الأب حبيقة عن النموذج التوافقي للبنان: يشكّلُ الفضاءَ التأسيسيَّ للاختبار التعدّدي

خاص «الحدث – كندا»
بدعوة من منتدى المثقفين والمؤلفين اللبنانيين في كيبيك حاضر النائب العام في الرهبانية اللبنانية المارونية، الرئيس الفخري لجامعة الروح القدس – الكسليك الأب البروفسور جورج حبيقة، في حضور راعي أبرشية مار مارون في كندا المطران بول – مروان تابت ورئيس دير مار انطونيوس الكبير الأب مروان عيسى والأب جان عقيقي وعدد من أعضاء المندى.
وبعد كلمة ترحيبية من الدكتور سامي عون، قدمّ الأب حبيقة لمحاضرته، وهي بعنوان “الهويات المتعددة والمواطنة المتمايزة: النموذج التوافقي اللبناني أمام تحديات العولمة”، مقاربة فكرية وسياسية للتعددية والهوية والمواطنة والعيش المشترك، واضعاً التجربة اللبنانية في صلب سؤال أوسع يتجاوز حدود لبنان: كيف يمكن للمجتمعات المتعددة أن تحافظ على خصوصيات مكوّناتها، من دون أن تتحول هذه الخصوصيات إلى جدران تفصل بينها؟
انطلقت المحاضرة من مفهوم “الآخرية” باعتبارها شرطاً لوعي الذات. فالهوية، في هذه المقاربة، لا تتشكل في الفراغ، بل في علاقتها بالآخر المختلف. ومن هنا، فإن إلغاء الاختلاف لا يؤدي إلى إنتاج مجتمع أكثر تماسكاً بالضرورة، بل قد يقود إلى إفقار المجال العام وإلغاء أحد أهم مصادر الحوار والإبداع.
واستند حبيقة في مقاربته إلى مجموعة من المرجعيات الفلسفية والفكرية، من تشارلز تايلور إلى مارتن هايدغر وسيغموند فرويد، لشرح فكرة أساسية مفادها أن الإنسان لا يبدأ حياته من نقطة محايدة، بل من انتماءات تأسيسية تشمل اللغة والثقافة والوطن والذاكرة. وهذه الانتماءات لا تلغي الحرية، بل تشكل أحد الشروط التي يمارس الإنسان من خلالها حريته ويعبّر عن شخصيته.
وأضاف: من هذا المنطلق، يصبح التنوع الثقافي أكثر من مجرد واقع اجتماعي؛ إنه عنصر من عناصر تكوين الإنسان والمجتمع. فكما أن الطبيعة تقوم على التنوع، فإن المجتمعات التي تحاول فرض نمط واحد على جميع أفرادها تخاطر بتحويل الاختلاف من مصدر غنى إلى مشكلة ينبغي التخلص منها.
وهنا انتقل المحاضر إلى الواقع اللبناني، إذ أنه في مواجهة مفهوم “الانصهار الوطني” بمعناه الذي يقوم على تذويب الخصوصيات داخل نموذج موحد، طرح حبيقة مفهوم “المواطنة المتمايزة”، حيث لا تكون المواطنة نقيضاً للانتماءات الثقافية والدينية والتاريخية، بل إطاراً سياسياً يسمح لهذه الانتماءات بأن تتعايش داخل دولة واحدة. وهذه الفكرة، كما يقول الأب حبيقة، تتقاطع مع أدبيات فلسفية وسياسية حديثة، ولا سيما أطروحة آيريس ماريون يونغ حول «المواطنة المتمايزة» (Differentiated Citizenship)، ومفهوم ويل كيمليكا حول «المواطنة المتعددة الثقافات» (Multicultural Citizenship). والمشترك بين هذه المقاربات هو البحث عن صيغة لا تفرض على المواطن التخلي عن خصوصيته كي يصبح مواطناً كاملاً، ولا تسمح في المقابل بتحويل الخصوصية إلى ذريعة للخروج من الإطار الوطني الجامع.
