كيف قرأت العواصم الكبرى زيارة عون إلى واشنطن؟

Last Updated: يوليو 22, 2026Categories: Uncategorized, أخبار لبنان, رئيس التحرير

الحدث-كندا

Raouf Najm

نجح الرئيس جوزاف عون في جعل لبنان مجدداً ملفاً رئاسياً في البيت الأبيض، وانتزع اعترافاً أميركياً بأن الدولة اللبنانية شريك أساسي في التسوية. كما حصل على دعم واضح من الرياض، وتفهّم فرنسي، وقبول إسرائيلي حذر.

لكن ما لم يحصل عليه هو الأهم: جدول زمني ملزم للانسحاب الإسرائيلي، وضمانة بأن واشنطن ستضغط على إسرائيل بالقدر نفسه الذي تضغط فيه على لبنان بشأن سلاح حزب الله.

لذلك رأت العواصم الزيارة بثلاث صور مختلفة:

واشنطن اعتبرتها بداية تنفيذ الاتفاق؛ الرياض وباريس رأتاها فرصة لإنقاذ الدولة؛ تل أبيب ربطت نجاحها بنزع سلاح حزب الله؛ أما طهران فرأتها بداية محاولة إخراج لبنان من نفوذها.

فحتى صباح الأربعاء 22 تموز/يوليو 2026، لم تصدر جميع العواصم المعنية بيانات رسمية مفصّلة عن لقاء الرئيس جوزاف عون بالرئيس دونالد ترامب في 21 تموز. لكن المواقف السابقة، وطريقة تغطية اللقاء، والرسائل التي صدرت خلاله، تسمح برسم قراءة واضحة: الزيارة رفعت مكانة لبنان السياسية، لكنها لم تُنتج بعدُ ضمانة أميركية حاسمة لانسحاب إسرائيل.

الإدارة الأميركية رأت في عون رئيساً قادراً على نقل لبنان من مرحلة المواجهة المفتوحة إلى مرحلة الدولة والمفاوضات. الاستقبال الحار، ووعد ترامب بمساعدة لبنان، وقراره السماح باستئناف الرحلات الجوية الأميركية المباشرة، عكست رغبة في إعطاء الزيارة طابعاً إيجابياً واستثنائياً. وكانت هذه أول زيارة لرئيس لبناني إلى البيت الأبيض منذ نحو عقدين.

لكن واشنطن لم تتبنَّ المطالب اللبنانية بلا شروط. فالمعادلة الأميركية بقيت واضحة:

انسحاب إسرائيلي تدريجي، مقابل انتشار الجيش اللبناني، ونزع سلاح حزب الله، ثم الانتقال إلى إنهاء دائم لحالة العداء مع إسرائيل.

الرئيس عون طالب بانسحاب إسرائيلي كامل باعتباره شرطاً لبسط سيادة الدولة، بينما تحدث ترامب عن أن الانسحاب «قيد التنفيذ» من دون تقديم جدول زمني أو ضمانات واضحة. وفي الوقت نفسه، شدد ماركو روبيو على أن لبنان لن يعرف السلام الكامل قبل معالجة سلاح حزب الله. لذلك رأت واشنطن الزيارة اختباراً لقدرة عون على تنفيذ التزامات الدولة اللبنانية، لا تفويضاً مفتوحاً لمطالب بيروت.

باريس: فرصة ضرورية لكن محفوفة بخطر اختلال التوازن

باريس تنظر بإيجابية إلى استعادة الدولة اللبنانية زمام المبادرة وإلى دعم الجيش، لكنها تخشى أن تصبح الأولوية الأميركية هي نزع سلاح حزب الله قبل توفير الانسحاب الإسرائيلي وإعادة الإعمار والضمانات السياسية.

المقاربة الفرنسية تميل إلى حل تدريجي يجمع بين انسحاب إسرائيل، وتعزيز الجيش، وتوفير دعم دولي للتدريب والمراقبة وإزالة الألغام، وتجنب مواجهة داخلية قد تهدد السلم الأهلي. وقد دعمت فرنسا ضمن مجموعة السبع فكرة قوة متعددة الجنسيات لتدريب الجيش اللبناني، فيما أبرزت التغطية الفرنسية غياب جدول زمني واضح للانسحاب الإسرائيلي وخطر بقاء الاحتلال تحت عنوان «المنطقة الأمنية».

