٤ آب ٢٠٢٠ : من صوامع الذكريات الى شاهد على التاريخ

Last Updated: أغسطس 4, 2026Categories: الجالية في مونتريال وكندا, كتاب الموقع

الحدث-كندا

بقلم وسيم سلطاني

في حياتنا تمرّ بنا مئات المشاهد. هناك مشاهد تمر سريعا، ولكن هناك مشهد يبقى، ويترك فينا أثرًا لا يُمحى، يغير شيئًا ما في داخلنا. نراه، نسمعه، نعيشه، ونظن أننا نسيناه… لكن في أعماقنا يبقى مشهد يطلّ علينا من وقت لآخر كلما أغمضنا أعيننا.
من المشاهد التي لن انساها هو مشهد علّمني معنى الوطن. فالوطن ليس مجرد مكان نعيش فيه، بل جزء منّا نحمله معنا أينما ذهبنا. وعندما يتألم الوطن، نشعر نحن بالألم حتى لو كنا على الطرف الآخر من العالم. هذا المشهد ولم ولن يغادر ذاكرتي ابدا: مشهد صمود إهراءات مرفأ بيروت بعد انفجار الرابع من آب 2020.
علاقتي بهذه الإهراءات لم تبدأ يوم الانفجار، بل قبل ذلك بنحو نصف قرن. في عام 1971، كنت في التاسعة من عمري، عندما أخذتنا مدرستي الانترناشونال كوليج، في رحلة إلى مرفأ بيروت لزيارة الإهراءات. أتذكر ذلك اليوم جيداً. كنا مجموعة من التلاميذ الصغار نتجول بين الأبنية والمنشآت الضخمة، بينما كان المعلمون يشرحون لنا أهمية هذا المشروع. يومها لم أفهم تماماً سبب الزيارة، ولم أدرك لماذا اعتبرت المدرسة أن رؤية هذه الصوامع تستحق رحلة خاصة.
مرت السنوات، وبقيت تلك الزيارة عالقة في ذاكرتي دون أن أفهم معناها الكامل. ثم عرفت لاحقاً أن هذه الإهراءات كانت مشروعاً حديثاً آنذاك، إذ افتُتحت عام 1970 اي قبل سنة فقط من زيارتنا لها، بعد أن تم بناؤها بتمويل من الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية، وكانت تمثل رمزاً للتقدم والازدهار الاقتصادي في لبنان. عندها فقط فهمت لماذا أرادت مدرستنا أن تأخذنا لرؤيتها. فقد كانت في ذلك الزمن إنجازاً وطنياً يفتخر به اللبنانيون.
بعدها غادرت لبنان حتى حط بي الرحال في كندا.

وجاء الرابع من آب 2020.

كنت جالساً في منزلي في كندا أعيش يوماً عادياً من أيام الصيف، عندما دخل ابني نور إلى الغرفة على عجل وهو يحمل هاتفه المحمول. كان يبدو عليه الارتباك والصدمة. قال لي بصوت مرتفع: انظر بابا…لقد وقع انفجار في بيروت. أخذت الهاتف من يده ونظرت. في البداية ظننت أنه انفجار عادي أو حادث محدود، لكن خلال ثوانٍ بدأت أرى المشاهد تتوالى أمامي. سحابة ضخمة ترتفع فوق المدينة، وأصوات انفجارات، وصور لمبانٍ مدمرة وزجاج متناثر في الشوارع. جلست مذهولاً لا أصدق ما أراه. كانت بيروت، المدينة التي عشت فيها أجمل سنوات شبابي، والتي ما زالت تسكن ذاكرتي رغم سنوات الغربة الطويلة، تتعرض أمام عيني لكارثة لم أشهد لها مثيلاً من قبل. ومع استمرار وصول الأخبار والصور، بدأت أبحث بين مشاهد الدمار عن معالم أعرفها. وفجأة وقعت عيناي على الإهراءات التي زرتها طفلاً مع مدرستي عام 1971. شعرت وكأن الزمن عاد بي فجأة إلى تلك الرحلة المدرسية البعيدة. كانت الإهراءات واقفة وسط الخراب، جريحة ومتصدعة، لكنها ما زالت صامدة في وجه الكارثة، وقد امتصت جزءا كبيرا من قوة الانفجار وساهمت في حماية أحياء واسعة من بيروت من أضرار أكبر. لم أكن أعلم أنني بعد اكثر من نصف قرن سأراها مرة أخرى، ولكن في واحد من أكثر الأيام مأساوية في تاريخ لبنان الحديث. لبنان الوطن الذي مهما ابتعدنا عنه، يبقى حاضرا في القلب والذاكرة.
رحم الله ضحايا الرابع من آب، وشفى جراح المصابين، وألهم أهلهم الصبر. وأسأل الله أن يأتي يوم أرى فيه بيروت وقد نهضت من جديد، كما عرفناها دائماً, مدينةً للحياة، لا مدينةً للرماد.
وحتى ذلك اليوم، ستبقى دموعي تسبق كلماتي كلما حلّ الرابع من آب، لأن هناك أوطاناً لا تغادر القلب، مهما ابتعدت المسافات.

الأخبار عبر البريد الإلكتروني

اشترك الآن لتصلك الأخبار إلى بريدك الإلكتروني