بيروت الهدف التالي لإسرائيل؟
الحدث-كندا
اندريه قصاص
لم تعد تكتفي إسرائيل بما يُسمّى بـ “الخط الأصفر” لحماية أمنها الشمالي على حدّ ما تدّعيه، بل سعت إلى توسيع دائرة الاحتلال ليشمل أهم المناطق الاستراتيجية كقلعة الشقيف مثلًا وتلال زوطر الشرقية ودبين، التي تتيح لها تحقيق هدفين في آن؛ الأول هو السيطرة بالنار على المنطقة الشرقية الممتدة من حدود شبعا حتى آخر بلدة أو قرية في المنطقة الواقعة شمال نهر الليطاني بعدما تخطّته. أمّا الهدف الثاني فهو قطع الطريق التي توصل الجنوب بالبقاع. وبهذه العملية المتعددة الأهداف تكون إسرائيل قد ضيّقت الخناق على مقاتلي “حزب الله” وقطعت طرق الامداد عليهم، وبالتالي تحويل هدف المسيرّات، التي تصفها بـ “البدائية”، من العمق الإسرائيلي إلى العمق اللبناني، على أن تبقى عين إسرائيل على بيروت كهدف مباشر، وإن لم يكن دون تحقيق هذا “الحلم” الكثير من العوائق، التي تمنع إسرائيل من ارتكاب هكذا حماقة، وقد يكون من بين أهمّ هذه العوائق “الفيتو” الأميركي، بحيث أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لن يسمح لتل أبيب بتهديد ما يسعى إليه في مفاوضاته مع إيران، خصوصًا أنه نجح في الآونة الأخيرة في لجم إسرائيل ومنعها من تهديد بيروت وضاحيتها الجنوبية بالمباشر.
إلاّ أن هذا لا يعني بالضرورة أن بيروت وضاحيتها الجنوبية ستبقى في منأى عن الاستهدافات العدائية من قِبل إسرائيل، التي لن “تهدأ” قبل أن تسيطر أقّله بالنار على العاصمة، مع العلم أن طائرات الـ “أم ك” لا تغيب عن سمائها، ليلًا ونهارًا.
غير أنّ ما يقلق الأوساط السياسية والديبلوماسية ليس فقط ما يجري على أرض الجنوب، بل ما يمكن أن ينتج عنه من تحولات في قواعد الاشتباك التي حكمت المواجهة منذ سنوات طويلة. فإسرائيل، التي تدرك أن أي عملية واسعة ضد بيروت ستستدعي ردود فعل إقليمية ودولية معقدة، تحاول حتى الآن اعتماد سياسة التدرج في التصعيد، أي الانتقال من مرحلة الضغط على الأطراف الحدودية إلى مرحلة توسيع دائرة الاستهدافات نحو العمق اللبناني تدريجيًا، من دون الوصول إلى لحظة الانفجار الشامل.
ومن هنا، فإنّ ما يحصل في الجنوب لا يمكن قراءته بمعزل عن المفاوضات الجارية بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية. فتل أبيب تسعى إلى تحسين شروطها التفاوضية عبر الميدان، فيما يحاول لبنان، مدعومًا بالموقف الأميركي المعلن الداعي إلى الاستقرار، منع تحويل التفوق العسكري الإسرائيلي إلى مكاسب سياسية دائمة. ولذلك جاءت اجتماعات البنتاغون الأخيرة شديدة التوتر، بعدما تمسك الوفد اللبناني بضرورة وقف الاعتداءات أولًا قبل الانتقال إلى أي نقاش آخر يتعلق بالترتيبات الأمنية أو العسكرية.
وتشير المعلومات المتداولة في الأوساط المتابعة إلى أنّ الوفد اللبناني غادر واشنطن من دون تحقيق اختراق فعلي، لكن من دون انهيار المسار التفاوضي أيضًا. فالخلاف الأساسي بقي قائمًا حول الأولويات. فلبنان يطالب بوقف النار والانسحاب من النقاط المحتلة وتثبيت الاستقرار، فيما تصرّ إسرائيل على ربط أي خطوة من هذا النوع بضمانات أمنية إضافية تتعلق بواقع الجنوب ومستقبل البنية العسكرية لـ”حزب الله”.
وفي موازاة ذلك، تراقب واشنطن بقلق مسار الأحداث. فهي تدرك أنّ أي توسع كبير للعمليات العسكرية في اتجاه بيروت أو ضاحيتها الجنوبية قد يطيح ليس فقط بالمفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية، بل أيضًا بمسارات تفاوضية أخرى أكثر أهمية بالنسبة إليها، وفي مقدمها التفاهمات الجارية مع إيران. ولذلك لا يزال “الفيتو” الأميركي يشكل حتى الآن المانع الأساسي أمام انتقال الحرب إلى مستوى أكثر خطورة.
لكنّ المشكلة تكمن في أنّ إسرائيل قد لا تكون في حاجة إلى اجتياح بيروت أو قصفها بشكل واسع لتحقيق أهدافها. فهي تعتمد منذ أشهر سياسة الاستنزاف المتدرج، القائم على الضغط النفسي والعسكري والاقتصادي، وعلى إبقاء لبنان كله تحت شعور دائم بأن الحرب الواسعة والشاملة يمكن أن تعود في أي لحظة. وهذا بحد ذاته يشكل عنصر ضغط هائل على الدولة اللبنانية وعلى الاقتصاد وعلى حركة الاستثمار والسياحة وإعادة الإعمار.
وفي العمق، يبدو أنّ المعركة الفعلية لم تعد تدور فقط حول بضعة كيلومترات في الجنوب أو حول مواقع عسكرية هنا وهناك، بل حول شكل لبنان الذي سيخرج من هذه المرحلة. فإسرائيل تريد جنوبًا مختلفًا وقواعد اشتباك مختلفة، فيما يسعى لبنان إلى حماية ما تبقى من سيادته ومنع فرض وقائع جديدة بالقوة. وبين هذين الهدفين، تبقى بيروت حاضرة في الحسابات الإسرائيلية، ليس كهدف عسكري فحسب، بل كورقة ضغط سياسية كبرى، يجري التلويح بها كلما تعثرت المفاوضات أو اقتربت المنطقة من مفترق حاسم.
لذلك، فإنّ السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس عن رغبة إسرائيل ترغب في الوصول إلى بيروت، بل إذا كانت الظروف الإقليمية والدولية ستسمح لها بذلك. وحتى الآن، يبدو أنّ الجواب لا يزال مرتبطًا بموقف واشنطن أكثر مما هو مرتبط بموازين القوى الميدانية وحدها.
الأخبار بالفيديو

الأخبار عبر البريد الإلكتروني
اشترك الآن لتصلك الأخبار إلى بريدك الإلكتروني


