كندا بين تراجع انفصال كيبيك وقلق ألبرتا من التدخل الأجنبي… وأوتاوا توسّع الاحتياط العسكري
الحدث – كندا
تشهد كندا في هذه المرحلة ثلاثة تطورات تبدو متباعدة جغرافياً وسياسياً، لكنها تلتقي عند سؤال واحد يتعلق بوحدة البلاد وقدرتها على مواجهة مرحلة دولية أكثر اضطراباً: تراجع لافت في تأييد استقلال كيبيك، مخاوف متزايدة من تدخلات أجنبية في النقاش الانفصالي في ألبرتا، ومساعٍ فدرالية لتوسيع قوات الاحتياط وتعزيز قدرة الجيش الكندي على الاستجابة للأزمات.
كيبيك… الاستقلال يتراجع أمام القلق من واشنطن
في كيبيك، أظهرت استطلاعات الرأي أن التأييد للسيادة والاستقلال تراجع إلى نحو 30 في المئة، وهو مستوى تصفه رويترز بأنه من الأدنى منذ عقود، في تحول لافت يأتي بينما يستعد الإقليم لانتخابات عامة مقررة في موعد أقصاه 5 أكتوبر/تشرين الأول المقبل.
ولا يعني ذلك بالضرورة تراجع شعبية الحزب الكيبيكي Parti Québécois نفسه، إذ لا يزال الحزب يتصدر بعض استطلاعات الانتخابات بفارق محدود، لكن التصويت للحزب لا يترجم تلقائياً إلى تأييد مشروع الاستقلال.
والعامل الجديد في المعادلة هو الولايات المتحدة.
فسياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والرسوم الجمركية التي أصابت صناعات كيبيكية رئيسية، إضافة إلى تصريحاته السابقة حول احتمال جعل كندا «الولاية الحادية والخمسين»، ولّدت شعوراً متزايداً لدى قسم من سكان كيبيك بأن الظروف الحالية تستدعي التماسك داخل كندا أكثر من فتح مواجهة دستورية حول الانفصال.
وقد ذهب زعيم الحزب الكيبيكي بول سان بيير بلاموندون إلى حد التعهد بعدم إجراء استفتاء ثالث حول استقلال كيبيك طالما بقي ترامب في البيت الأبيض، رغم أن الحزب لا يزال متمسكاً من حيث المبدأ بمشروع السيادة.
وهكذا، فإن التهديد الخارجي الذي كان يمكن أن يغذي في مراحل سابقة الشعور القومي الكيبيكي، يبدو هذه المرة وكأنه يعزز لدى شريحة من السكان فكرة البقاء ضمن الإطار الكندي.
ألبرتا… الاتجاه المعاكس
وفي الوقت الذي يبتعد فيه شبح الاستفتاء مؤقتاً عن كيبيك، تتحرك ألبرتا في الاتجاه المعاكس.
فالجدل حول انفصال المقاطعة الغنية بالنفط أصبح أحد أكثر الملفات حساسية في السياسة الكندية، مع اقتراب استفتاء مقرر في الخريف المقبل يتضمن سؤالاً حول ما إذا كان ينبغي لألبرتا بدء المسار القانوني المؤدي إلى تصويت مستقبلي ملزم على الانفصال.
لكن الملف لم يعد داخلياً فقط.
فقد تحدثت تقارير حديثة عن مؤشرات متزايدة إلى محاولات من جهات أجنبية للتأثير في النقاش والاستفتاء، سواء عبر حملات التضليل على الإنترنت أو من خلال اتصالات سياسية مع شخصيات من الحركة الانفصالية. وأفادت Global News في 19 أغسطس بأن الأدلة المتداولة أثارت قلقاً متزايداً حول قدرة أطراف أجنبية على استغلال الانقسام السياسي داخل ألبرتا.
كما أثارت لقاءات سابقة بين شخصيات انفصالية في ألبرتا ومسؤولين في إدارة ترامب تساؤلات واسعة في كندا بشأن حدود التدخل الأميركي، فيما تحدث تقرير صادر عن مركز متخصص بمراقبة التضليل عن نشاط روسي يستغل قضية الانفصال لنشر رسائل تزيد الانقسام وعدم الثقة بالمؤسسات الكندية. هذه الاتهامات تبقى موضع تدقيق ونقاش سياسي، لكنها دفعت مسألة التدخل الأجنبي في الوحدة الكندية إلى واجهة الاهتمام.