لذلك يمكن تلخيص القراءة الفرنسية بالآتي: عون حقق اختراقاً سياسياً، لكن النجاح الحقيقي يتطلب ألا يُترك لبنان وحده أمام مهمتين متزامنتين: إسرائيل في الجنوب وحزب الله في الداخل.

الرياض: تثبيت عودة لبنان إلى الحضن العربي

القراءة السعودية كانت الأكثر دعماً لعون. فقد تلقى خلال وجوده في واشنطن اتصالاً من ولي العهد محمد بن سلمان، أعرب فيه عن استعداد الرياض لتقديم ما يحتاج إليه لبنان وفق أولويات الحكومة اللبنانية، كما وُجهت إلى عون دعوة لزيارة المملكة.

ترى الرياض أن عون يمثّل فرصة لإعادة بناء دولة لبنانية تتعامل مع الدول العربية من موقع الدولة، لا من خلال المحاور المسلحة. وهي تدعم حصرية السلاح بيد المؤسسات الشرعية، لكنها تميل إلى معالجة تدريجية لسلاح حزب الله تشمل دمج العناصر والبيئة الاجتماعية في مؤسسات الدولة، بدلاً من الذهاب إلى صدام عسكري مباشر.

ومن المنظور السعودي، فإن وصول عون إلى البيت الأبيض واستقباله بهذه الحفاوة يعني أن لبنان بدأ يستعيد شرعيته العربية والدولية بعد سنوات من الارتهان للصراعات الإقليمية.

تل أبيب: ترحيب مشروط بما سيقدمه عون

إسرائيل رأت في تصريحات عون عن إنهاء حالة العداء، وحصرية السلاح، وإمكان نزع سلاح حزب الله، تطوراً مهماً. لكنها لم تعتبر مطالبته بالانسحاب الكامل أساساً كافياً للتسوية.

القراءة الإسرائيلية تقول إن زيارة عون ستكون مفيدة فقط إذا نجح في تحويل التزاماته إلى خطوات عملية: انتشار فعلي للجيش، تفكيك بنية حزب الله العسكرية، ومنع عودته إلى المناطق التي تنسحب منها القوات الإسرائيلية. ولهذا لا تزال إسرائيل تتحدث عن وجود طويل الأمد في «منطقة أمنية»، وترفض عملياً معادلة الانسحاب أولاً ثم معالجة السلاح لاحقاً.

بمعنى آخر، تل أبيب رحبت بعون كشريك محتمل، لكنها لم تمنحه ثقتها بعد. وهي ستراقب ما يفعله الجيش اللبناني أكثر مما ستستمع إلى التصريحات السياسية.

طهران: انتقال لبنان من المظلة الإيرانية إلى الرعاية الأميركية

لم يظهر حتى الآن موقف إيراني رسمي شامل من نتائج اللقاء، لكن وسائل الإعلام القريبة من طهران ومحور المقاومة قدّمت الزيارة باعتبارها جزءاً من مشروع أميركي–إسرائيلي لنزع سلاح حزب الله وعزل إيران عن الساحة اللبنانية.

هذه القراءة ازدادت تشدداً بعد تصريحات عون السابقة الرافضة لاستخدام لبنان ورقة في المفاوضات الإيرانية–الأميركية، وقوله إن لبنان يفاوض عن نفسه ولا يقبل أن تفاوض أي دولة نيابة عنه. وكانت طهران قد ردت سابقاً بحدة على هذه المواقف، داعية عون إلى التركيز على إسرائيل بدلاً من إيران.

وفي الإعلام المؤيد لطهران، جرى تصوير زيارة واشنطن على أنها محاولة لإجبار لبنان على تقديم سلاح حزب الله من دون ضمان انسحاب إسرائيل.

لذلك ترى طهران الزيارة باعتبارها تحدياً مباشراً لنفوذها السياسي والعسكري في لبنان، وليس مجرد تحرك دبلوماسي لبناني.

الأخبار عبر البريد الإلكتروني

اشترك الآن لتصلك الأخبار إلى بريدك الإلكتروني