من الكسليك إلى مونتريال: جلسة ذاكرة وفكر مع الأب والبروفسور جورج حبيقة

الحدث-كندا

Raouf Najm

عادت أجواء الدراسة في جامعة الروح القدس–الكسليك، بكل ما فيها من ذاكرة ورفاق وأسئلة، إلى دير مار أنطونيوس في مونتريال. فحين جلستُ مع الزميلين أندريه قصاص وحليم كرم في حضرة الأب البروفسور جورج حبيقة، النائب العام في الرهبانية اللبنانية المارونية والرئيس الفخري للجامعة، شعرنا كأن المسافة بين الكسليك وكيبيك قد اختصرت.

كان اللقاء مع الأب حبيقة، الذي يزور كندا للقاء أبناء الجالية وإلقاء محاضراته، عودةً إلى مقاعد الدراسة؛ إلى ذلك الزمن الذي كانت فيه المحاضرة تتجاوز حدود الدرس، فتفتح أمامنا لبناناً آخر: تاريخاً وفكراً وهويةً وسؤالاً دائماً عن الحرية والعيش معاً.

تذكّرنا رفاق الجامعة، والآباء الأفاضل الذين واصلوا التعليم في سنوات القصف والحروب والتدخلات الخارجية، وتذكّرنا دروس الفكر اللبناني والقومية اللبنانية والتاريخ الفينيقي. وكلما تعمّقنا يومها في معرفة الذات اللبنانية، اتّسع أمامنا معنى الآخر: لا خصماً، بل شريكاً في الوطن والمصير.

في تلك الأجواء المزدحمة بالحنين وبأسئلة لبنان التي لم تفقد راهنيتها، جلسنا نحاور الأب جورج حبيقة. لكن الحقيقة أننا كنا، في معظم الوقت، نصغي ونستمتع: نصغي إلى ذاكرة حيّة تعرف لبنان من داخله، ونستمتع بكلام يجمع الفكرة الهادئة، والسرد التاريخي، والإيمان بأن هذا البلد، مهما أثقلته الجراح، لا يزال قادراً على استعادة حياته الطبيعية وشراكته الوطنية. وكان لنا هذا الحديث.

 الأب جورج حبيقة: لبنان لا يُفهم إلا من خلال تعدّده

يرى الأب البروفسور جورج حبيقة أن لبنان لا يمكن فهمه من خلال أزماته الآنية وحدها. فهذه البقعة الصغيرة، في نظره، تحمل تاريخاً طويلاً من التعدّد والتبادل والانفتاح، كما تحمل جرحاً مزمناً سببه صراع القوى المحيطة بها على أرضها ودورها.

يبدأ حبيقة من فكرة فلسفية أساسية: لا يستطيع الإنسان امتلاك الحقيقة امتلاكاً كاملاً. الحقيقة مسيرة طويلة، واللقاء مع الآخر لا يتحقق بإلغائه أو إذابته، بل باعتراف كل طرف بذاته. ويختصر ذلك بعبارة يقول إنها تصلح للبنان: «علينا أن نكون ذواتنا لكي نكون مع الآخرين».

لبنان: هوية لا انعزال

يربط البروفسورحبيقة هذه الفكرة بتاريخ الساحل الفينيقي. فاسم «فينيقيا» يرتبط في اليونانية بالأرجوان، بينما يرتبط اسم كنعان، في قراءته، بالمعنى نفسه في لغات الشرق القديمة. لذلك يتحدث عن لبنان بوصفه «بلد الأرجوان»: بلد الفرح والحياة والعيد.

لكن فرح الوجود، كما يشرح، لا يعني الذوبان في الآخر. فالمدن الفينيقية، من صور وصيدا وجبيل وأرواد، كانت تشترك في اللغة والدين والذاكرة، لكنها حافظت على خصوصياتها. لم تكن وحدات متطابقة؛ كانت جماعات تعرف نفسها وتلتقي ضمن إطار أوسع. ويرى أن هذا الميل إلى صون الهوية المحلية بقي حاضراً في الذهنية اللبنانية حتى اليوم، في المناطق والطوائف والعائلات السياسية.

ولا يقدّم هذا الواقع كعيب في ذاته. المشكلة، في رأيه، تبدأ عندما تتحوّل الخصوصية إلى إنكار للآخر أو إلى سعي للهيمنة عليه. أما حين تعترف الجماعات بعضها ببعض، فإن التعدد يصبح مصدر غنى وقدرة على العيش المشترك.