وفي هذا السياق، رأى حبيقة أن التجربة اللبنانية لا يمكن فهمها فقط من خلال المؤسسات الدستورية، بل أيضاً من خلال تاريخ طويل من التعدد والتعايش والبحث عن توازن بين مكوّنات المجتمع. فالديمقراطية التوافقية، في جوهرها، تقوم على إدارة الاختلاف لا على إلغائه، وعلى تحويل التعدد من مصدر للصراع إلى آلية للمشاركة في صناعة القرار.
لكن المشكلة، بحسب القراءة التي قدّمها حبيقة، ليست في فكرة التوافق نفسها بقدر ما هي في الشروط التي تسمح لهذا النموذج بالعمل.
وفي هذا الإطار، يستند التحليل إلى أدبيات أريند لايبهارت وجون مكغاري وبريندان أوليري حول الديمقراطية التوافقية في المجتمعات المنقسمة، وهي أدبيات تناولت تجارب متعددة، بينها بلجيكا وسويسرا وإيرلندا الشمالية. وتقوم هذه النماذج، بدرجات مختلفة، على تقاسم السلطة والاعتراف بالمكونات المختلفة وتوفير آليات تحول دون احتكار مكوّن واحد للقرار السياسي.
ويرى حبيقة أن التجربة اللبنانية واجهت خللاً في عدد من الشروط التي يحتاجها أي نظام توافقي لكي يستمر، وأول هذه الشروط هو الإدارة العامة القائمة على الكفاءة والجدارة. وأستعاد في هذا السياق تجربة عهد الرئيس فؤاد شهاب ومجلس الخدمة المدنية، بوصفها محاولة لبناء إدارة أكثر استقلالاً عن الزبائنية السياسية. أما الخلل اللاحق، فيرتبط في قراءته بتزايد المحاصصة السياسية والطائفية في مؤسسات الدولة، وما ترتب عليها من إضعاف للإدارة العامة وتراجع الثقة بالمؤسسات.
أما الشرط الثاني فيتعلق بوجود حد أدنى من الانسجام بين مكوّنات المجتمع حول قواعد اللعبة الوطنية. وهنا يضع حبيقة قضية وجود قوى مسلحة ومؤسسات أمنية ومالية مرتبطة بجهات خارج الدولة في قلب الأزمة اللبنانية، معتبراً أن ازدواجية القرار في قضايا الحرب والسلم والسياسة الإقليمية أضعفت قدرة المؤسسات الرسمية على إدارة التوازن الداخلي.
أما العامل الثالث فهو البيئة الخارجية. فالدولة التوافقية، وفق هذا المنظور، تحتاج إلى محيط يسمح لها بالحفاظ على توازنها الداخلي، لا إلى بيئة إقليمية تستخدم الانقسامات اللبنانية لتوسيع نفوذها أو تعطيل مؤسساتها.
ويضاف إلى ذلك العامل الديمغرافي، في بلد محدود المساحة والموارد ويستضيف أعداداً كبيرة من اللاجئين والنازحين، بما يضاعف الضغط على الاقتصاد والخدمات والبنية الاجتماعية.
لكن المحاضرة لا تنتهي عند تشخيص الأزمة اللبنانية، بل تعيد لبنان إلى السؤال العالمي الأوسع: هل يستطيع الإنسان في القرن الحادي والعشرين أن يعيش اختلافه من دون أن يحوّل الاختلاف إلى صراع؟
في الإجابة، يضع حبيقة الحوار في مواجهة العنف، ويمنح “اللوغوس”، أي الكلمة والعقل والحوار، موقعاً مركزياً في معالجة النزاعات الاجتماعية والسياسية. فالمجتمعات المتعددة لا تحتاج إلى إلغاء الاختلاف كي تستمر، بل تحتاج إلى مؤسسات وقواعد وثقافة سياسية تسمح بإدارة هذا الاختلاف.
