الخليج بعد الصواريخ الإيرانية: مئات المليارات في السلاح… وفجوة في الحماية
الحدث-كندا
Raouf Najm
خلال عشر سنوات، أنفقت دول الخليج أو خصصت ما يقارب 140 مليار دولار على الأقل لصفقات تسليح كبرى، وقد يقترب الرقم من 190 مليار دولار إذا أُدرجت الصفقات المعلّقة أو تلك التي وُقعت قبل 2016 ودخلت مرحلة التسليم خلال العقد الأخير. السعودية، الكويت، قطر، الإمارات، البحرين وعُمان اشترت مقاتلات متطورة، منظومات دفاع جوي، صواريخ اعتراضية، دبابات، مروحيات، مسيّرات، ورادارات قيادة وسيطرة. ومع ذلك، حين تساقطت الصواريخ والمسيّرات الإيرانية، أو تلك المنطلقة من حلفاء طهران، على منشآت خليجية وأميركية في المنطقة، برز السؤال الأكثر إحراجًا: أين ذهبت كل هذه الأسلحة؟
هذا السؤال لا يعني أن هذه المنظومات لم تعمل. في أكثر من حالة، تم اعتراض صواريخ ومسيّرات قبل بلوغ أهدافها، خصوصًا حول القواعد الأميركية والمنشآت الاستراتيجية. لكن المشكلة أن الحماية العسكرية الحديثة لا تُقاس فقط بعدد الطائرات والصواريخ التي تشتريها الدولة، بل بقدرتها على بناء شبكة دفاع متكاملة، سريعة، مترابطة، وموزعة على كل الجغرافيا. وهنا تظهر الفجوة بين شراء السلاح وامتلاك قدرة دفاعية شاملة.
وفق معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، المعروف اختصارًا باسم SIPRI، بقيت منطقة الشرق الأوسط واحدة من أكبر أسواق السلاح في العالم. وSIPRI هو معهد بحثي مستقل مقره في السويد، تأسس عام 1966، ويُعد من أبرز المراجع العالمية في تتبع النزاعات، الإنفاق العسكري، تجارة السلاح، نزع السلاح، والرقابة على التسلح. يعتمد المعهد على مصادر مفتوحة، وتستخدم بياناته الحكومات والباحثون والصحافيون لفهم اتجاهات التسلح في العالم.
في أحدث بياناته، أشار SIPRI إلى أن واردات السلاح في الشرق الأوسط تراجعت بنسبة 13 في المئة بين فترتي 2016–2020 و2021–2025، لكن اللافت أن ثلاث دول خليجية بقيت بين أكبر عشرة مستوردين للسلاح في العالم: السعودية، قطر والكويت. السعودية وحدها استحوذت على نحو 6.8 في المئة من واردات السلاح العالمية، وقطر على 6.4 في المئة، والكويت على 2.8 في المئة. هذه الأرقام تكشف أن الخليج لم يتراجع عن التسليح، بل أعاد توجيهه أكثر فأكثر نحو الدفاع الجوي والصاروخي.
الكويت، مثلًا، أنفقت أو خصصت منذ 2016 ما لا يقل عن 33 إلى 35 مليار دولار على صفقات كبرى. اشترت مقاتلات يوروفايتر تايفون، وطائرات سوبر هورنت، ومروحيات أباتشي، ودبابات أبرامز، وصواريخ باتريوت، ومنظومة NASAMS للدفاع الجوي المتوسط، ثم منظومة IBCS الأميركية لربط الدفاعات الجوية في شبكة واحدة. هذا يعني أن الكويت لم تكن تشتري سلاحًا هجوميًا فقط، بل كانت تبني تدريجيًا درعًا دفاعية ضد الصواريخ والطائرات والمسيّرات.
السعودية ذهبت في الاتجاه نفسه، مع منظومة THAAD البعيدة المدى، وصواريخ باتريوت PAC-3 وGEM-T، وصواريخ جو-جو متقدمة، ومروحيات شينوك، وتحديثات لأسطول F-15. قطر اشترت F-15QA، يوروفايتر، رافال، NH90، مسيّرات MQ-9B، وباتريوت. الإمارات عقدت صفقة ضخمة للرافال، وطلبت منظومات THAAD وباتريوت ومروحيات أباتشي وشينوك، مع بقاء صفقة F-35 الأميركية معلّقة. البحرين ركزت على F-16V، باتريوت، ومروحيات AH-1Z. أما عُمان فبقيت أكثر تحفظًا، مع صفقات دعم وتحديث محدودة قياسًا بجيرانها.
لكن ماذا فعلت هذه الدول بعد سقوط الصواريخ والمسيّرات عليها أو قرب أراضيها؟ في الشكل، أدانت الهجمات ورفعت مستوى الجهوزية وأغلقت أحيانًا أجواءها أو عطلت حركة الطيران مؤقتًا، ثم لجأت إلى واشنطن طلبًا للحماية والاعتراض والمساندة. وفي الجوهر، فعلت ما تفعله دول الخليج عادة في لحظات الخطر: تجنبت الرد العسكري المباشر على إيران، ودفعت نحو احتواء التصعيد سياسيًا، مع تسريع شراء الذخائر الاعتراضية ومنظومات الإنذار المبكر والربط الإلكتروني بين الرادارات والبطاريات الدفاعية.