بلد الحياة في منطقة الحروب

يتوقف الأب حبيقة عند مفارقة تاريخية: لبنان وشعوبه البحرية القديمة عُرفت بالتجارة والرحلات والانفتاح على المتوسط أكثر مما عُرفت بطلب الحرب. فالبحر، في صورته، هو منفذ لبنان إلى الحرية والحياة والهجرة والتبادل؛ أما اليابسة المحيطة به فكانت في أغلب المراحل مصدر ضغط واحتلال وصراع.

ويشير إلى أن تاريخ الإنسان، مع ذلك، هو تاريخ مثقل بالحروب. فالدراسات التي تناولت الحروب عبر قرون طويلة تكشف أن فترات السلام الصافي نادرة، وحتى السنوات الهادئة تكون غالباً مرحلة تحضير لصراعات جديدة. من هنا يرى أن التحدي الإنساني لا يقتصر على منع الحرب، بل على بناء نظام يسمح للناس المختلفين بأن يعيشوا من دون إقصاء أو خوف.

ويقول إن لبنان بلد ضعيف من حيث المساحة والقوة العسكرية، لكنه صعب على كل من يحاول إخضاعه. فالتجارب التاريخية، بحسب قراءته، تظهر أن دخول لبنان قد يكون سهلاً، أما الخروج منه أو حكمه بالقوة فليس كذلك.

التمثيل هو مدخل السلام

في قلب المقابلة، يدافع رئيس جامعة الكسليك السابق والنائب العام للرهبنة المارونية الاب والبروفسور جورج حبيقة عن فكرة التمثيل الحقيقي لمكوّنات المجتمع. ويعيد جذور هذه الفكرة إلى القرن التاسع عشر، ولا سيما إلى مرحلة القائمقاميتين والمجالس التي ضمّت ممثلين عن الطوائف. فهو يعتبر أن القاعدة التي سمحت بتهدئة الصراعات لم تكن إلغاء الفوارق، بل إدخال الجماعات إلى القرار العام كي لا يشعر أي منها بأنه مهمّش أو خارج الدولة.

ويقارن التجربة اللبنانية بنماذج من المجتمعات المنقسمة، مثل سويسرا وبلجيكا وإيرلندا الشمالية. فالانقسام ليس دينياً دائماً؛ قد يكون لغوياً أو مناطقياً أو مرتبطاً بنمط العيش. لكن القاعدة، في رأيه، واحدة: المجتمعات المتعددة لا تستقر حين تفرض الأكثرية إرادتها، بل حين تجد صيغة لتقاسم السلطة والاعتراف المتبادل.

ويستحضر اتفاق الجمعة العظيمة في إيرلندا الشمالية مثالاً على ذلك. فالاتفاق، في نظره، لم ينجح بالشعارات وحدها، بل لأنه أعاد تمثيل الكاثوليك والبروتستانت في مؤسسات الحكم، ووضع آليات تمنع إقصاء أي طرف. ويرى أن هذه التجربة تؤكد أن الدستور العملي أهم من الكلمات العامة عن الحوار والثقة والصبر، على أهميتها.

من «الطائفية» إلى تقاسم السلطة

يرفض حبيقة اختزال النظام اللبناني بكلمة «الطائفية» من دون تمييز. فهو يفرّق بين طائفية ترفض الآخر وتحرمه حقوقه، وبين نظام يقوم على إشراك مكوّنات المجتمع في الحكم. ويسمّي النموذج الثاني «تقاسم السلطة» أو «الدولة التوافقية».

وفي هذا السياق، يستشهد بأفكار باحثين في الديمقراطيات التوافقية، ويؤكد أن لبنان لا يحتمل أن يُدار كما لو أنه مجتمع متجانس. فالمطلوب، في رأيه، هو تمثيل عادل يرافقه احترام متبادل وكفاءة في الإدارة. ويستعيد هنا ما يسميه المفكر كمال الحاج «الطائفية البنّاءة»: أن يعرف الإنسان انتماءه الديني والثقافي، من دون أن يحوّله إلى سبب لحرمان الآخرين أو احتقارهم.

ويضيف أن الدين، حين يُعاش في معناه الأخلاقي، يفترض أن ينعكس احتراماً وخدمةً ومحبةً للآخر. لذلك لا يرى أن المشكلة في الانتماءات الدينية نفسها، بل في استخدامها للسيطرة أو الزبائنية أو الإقصاء.

