لماذا قد تختار طهران الحرب على التفاوض؟

رؤوف نجم
الحدث-كندا
قراءة في منطق المواجهة وحدود الصمود الإيراني
في الظاهر، يبدو التفاوض الخيار الطبيعي لأي دولة تواجه ضغوطًا اقتصادية وعسكرية خانقة. غير أنّ الحسابات في طهران تسير في اتجاه مختلف. فداخل دوائر القرار الإيراني يتبلور اقتناع بأنّ المسار الدبلوماسي، بصيغته الحالية، لا يُنتج تسوية متوازنة، بل يفرض تنازلات أحادية قد تفضي في النهاية إلى إضعاف النظام نفسه.
أولاً: الخوف من “سلام يفتح باب السقوط”
تقدير القيادة الإيرانية يقوم على فرضية أساسية: أي اتفاق لا يتضمّن ضمانات أمنية صلبة ورفعًا فعليًا للعقوبات، سيؤدي إلى تفكيك أدوات الردع الإيرانية من دون تحصين الداخل.
بمعنى آخر، ترى طهران أنّ التخلي عن برنامجها النووي والصاروخي ونفوذها الإقليمي، من دون مقابل استراتيجي واضح، سيجعلها مكشوفة أمام ضغوط خارجية وتصعيد داخلي متجدد.
لهذا السبب، يُنظر إلى بعض صيغ التفاوض على أنّها انتقال تدريجي من الاحتواء إلى الإنهاك، لا إلى الاستقرار.
ثانياً: معادلة “الردع عبر المخاطرة”
إيران ليست قوة عسكرية تقليدية تقيس المواجهة بمعيار التفوق الجوي أو البحري فقط. استراتيجيتها قائمة على “تعدد الجبهات” والقدرة على إرباك الخصم عبر شبكة حلفاء إقليميين وأدوات غير مباشرة.
في هذا السياق، قد ترى طهران أن حربًا محدودة أو حتى طويلة نسبيًا يمكن أن تعيد فرض قواعد اشتباك جديدة، وتدفع خصومها إلى إعادة حساباتهم، خصوصًا إذا ارتفعت كلفة المواجهة على الاقتصاد العالمي وسوق الطاقة.
من وجهة نظرها، المخاطرة قد تكون وسيلة لإعادة التوازن، لا انتحارًا سياسيًا.
ثالثاً: الداخل الإيراني… بين التصدّع وإعادة التعبئة
تعاني إيران من ضغط اقتصادي واجتماعي واضح، واحتجاجات متكررة كشفت حجم الهوة بين السلطة وقطاعات من المجتمع.
لكنّ بعض دوائر النظام تراهن على أنّ الحرب، إذا اندلعت، قد تعيد توجيه المزاج الشعبي نحو الاصطفاف الوطني، وتُضعف دينامية الاحتجاجات مؤقتًا على الأقل.
هذا الرهان محفوف بالمخاطر، لكنه ليس بلا سوابق تاريخية في أنظمة تواجه تهديدًا خارجيًا.
كم تستطيع إيران الصمود؟
الإجابة ليست مطلقة، بل ترتبط بطبيعة الحرب:
في حال ضربة سريعة ومحدودة:
تستطيع إيران امتصاصها والردّ عبر أدوات غير مباشرة، مع الحفاظ على بنيتها السياسية والعسكرية. هذا السيناريو قد يمتد أسابيع أو بضعة أشهر.
في حال حرب إقليمية ممتدة:
يمكن لإيران الصمود عسكريًا لعدة أشهر، وربما أكثر، اعتمادًا على:
مخزونها الصاروخي
انتشار أذرعها الإقليمية
قدرتها على تعطيل خطوط الطاقة والملاحة
إلا أنّ الكلفة الاقتصادية ستكون باهظة، وقد تُرهق البنية التحتية تدريجيًا.
في حال حرب شاملة تهدف لإسقاط النظام:
هنا يصبح الصمود مسألة توازن داخلي أكثر من قدرات عسكرية.
إذا تماسك الجيش والحرس الثوري، يمكن للنظام الاستمرار لفترة طويلة رغم الدمار.
أمّا إذا ترافقت الحرب مع انقسام داخلي واسع، فإنّ قدرة الصمود تتقلص بشكل كبير.
هل الحرب خيار مفضّل فعلًا؟
الأرجح أنّ طهران لا “تفضّل” الحرب بمعناها التقليدي، لكنها قد تعتبرها أقل سوءًا من اتفاق يُقوّض عناصر قوتها تدريجيًا.
في نظرها، التفاوض بشروط غير متوازنة يعني خسارة بطيئة، بينما المواجهة قد تمنح فرصة لإعادة رسم المعادلة، ولو بكلفة مرتفعة.
المعضلة تكمن في أن هذا الحساب يفترض قدرة دقيقة على ضبط التصعيد، وهو افتراض قد لا يصمد أمام واقع صراع مفتوح تتداخل فيه قوى إقليمية ودولية.
بتصرف
الأخبار بالفيديو

الأخبار عبر البريد الإلكتروني
اشترك الآن لتصلك الأخبار إلى بريدك الإلكتروني