هنا تكمن المفارقة الكبرى. فالسلاح الخليجي كان كافيًا لإرسال رسالة ردع، لكنه لم يكن كافيًا لتأمين مظلة كاملة فوق المدن والمطارات والمنشآت النفطية والقواعد الأجنبية. السبب الأول أن كثيرًا من الأسلحة التي اشتُريت ليست مخصصة لاعتراض الصواريخ. المقاتلات والدبابات والمروحيات لا توقف صاروخًا بالستيًا ينطلق من إيران ويقطع المسافة خلال دقائق. هذه أسلحة تفوق جوي أو قتال بري أو نقل أو هجوم، بينما الدفاع ضد الصواريخ يحتاج إلى رادارات، منظومات قيادة وسيطرة، صواريخ اعتراضية، بطاريات موزعة، وتنسيق لحظي بين جيوش عدة.
السبب الثاني أن الهجوم الحديث لم يعد يأتي من صاروخ واحد واضح المسار. إيران وحلفاؤها طوّروا نموذجًا يعتمد على المزج بين الصواريخ البالستية، صواريخ الكروز، المسيّرات الانتحارية، وربما الأهداف الوهمية. هذا النوع من الهجمات يربك الدفاعات لأنه يأتي من ارتفاعات وسرعات ومسارات مختلفة. صاروخ بالستي يحتاج إلى اعتراض عالٍ وسريع، بينما المسيّرة الصغيرة قد تطير ببطء وعلى ارتفاع منخفض، وتكون رخيصة إلى درجة تجعل إسقاطها بصاروخ باتريوت بملايين الدولارات معادلة مكلفة جدًا.
السبب الثالث هو التشبع. إذا أطلقت إيران أو أحد حلفائها عددًا كبيرًا من الصواريخ والمسيّرات في وقت واحد، تستطيع الدفاعات إسقاط جزء كبير منها، لكن احتمال تسرب بعضها يبقى قائمًا. الدفاع الجوي ليس جدارًا إسمنتيًا، بل شبكة احتمالات. كل منظومة لها زاوية تغطية، مدى، مخزون ذخائر، ووقت إعادة تلقيم. وعندما تضرب موجات متتالية في ليلة واحدة، يصبح السؤال: ماذا تحمي أولًا؟ القاعدة الأميركية؟ المطار؟ منشأة النفط؟ المدينة؟ القصر؟ الميناء؟ لا توجد دولة في العالم تستطيع حماية كل نقطة في أراضيها طوال الوقت.
السبب الرابع أن الخليج يملك أسلحة كثيرة، لكنه لا يملك دائمًا قيادة دفاعية موحدة. كل دولة اشترت منظوماتها وفق أولوياتها وعلاقاتها السياسية ومورديها: أميركية، بريطانية، فرنسية، إيطالية، وأحيانًا تركية أو محلية. المشكلة أن السلاح لا يصبح فعالًا بمجرد وصوله. يجب أن تُدمج الرادارات مع الصواريخ، وأن تتبادل الدول الإنذارات، وأن تتصل المنظومات الأميركية والفرنسية والأوروبية ببعضها، وأن تكون هناك قواعد اشتباك واضحة خلال ثوانٍ. لهذا تبدو صفقات مثل IBCS مهمة جدًا، لأنها لا تضيف صاروخًا جديدًا فقط، بل تحاول ربط كل العيون وكل الأذرع الدفاعية في شبكة واحدة.
السبب الخامس سياسي. دول الخليج تستضيف قواعد أميركية كبرى، من البحرين إلى قطر والكويت والإمارات. لذلك تختلط حماية الدولة بحماية الوجود الأميركي. أحيانًا تكون الأولوية العملياتية لاعتراض ما يهدد القواعد أو القوات الأميركية، بينما تبقى البنية المدنية مكشوفة نسبيًا. كما أن أي رد مباشر على إيران قد يفتح حربًا إقليمية لا تريدها هذه الدول، خصوصًا أن اقتصاداتها تعتمد على النفط والغاز والموانئ والطيران والاستثمار الأجنبي. لهذا تفضّل العواصم الخليجية غالبًا أن تدفع ثمن منظومات دفاعية إضافية بدل أن تدخل حربًا مفتوحة.
ما حدث بعد الهجمات الإيرانية أو هجمات حلفاء إيران كشف حقيقة قاسية: الخليج اشترى قوة هائلة، لكنه لا يزال يبحث عن أمن كامل. أنظمة باتريوت وثاد وناسامز وأحدث المقاتلات قادرة على تقليل الخسائر، لكنها لا تلغي الخطر. كل صاروخ يتسرب إلى مطار، وكل مسيّرة تصل إلى منشأة نفطية، وكل إنذار جوي يشل حركة الطيران، يثبت أن ميزان الردع لم يُحسم بعد.
الدرس الأهم أن سباق السلاح الخليجي دخل مرحلة جديدة. لم يعد السؤال كم مقاتلة تملك الدولة، بل هل تملك شبكة دفاع جوي قادرة على كشف الهجوم قبل وصوله؟ هل تملك ذخائر اعتراضية كافية لحرب طويلة؟ هل تستطيع الدفاع عن المدن والمنشآت النفطية في وقت واحد؟ وهل تستطيع دول الخليج بناء مظلة إقليمية مشتركة، أم ستبقى كل دولة تحمي سماءها وحدها وتنتظر واشنطن ساعة الخطر؟
في النهاية، لم تكن المشكلة أن الخليج لم يستخدم أسلحته. في حالات كثيرة استخدم دفاعاته، واعترض جزءًا من الهجمات. المشكلة أن ما اشتراه خلال عشر سنوات لم يكن درعًا مطلقة. الأسلحة خففت الضربة، لكنها لم تمنع الحرب من الوصول إلى السماء الخليجية. وهذا هو السؤال السياسي والعسكري الأخطر: هل كانت مليارات التسليح لبناء أمن حقيقي، أم لإدارة الخطر فقط؟
الأخبار بالفيديو

الأخبار عبر البريد الإلكتروني
اشترك الآن لتصلك الأخبار إلى بريدك الإلكتروني


