بين ضغوط واشنطن وحسابات طهران… لبنان على مفترق التسوية أو المواجهة الكبرى

Last Updated: يونيو 9, 2026Categories: Uncategorized, أخبار لبنان, كتاب الموقع

الحدث-كندا

اندريه قصاص

ما أن أعطى وزير خارجية إيران عباس عراقجي الضوء الأخضر، في ردّه المباشر على كلام رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، حتى انطلقت “صلية” من “المسيّرات الكلامية” ضده، في حملة غير مسبوقة على رئيس للجمهورية في أولى سنتين من عهده. وهذه الحملة لم تكن لتنطلق بهذه الحدّية لو لم تُعطَ جيوشها الالكترونية الضوء الأخضر من طهران، التي لا تزال تراهن حتى هذه الساعة وحتى قيام الساعة على “حزب الله” في مواجهة إسرائيل على رغم الخسائر الكبيرة بالأرواح والممتلكات على امتداد الجنوب والبقاع وحتى الضاحية، التي قد تكون مصدر شرارة المواجهة الكبرى، وهي، أي طهران، لا تخفي بأنها تستعمل “الحزب” كورقة قد تكون الأخيرة لديها في مفاوضاتها مع الأميركيين، الذين يصرّون على الذهاب إلى الخيارات السلمية، لأن الخيارات الأخرى لن تؤدّي سوى إلى المزيد من الموت والتشريد والدمار والخراب، مع ما يستتبع كل ذلك من انعكاسات كارثية على الاقتصاد العالمي. لكن ما تسعى إليه واشنطن يتناقض كليًا مع الواقع الذي تحاول إسرائيل فرضه في لبنان. وهذا ما بدا واضحًا من خلال استهدافها الضاحية الجنوبية في معادلة جديدة – قديمة، وهي أن أمن الضاحية من أمن الجليل.

فالهجوم المبرمج والمدوزن إيرانيًا على الرئيس عون تقابله خشية حقيقية من عدم قدرة واشنطن على الضغط على تل أبيب أكثر مما فعلت في الأيام الأخيرة، خصوصًا إذا تبيّن لها أن طهران لا تزال تناور وتراوغ كسبًا للوقت. وبهذه الحال لا يمكن التنبؤ مسبقًا بما ستؤول إليه الأوضاع الأمنية، التي قد تشهد تصعيدًا تصاعديًا خطيراً في المنطقة الجنوبية، على رغم  أنّ الاتفاق الذي خَلُصت إليه المفاوضات المباشرة التي انعقدت في واشنطن بين لبنان وإسرائيل، والذي تحدَّد فيه مسار الوصول إلى وقف لإطلاق النار ينهي العدوان الإسرائيلي على لبنان، لن يدخل حيِّز التنفيذ، اقله في المدى المنظور، الأمر الذي قد يُبقي الباب مشرَّعاً على احتمالات خطيرة، ربطاً بالمخاوف من تصعيد كبير، يعزّزها النقاش المحتدم داخل إسرائيل، حيث تتعالى أصوات المتطرّفين في حكومة بنيامين نتنياهو وسكان مستوطنات الشمال، باستمرار الحرب وتوسيعها حتى القضاء على “حزب الله”.

إلا أن ثمة بصيص نور بدأت تتكشف طلائعه من “عين التينة”، حيث يُحكى عن مسعىً جدّي من قِبل الرئيس نبيه بري، الذي أوفد معاونه السياسي النائب على حسن خليل إلى الدوحة لكي يكون على تماس مباشر مع المفاوضات الجارية بين العاصمتين القطرية والأميركية بالتعاون مع اسلام أباد لإيجاد المخارج اللائقة والممكنة للأزمة العالقة في عنق زجاجة مضيق هرمز، والتي لا بد من أن يكون لها انعكاسات مباشرة على الوضع اللبناني المعّلق مصيره على النقاط المشتركة، التي يمكن التوصّل إليها بين واشنطن وطهران.