من هنا، يقول الأب حبيقة، يصبح لبنان، على رغم أزماته وانقساماتِه، أكثر من حالة وطنية خاصة. إنه مختبر سياسي واجتماعي مفتوح لمسألة ستواجهها مجتمعات كثيرة في عالم متزايد التنوع: كيف نبني مواطنة واحدة من دون أن نفرض هوية واحدة؟
ويرى أنه قد لا يكون النموذج اللبناني قد نجح حتى الآن في تقديم جواب مكتمل. لكن قيمة التجربة تكمن، ربما، في أنها تضع أمام العالم سؤالاً لا يستطيع الهروب منه: هل تكون الوحدة الوطنية نتيجة لإلغاء التمايز، أم نتيجة القدرة على تحويل التمايز نفسه إلى مصدر للتكامل؟
ويضيف أنه في زمن العولمة، قد لا يكون التحدي الحقيقي هو كيف نجعل الآخرين يشبهوننا، بل كيف نبني وطناً يستطيع المختلفون فيه أن يبقوا مختلفين، من دون أن يتوقفوا عن كونهم مواطنين متساوين.
مبدأُ الأصالة: استشهادًا بتشارلز تايلور، يذكّر المحاضر بأنّ كلّ إنسان يمتلك طريقةً فريدة في تجسيد إنسانيّته والتعبير عنها.
التجذّرُ التأسيسي: على غرار مفهوم “الكائن-هنا” (Dasein) عند هايدغر، أو “اللاوعي” في التحليل النفسي عند فرويد، فإنّ الانتماءات الأساسية (اللغة، الثقافة، الوطن) لا تخضع للخيار الإرادي، بل تمثّلُ الشرطَ الوجوديّ الجوهريّ الذي تنطلق منه ممارسةُ الحرّية.
خطرُ النمطيةِ ووحدةِ الشكل: تمامًا كجزيء الماء – الذي لا يُستعذَب شربُه في حالته الكيميائيّة الصّرفة بغير المعادن والأملاح التي يستمدها من التربة – يزدهرُ الكائنُ الحيُّ في رحم بيئته الثقافيّة. فالتنوّعُ البيولوجي والتنوّعُ الثّقافي هما الضامِنان لبلورة الهوية وتفعيل الحرّية والإبداع، في حين يُفضي التنميطُ الثّقافيُّ الأحادي إلى خنق الفكر وإعادة إنتاج الركود.
ويعتبر حبيقة أنه في مقابل الأنظمة القائمة على التنميط القسري أو “الانصهار الوطني” – علماً أن مفهوم الانصهار يُستعار لغويًا وحصريًا لتذويب المعادن؛ ما يعني محوَ الخصوصيّات وإلغاءَ التمايز – طوّر لبنانُ نموذجًا فريدًا يرتكز على صون الهويات المتعدّدة ورعايتها. فالمواطنة اللبنانية لا تستند إلى تجريد خارج عن التاريخ، بل إلى ديمقراطية توافقية يُنظر فيها إلى التماسك الوطني كإيقاع متناسق بين الأضداد.
ويؤكد حبيقة أنه على صعيد العلوم السياسيّة، يندرج لبنان ضمن أدبيّات الدول التوافقيّة التي طوّرها أريند لايبهارت، وجون مكغاري، وبريندان أولياري. وهذا النموذج لتقاسم السلطة – المطبّق أيضًا في بلجيكا وسويسرا وإيرلندا الشمالية (اتفاق الجمعة العظيمة) – يفرض ذاته في المجتمعات المنقسمة لغويًا وإثنيًا ودينيًا حيث تؤدي الديمقراطيّة العدديّة التقليديّة إلى طريق مسدود وحروب أهليّة.