الحياد الإيجابي ودولة المؤسسات

يعطي البروفسور حبيقة أهمية خاصة لمرحلة الرئيس فؤاد شهاب. ففي قراءته، شكّل شهاب نموذجاً لدولة تحمي تعددها الداخلي عبر الحياد الإيجابي في الخارج، وعبر المؤسسات والكفاءة في الداخل.

ويقول إن لبنان، بسبب تنوعه، لا يستطيع الارتهان لمحور خارجي واحد؛ لأن انحياز الدولة الكامل إلى جهة إقليمية أو دولية يخلق تلقائياً انقساماً داخلياً. لذلك يضع الحياد الإيجابي في موقع الشرط الضروري لاستقرار أي دولة متعددة.

كما يشدّد على تجربة مجلس الخدمة المدنية، التي هدفت إلى إدخال الكفاءة إلى الإدارة ومنع تحويل الوظائف العامة إلى حصص للأحزاب. فالدولة التوافقية، في رأيه، لا تعني توزيع الغنائم، بل تعني أن تتفق الجماعات على دولة محايدة تخدم المواطن وتختار الأكفأ ضمن قواعد عادلة.

ويستعيد صورة لبنان بين الاستقلال وأواخر الستينيات بوصفه بلداً عرف ازدهاراً وحريات واسعة وتداولاً سلمياً في السلطة، وامتلك دوراً تعليمياً واستشفائياً واقتصادياً في المنطقة. ويرى أن هذه التجربة أثبتت خصوصية لبنان قياساً إلى محيطه، حتى لو لم تكن خالية من الأزمات.

لماذا تعثّرت الصيغة؟

لا ينكر حبيقة هشاشة النظام التوافقي. فنجاحه يحتاج، في رأيه، إلى ثلاثة شروط مترابطة: نخبة سياسية وإدارية تضع الدولة فوق المصالح؛ توازن بين مكوّنات المجتمع يمنع تغلّب طرف مسلّح أو قوة واحدة؛ وبيئة خارجية تساعد على الاستقرار بدلاً من استخدام لبنان ساحةً لصراعاتها.

ويرى أن هذه الشروط تضررت تدريجياً. فالمحاصصة الحزبية أضعفت الإدارة، وتحويل الوظيفة العامة إلى تبعية سياسية أضعف ولاء الموظف للدولة. كما أن وجود قوى مسلّحة خارج سلطة الدولة، وارتباط قوى لبنانية بخيارات إقليمية، يجعل التوازن الداخلي صعباً ويشلّ المؤسسات.

ولهذا يصف لبنان بأنه «مخطوف» ما دامت الدولة لا تملك القرار الكامل ولا تحتكر القوة ولا تستطيع إدارة شؤون الناس الأساسية. وفي رأيه، لا يمكن معالجة أزمة الكهرباء والماء والاقتصاد بقرارات تقنية فقط، قبل استعادة الدولة قدرتها الفعلية على الحكم.

«جمهورية المكسورين» وأمل البقاء

في القسم الأخير من حديثه، يتأمل حبيقة في الخسارات التي أصابت مختلف الجماعات اللبنانية. ويقول إن رموزاً كثيرة بلغت مواقع كبيرة ثم انتهت بالاغتيال أو الكسر السياسي، من بشير الجميل إلى رفيق الحريري وكمال جنبلاط وغيرهم. ومن هنا يستخدم تعبير «جمهورية المكسورين»: بلد تعلّم فيه الجميع، بدرجات مختلفة، أن القوة المطلقة لا تدوم وأن أحداً لا يستطيع إلغاء الآخرين.

لكن هذا التشخيص لا يقوده إلى اليأس. فهو يكرر أن لبنان عصيّ على الموت، وأن أجمل أيامه يمكن أن تكون آتية إذا عاد اللبنانيون إلى احترام بعضهم وإلى بناء دولة عادلة. ويستحضر في هذا الإطار فكرة أن استمرار الصيغة اللبنانية، رغم الحروب والتصدعات والاحتلالات، هو في حد ذاته أمر استثنائي.

ويختم البروفسور حبيقة المقابلة بالقول إن لبنان ليس مساحة جغرافية  فقط أو نظام سياسي. إنه اختبار دائم لسؤال واحد: كيف يستطيع المختلفون أن يعيشوا معاً من دون أن يتخلّى أحد منهم عن ذاته أو يسعى إلى محو غيره؟

 

الأخبار عبر البريد الإلكتروني

اشترك الآن لتصلك الأخبار إلى بريدك الإلكتروني