وفي حال التوصّل إلى هذه النقطة الإيجابية فإن في مقدور طهران، وعبر حرسها الثوري، أن توقف الحرب في لبنان، بوجهيها العسكري والسياسي في آن، كمقدمة لازمة لإيجاد مخرج لوضعية “حزب الله”، الذي لا بد لقيادته من أن تقتنع في نهاية المطاف بأن خيار المفاوضات المباشرة، والتي يقودها الرئيس عون هي التي ستوصل لبنان إلى عكس ما أوصلته إليه حربا “الاسناد” و”الثأر”.

غير أن الرهان على تبدّل الموقف الإيراني لا يكفي وحده لإخراج لبنان من دائرة الخطر. فالمشكلة لم تعد محصورة فقط في قرار الحرب والسلم، بل أصبحت مرتبطة بصورة لبنان في الخارج، وبمدى قدرة الدولة على إقناع المجتمعين العربي والدولي بأنها استعادت زمام المبادرة، وأنها لم تعد مجرد ساحة لتبادل الرسائل الإقليمية والدولية. ومن هنا تكتسب مواقف الرئيس عون أهمية استثنائية، لأنها للمرة الأولى منذ سنوات طويلة تعيد طرح معادلة الدولة المرجعية الوحيدة في القضايا السيادية والأمنية، بعيدًا من ازدواجية القرار التي دفعت لبنان أثمانًا باهظة نتيجة استمرارها.

وفي موازاة ذلك، تدرك واشنطن أن أي تسوية مستدامة في لبنان لن تكون ممكنة إذا بقي الجنوب مفتوحًا على احتمالات التصعيد في كل لحظة. لذلك فإن الجهود الأميركية لا تقتصر على إدارة المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، بل تتعداها إلى محاولة إنتاج واقع سياسي وأمني جديد يسمح بتثبيت وقف إطلاق النار وتحويله من هدنة هشة إلى استقرار طويل الأمد. وهذا ما يفسر الإصرار الأميركي على استمرار قنوات التفاوض، على رغم التعقيدات الميدانية والاعتراضات التي تظهر بين الحين والآخر من هذا الطرف أو ذاك.

وفي المقابل، تبدو إسرائيل أمام مفارقة معقدة. فهي من جهة تريد استثمار تفوقها العسكري والميداني لتحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب الأمنية، ومن جهة أخرى تدرك أن استمرار الحرب إلى ما لا نهاية لن يحقق لها الاستقرار الذي تطمح إليه على حدودها الشمالية. ولذلك فإن تل أبيب، مهما رفعت سقف شروطها، تبقى مضطرة في نهاية المطاف إلى التعامل مع الوقائع السياسية التي تحاول واشنطن رسمها للمرحلة المقبلة.

أما لبنان، فيقف اليوم أمام مفترق مصيري. فإما أن ينجح في استثمار المناخ الدولي والإقليمي الدافع نحو التسويات لإعادة بناء الدولة ومؤسساتها وتعزيز دور الجيش والقوى الشرعية، وإما أن يبقى عالقًا في دوامة الانتظار والترقب، فيما تستنزف الهجرة شبابه، وتتراجع قدرته على النهوض الاقتصادي، وتتآكل مقومات صموده الاجتماعي.

لذلك، فإن ما يجري خلف الكواليس، سواء في واشنطن أو الدوحة أو عبر القنوات المفتوحة بين العواصم المعنية، يتجاوز بكثير مسألة وقف إطلاق النار أو تثبيت الهدنة. إنه يتعلق بشكل لبنان المقبل، وبطبيعة موقعه في الخارطة الإقليمية الجديدة التي يجري رسمها على وقع التحولات الكبرى في الشرق الأوسط. وعليه، فإن الأسابيع المقبلة قد لا تكون مجرد محطة تفاوضية عابرة، بل مرحلة تأسيسية تحدد ما إذا كان لبنان سيدخل زمن التسويات والاستقرار، أم سيبقى أسير الحروب المؤجلة والأزمات المفتوحة.

www.alhadath.ca

الأخبار عبر البريد الإلكتروني

اشترك الآن لتصلك الأخبار إلى بريدك الإلكتروني