الحدث-كندا
متابعة و اعداد حليم كرم
لم تعد منطقة الساحل الإفريقي بالنسبة إلى ألمانيا مجرد مساحة بعيدة تعاني الفقر والحروب والانقلابات، بل أصبحت جزءاً مباشراً من حسابات الأمن القومي الأوروبي. فكلما توسع نفوذ الجماعات المسلحة وضعفت الدول في تلك المنطقة، ارتفعت المخاوف من موجات هجرة جديدة، وانتقال الإرهاب والجريمة المنظمة نحو شمال إفريقيا وأوروبا.
ومن هذا المنطلق، تحاول برلين تعزيز حضورها في الساحل، مستفيدة من موقع موريتانيا واستقرارها النسبي مقارنة بدول مجاورة مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو، حيث تزايدت الهجمات المسلحة وتراجعت سلطة الحكومات في مناطق واسعة.
وتنظر ألمانيا إلى موريتانيا بوصفها شريكاً أساسياً يمكن الاعتماد عليه لمنع تمدد الفوضى. فالبلاد تستقبل مئات الآلاف من اللاجئين القادمين من مالي، رغم محدودية إمكاناتها الاقتصادية، كما تقع على أحد أبرز طرق الهجرة المتجهة عبر المحيط الأطلسي نحو جزر الكناري وإسبانيا.
لهذا السبب، لا يقتصر التعاون الألماني مع نواكشوط على المساعدات المالية والتنموية، بل يشمل أيضاً الجانب الأمني. وتخطط برلين لإرسال خبراء عسكريين لتقديم المشورة والتدريب إلى القوات الموريتانية، إضافة إلى إمكان مشاركة الشرطة الألمانية في مجالات حماية الحدود، ومكافحة التهريب، وتبادل المعلومات.
لكن ألمانيا تدرك أن مواجهة التطرف لا تتحقق بالسلاح وحده. فالجماعات المسلحة تنمو عادة في المناطق التي تغيب عنها الدولة، وتنتشر فيها البطالة والفقر والنزاعات على الأراضي والمياه. كما تستغل شعور السكان بالظلم والتهميش لتجنيد الشباب وتقديم نفسها بديلاً عن الحكومات.
ولهذا تدعم برلين برامج اجتماعية محلية، من بينها مبادرات تقودها نساء يتواصلن مع العائلات ويحاولن اكتشاف مؤشرات التطرف في مراحله المبكرة. وتقوم هذه المبادرات على أن الأسرة والمدرسة والمجتمع المحلي تشكل خط الدفاع الأول قبل وصول الشباب إلى الجماعات المسلحة.
وتشهد منطقة الساحل نشاطاً متزايداً لتنظيمات مرتبطة بالقاعدة وداعش، إضافة إلى جماعة بوكو حرام. ولم تعد هذه الجماعات تكتفي بتنفيذ الهجمات، بل بات بعضها يفرض الضرائب، ويحاصر القرى، ويتحكم في حركة السكان، ويقدم خدمات محدودة مقابل الخضوع لسلطته.
وفي بعض المناطق، أصبحت هذه التنظيمات تتصرف كدولة موازية، مستفيدة من ضعف الإدارات المحلية وعجز الجيوش عن السيطرة على الحدود الواسعة. ويزيد الوضع تعقيداً تراجع التعاون بين دول المنطقة، خصوصاً بعد انسحاب مالي والنيجر وبوركينا فاسو من المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا.
كما ترافق ذلك مع تراجع النفوذ الفرنسي والغربي، مقابل توسع الحضور الروسي، من دون أن يؤدي هذا التغيير حتى الآن إلى وقف الهجمات أو استعادة الاستقرار.
ولا تتعلق المصالح الألمانية بالأمن والهجرة فقط. فموريتانيا تمتلك مساحات واسعة يمكن استغلالها في إنتاج الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والهيدروجين الأخضر، إضافة إلى احتياطيات من الغاز والمواد الخام.
وترى ألمانيا في هذه الموارد فرصة لتنويع مصادر الطاقة وفتح أسواق جديدة أمام الشركات الأوروبية، خصوصاً مع حاجة موريتانيا إلى تطوير الموانئ والطرق وشبكات الكهرباء والبنية التحتية.
وهكذا تجمع السياسة الألمانية في الساحل بين ثلاثة أهداف مترابطة: منع الإرهاب والفوضى من الاقتراب من أوروبا، والحد من الهجرة غير النظامية، والحصول على فرص اقتصادية ومصادر جديدة للطاقة.
غير أن نجاح هذه السياسة لن يتوقف على حجم الدعم العسكري أو عدد الخبراء الذين ترسلهم برلين، بل على قدرتها على مساعدة دول المنطقة في بناء مؤسسات قوية، وتوفير فرص العمل والتعليم والخدمات للسكان.
فالجماعات المسلحة لا تنتشر فقط لأنها تمتلك السلاح، بل لأنها تتحرك في فراغ تتركه الدولة. ومن دون معالجة الفقر والفساد والتهميش والنزاعات المحلية، قد تتراجع بعض الهجمات لفترة، لكن أسباب التطرف ستبقى قائمة.
بالنسبة إلى ألمانيا، أصبحت موريتانيا خط دفاع متقدماً عن الأمن الأوروبي، وشريكاً في ملفات الهجرة والطاقة والاستقرار. أما بالنسبة إلى دول الساحل، فالتحدي الحقيقي يبقى في تحويل الدعم الخارجي إلى دولة حاضرة وقادرة على حماية سكانها ومنح شبابها بديلاً عن الهجرة أو الانضمام إلى الجماعات المسلحة.