وفي رأيه أن النجاحُ العملي لهذا النظام يعتمد على ثلاثة شروط أساسيّة، ويُظهرُ التحليلُ الذي يجريه الأب البروفسور جورج حبيقة الانهيارَ المنهجي لكلِّ شرط منها في لبنان:
1. اختيارُ النخبة الإداريّة:
تاريخيًا: أُنشئ هذا النظام عام 1959 في عهد الرئيس فؤاد شهاب عبر مجلس الخدمة المدنيّة لضمان الجدارة وتحييد الزبائنيّة. منع الرئيس فؤاد شهاب بالتالي الأحزابَ من التوظيف مباشرة في دوائر الدولة اللبنانيّة، من دون المرور بمجلس الخدمة المدنيّة. فكانت النتيجة التالية: في سنة 1963، صُنّف لبنان بين الدّول الأربع الأكثر إزدهارًا في العالم.
الانهيار: بعد اتفاق الطائف (1989)، وُزِّعت الوظائف العامة كغنائم حزبية، مما كرّس الفساد كمنظومة، وانهارت مؤسساتُ الدولة.
2. الانسجامُ بين أركان المجتمع:
المبدأ: تشترط الدولة التوافقيّة تقاربًا نسبيًا وأجندةً وطنية جامِعة بين أركان المجتمع التعدّدي.
الانهيار: أدى ظهورُ حزب لبناني سنة 1982- مع مؤسّسات رديفة للدولة اللبنانية ومتعارضة معها، من جيش نظامي وأجهزة إستخباراتيّة ومصادر تمويل خارجيّة بالإضافة إلى أجندة إقليميّة مستقلة عن سياسة الدّولة ونقيضة لمصالحها – إلى إخلال التوازن الدّاخلي وشلل المؤسّسات الرسميّة.
3. البيئةُ الخارجيّةُ الحاضنة (أو الدعمُ الخارجيُّ الإيجابي):
• المبدأ: تحتاجُ كلُّ دولةٍ توافقيّةٍ إلى محيطٍ إقليميٍّ داعمٍ ورعاياتٍ خارجيّةٍ إيجابيّة، كي تُمكَّنَ من صيانة استقرارها، وصمودِ نموذجها، وازدهارِ تجربةِ العيشِ فيها.
• الانهيار: على العكس من ذلك، أبدت البيئةُ الإقليميةُ توجّسًا وانزعاجًا دفينين من وجودِ نموذجٍ ديمقراطيٍّ تعدّديٍّ وغيرِ ثيوقراطيٍّ في جوارها، ممّا حوّل الدعمَ الإيجابيَّ المرجُوَّ إلى اختراقاتٍ وتعطيلٍ مُستدَام.
ويُضاف إلى هذه الاختلالات الهيكليّة ضغطٌ ديمغرافيٌ غيرُ مسبوق يرتبط باستضافة زهاء مليون وخمسمئة ألفِ لاجئٍ سوري وفلسطيني على مساحة جغرافيّة محدودةِ الـمُتّسع.
وفي الختام، يؤكد البروفيسور حبيقة حتميّةَ الانتصار للحوار وسلطة اللوغوس (الكلمة) دحضًا لنزوات العنف. فاللجوءُ إلى العنف، علاوةً على أنه هزيمةٌ نكراء لمقوّمات الإنسانيّة في جوهرنا، لم يُفلح يومًا في إيجاد حلٍّ ملائم لأيِّ مشكلة إجتماعية أو سياسية. من هنا يمكننا الاستخلاص أنَّ لبنان، رغم محنه، ما برح يشكّلُ الفضاءَ التأسيسيَّ للاختبار التعدّدي. فنجاحُ المجتمعات المعولمة غدًا مرهونٌ بمدى قدرتها على صياغة مواطنة متمايِزة ومتعدِّدة ثقافيًا ضمن إطارٍ وطنيٍّ فسيحٍ ورَحْبٍ ومَرِن، يحضنُ التبايناتِ والتناقضات، وينسجُ التناغمَ بين الهُوِيّات المتنوّعة ويدوزنُها بحنكة ومهارة على مقام تآلفِ الاختلاف وهارمونيا الأضداد.

الأخبار عبر البريد الإلكتروني

اشترك الآن لتصلك الأخبار إلى بريدك الإلكتروني