أعقبت الإعلان أظهرت أن البلاد لم تنتقل بعد من الحرب إلى السلام، بل دخلت مرحلة شديدة الهشاشة تختلط فيها مؤشرات التهدئة باستمرار الغارات والاشتباكات والغموض المحيط بمصير القوات الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية.
وأفادت وكالة «رويترز» بأن وتيرة القتال في الجنوب انخفضت بصورة ملحوظة، من دون أن تتوقف العمليات العسكرية بالكامل. فقد قُتل شخص داخل سيارة استهدفتها مسيّرة إسرائيلية في جنوب لبنان، في أول هجوم قاتل يُسجل بعد الإعلان عن التفاهم الأميركي–الإيراني.
وفي المقابل، أعلن الجيش الإسرائيلي اعتراض صواريخ أطلقها حزب الله باتجاه منطقة تنتشر فيها قواته داخل الجنوب، مشيراً أيضاً إلى إطلاق قذائف هاون وصواريخ مضادة للدروع من دون تسجيل إصابات في صفوف جنوده. وتحدثت إسرائيل عن قتل أربعة مسلحين اقتربوا من مواقعها، إلا أن «رويترز» قالت إنها لم تتمكن من التحقق بصورة مستقلة من هذه الرواية.
واستمر تحليق الطائرات المسيّرة الإسرائيلية فوق بيروت وضاحيتها الجنوبية، فيما بقيت مناطق حدودية عدة عرضة للقصف والتحركات العسكرية، ما دفع السلطات المحلية والجيش اللبناني إلى مطالبة النازحين بعدم التسرع في العودة إلى قراهم.
وعلى الرغم من التحذيرات، شهدت الطرق المؤدية إلى الجنوب حركة كثيفة لعائلات حملت ما تبقى من ممتلكاتها وعادت لتفقد منازلها. لكن كثيراً من القرى لا يزال مدمراً أو غير آمن، وبعضها يقع داخل مناطق تنتشر فيها القوات الإسرائيلية أو تنتشر فيها ذخائر غير منفجرة ومبانٍ مهددة بالسقوط.
وتقول الوكالات الدولية إن مشاهد العودة لا تعني انتهاء الحرب. فبعد أشهر من النزوح، يريد السكان استعادة حياتهم بأسرع وقت ممكن، لكن التجارب السابقة مع اتفاقات وقف النار جعلت اللبنانيين أكثر حذراً، خصوصاً أن الهدن السابقة لم تمنع استمرار الغارات والاغتيالات والعمليات العسكرية.
أما العقدة الأساسية التي تركز عليها وكالة «أسوشيتد برس»، فتتعلق بالتناقض الواضح بين التفسير الإيراني للتفاهم والموقف الإسرائيلي منه.
فقد أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن إنهاء الحرب الإقليمية يشمل وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان وانسحاب إسرائيل من الأراضي التي تحتلها في الجنوب. واعتبر أن بقاء القوات الإسرائيلية يتعارض مع مضمون التفاهم الذي جرى التوصل إليه مع واشنطن.
لكن الولايات المتحدة لم تعلن حتى الآن بصورة واضحة أن الانسحاب الإسرائيلي الكامل وارد في نص الاتفاق، كما أن التفاصيل الرسمية للمذكرة لم تُنشر بعد. ونقلت «فرانس برس» عن مصدر رسمي لبناني أن بيروت لم تُبلّغ بتفاصيل الاتفاق الأميركي–الإيراني، ما يزيد الغموض بشأن الالتزامات التي تخص لبنان وكيفية تنفيذها.
إسرائيل، من جهتها، أعلنت أنها ليست طرفاً في التفاهم بين واشنطن وطهران، وأنها غير ملزمة بأي بند لم توافق عليه مباشرة.
وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن قواته ستبقى في جنوب لبنان «طالما كان ذلك ضرورياً»، وإن إسرائيل ستحتفظ بما تسميه «حرية العمل» لمهاجمة حزب الله ومنع إعادة بناء قدراته العسكرية.
وذهب وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إلى موقف أكثر تشدداً، معلناً أن إسرائيل لن تنسحب من المناطق التي سيطرت عليها، وأنها تريد الاحتفاظ بمنطقة أمنية داخل لبنان خالية من عناصر حزب الله وبنيته العسكرية. وتثير هذه التصريحات مخاوف من تحول الانتشار الإسرائيلي المؤقت إلى وجود عسكري طويل الأمد، ومن بقاء عشرات القرى الحدودية خارج سلطة الدولة اللبنانية.
وبذلك، يبدو أن لبنان يواجه روايتين متناقضتين: إيران تعتبر وقف الحرب وانسحاب إسرائيل جزءاً من الصفقة الإقليمية، بينما تؤكد إسرائيل أن وجودها العسكري وعملياتها داخل لبنان سيستمران وفق حساباتها الأمنية الخاصة. أما واشنطن، فلم تحسم علناً هذا الخلاف ولم تكشف حتى الآن عن آلية تضمن وقف الغارات أو تحدد موعداً للانسحاب.
وتشير التقارير إلى أن الاتفاق الأميركي–الإيراني لا يزال في مرحلته الأولية، وأن تنفيذه سيكون على مراحل تترافق مع مفاوضات إضافية وآليات للتحقق. لذلك لا يمكن اعتبار الهدوء الحالي اتفاق سلام نهائياً أو وقفاً ثابتاً لإطلاق النار.
وتبقى الأسئلة الأكثر أهمية من دون أجوبة واضحة: من يضمن توقف إسرائيل عن تنفيذ الغارات والاغتيالات؟ هل يوجد جدول زمني لانسحاب قواتها؟ وما الدور الذي سيُمنح للجيش اللبناني في القرى الجنوبية؟ وهل يستطيع لبنان تثبيت شروطه السيادية داخل تسوية صيغت بين عواصم خارجية؟
الخلاصة التي تجمع عليها الوكالات الدولية هي أن لبنان انتقل من حرب واسعة إلى هدوء نسبي قابل للانهيار، فيما لا تزال جذور المواجهة قائمة. فاستمرار القوات الإسرائيلية داخل الجنوب، واحتفاظ إسرائيل بحق تنفيذ عمليات عسكرية، وعدم نشر نص الاتفاق، كلها عوامل تجعل عودة القتال احتمالاً قائماً.
لقد منحت التسوية الأميركية–الإيرانية لبنان فرصة لالتقاط أنفاسه، لكنها لم تقدم له بعد ضمانات واضحة. وبين عائلات تريد العودة إلى منازلها وإسرائيل تتحدث عن بقاء مفتوح داخل الأراضي اللبنانية، يبقى السلام مؤجلاً إلى أن تتحول الوعود الإقليمية إلى انسحاب فعلي وترتيبات واضحة تعيد الجنوب إلى سلطة الدولة اللبنانية.
الأخبار بالفيديو

الأخبار عبر البريد الإلكتروني
اشترك الآن لتصلك الأخبار إلى بريدك الإلكتروني