وتبدو المفارقة واضحة: في كيبيك، تؤدي الضغوط الأميركية إلى إضعاف الرغبة في الانفصال، بينما أصبحت العلاقة مع الولايات المتحدة نفسها جزءاً من الجدل المحيط بالحركة الانفصالية في ألبرتا.
أوتاوا تنظر إلى الأمن من زاوية أخرى
وبعيداً عن معركة الاستفتاءات، تتحرك الحكومة الفدرالية لتعزيز القدرة العسكرية الكندية، في ظل ما تصفه وزارة الدفاع ببيئة أمنية دولية أكثر خطورة وتعقيداً.
وتدرس أوتاوا زيادة كبيرة في حجم قوات الاحتياط إلى جانب رفع عديد القوات النظامية، في محاولة لسد النقص الحالي وتحسين قدرة البلاد على التعامل مع الحروب والأزمات والكوارث الطبيعية وحماية الأراضي الكندية.
وزارة الدفاع أقرت بأن القوات المسلحة لا تزال دون الحجم المستهدف. فحتى 15 مارس/آذار 2026 بلغ عدد القوات النظامية نحو 67 ألف عسكري مقابل هدف معتمد يبلغ 71,500، في حين بلغ متوسط القوة المدفوعة لقوات الاحتياط الأساسية نحو 24,900 فرد مقابل هدف يبلغ 30 ألفاً. وبذلك يبقى الجيش أقل بنحو 9,600 فرد عن المستوى المصرح به لهاتين الفئتين.
لكن الطموح الفدرالي أبعد من مجرد سد هذا النقص.
فوزارة الدفاع تبحث أيضاً توسيع ما يسمى الاحتياط التكميلي Supplementary Reserve ضمن مفهوم أوسع يتيح للكنديين أصحاب الخبرات المدنية والتقنية التطوع واستخدام مهاراتهم عند وقوع أزمة أو نزاع أو كارثة كبرى.
وقد طُرح رقم 300 ألف شخص كهدف طموح محتمل لمختلف أشكال هذا الاحتياط في المستقبل، إلا أن وزارة الدفاع تؤكد أن الرقم لا يزال طموحاً قيد الدراسة وليس هدفاً نهائياً مقرراً مع جدول زمني للتنفيذ.
وأشارت تقارير هذا الأسبوع إلى أن أكبر العقبات ستكون القدرة على تجنيد أعداد كافية من الكنديين، ثم تدريبهم وتجهيزهم والاحتفاظ بهم، إضافة إلى الحاجة المتزايدة إلى أصحاب اختصاصات غير تقليدية في مجالات التكنولوجيا والأمن السيبراني والطائرات المسيّرة والاتصالات.
كندا أمام اختبار مختلف
تجمع هذه التطورات الثلاثة صورة سياسية وأمنية جديدة لكندا.
فمن كيبيك، حيث يتراجع مشروع الاستقلال أمام الشعور بعدم الاستقرار القادم من الجنوب، إلى ألبرتا حيث يستعد السكان لنقاش دستوري حساس وسط مخاوف من تأثير خارجي، وصولاً إلى أوتاوا التي تريد بناء قوة عسكرية واحتياطية أكبر، يبدو أن النقاش الكندي لم يعد مقتصراً على العلاقة بين المقاطعات والحكومة الفدرالية.
هناك عامل خارجي أصبح أكثر حضوراً في الحسابات الداخلية: الولايات المتحدة، والتوترات الدولية، والحرب التجارية، وحملات التأثير الأجنبية، والتغير السريع في البيئة الأمنية.
وفي بلد عُرف طويلاً باستقراره الداخلي وبعده النسبي عن الأزمات الكبرى، يبدو أن المرحلة المقبلة ستختبر قدرة كندا على الحفاظ على وحدتها وفي الوقت نفسه تعزيز قدرتها على حماية هذه الوحدة.
الأخبار بالفيديو

الأخبار عبر البريد الإلكتروني
اشترك الآن لتصلك الأخبار إلى بريدك الإلكتروني

