واشنطن : لا احتلال إسرائيلي دائم في لبنان

Last Updated: أبريل 28, 2026Categories: أخبار لبنان
الحدث-كندا

Raouf Najm

في موقف أميركي لافت، حاول وزير الخارجية ماركو روبيو أن يوازن بين طمأنة لبنان بأن إسرائيل لا تسعى إلى احتلال دائم، وبين تبنّي جوهر الرواية الإسرائيلية التي ترى أن المشكلة لم تعد مع الدولة اللبنانية، بل مع حزب الله وسلاحه. وفي تل أبيب، يترجم هذا الموقف بوضوح: استمرار الضربات ما دامت الصواريخ والمسيّرات قائمة.


الحدث – كندا
أعادت واشنطن صياغة موقفها من التصعيد الإسرائيلي في لبنان بعبارة دقيقة وحساسة: إسرائيل، بحسب وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، لا تريد البقاء إلى أجل غير مسمّى داخل الأراضي اللبنانية، ولا تملك مطالب إقليمية طويلة الأمد في لبنان. لكن هذا الكلام لم يأتِ كإدانة للوجود الإسرائيلي أو كدعوة فورية للانسحاب، بل كجزء من معادلة أميركية أوسع تعتبر أن العقدة الأساسية هي حزب الله، لا العلاقة بين لبنان وإسرائيل.

ففي مقابلة مع “فوكس نيوز”، قال روبيو إن إسرائيل لا تسعى إلى الاحتفاظ الدائم بمنطقة عازلة داخل لبنان، رغم أن إسرائيل أقامت، بعد وقف إطلاق النار، ما يوصف بـ“الخط الأصفر” داخل الأراضي اللبنانية، ويشمل أكثر من ستين بلدة وقرية في الجنوب. وأضاف أن إسرائيل “لا تملك مطالب إقليمية طويلة الأمد في لبنان”، قبل أن يذهب إلى النقطة الأهم: “لا يوجد شيء اسمه صراع لبناني–إسرائيلي؛ الصراع بالكامل مع حزب الله. وحزب الله ليس في حرب مع إسرائيل فقط، بل في حرب مع الدولة اللبنانية أيضاً”.

هذا التصريح يكشف جوهر الموقف الأميركي الجديد: واشنطن لا تريد أن تظهر كغطاء لاحتلال إسرائيلي مفتوح، لكنها في الوقت نفسه تتبنى منطق تل أبيب القائل إن أي انسحاب مستقر يحتاج إلى معالجة سلاح حزب الله. وبذلك، ينتقل الضغط من إسرائيل إلى الدولة اللبنانية: المطلوب، وفق القراءة الأميركية، جيش لبناني قادر على ضبط الحدود وتفكيك قدرة حزب الله العسكرية، أو على الأقل منع استخدام الجنوب منصة للصواريخ والمسيّرات. روبيو قال بوضوح إن “الحل الذي يتفق عليه الطرفان” هو جيش لبناني قادر على نزع سلاح حزب الله، مع اعترافه بأن الجيش اللبناني لا يملك حتى الآن كل القدرات المطلوبة للتعامل مع هذا الخطر.

في تل أبيب، جاء الموقف الإسرائيلي أكثر وضوحاً وأشد صرامة. رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو قال إن “التهديد المزدوج” الآتي من لبنان، أي صواريخ حزب الله وطائراته المسيّرة، يفرض استمرار العمل العسكري داخل لبنان رغم وقف إطلاق النار. واعتبر أن معالجة هذا الخطر عبر وسائل عملياتية وتكنولوجية تمهّد عملياً لنزع سلاح حزب الله وتفتح الباب لاحقاً أمام المسار الدبلوماسي.

نتنياهو حدّد الخطر باسمَيه: صواريخ 122 ملم، والمسيّرات والطائرات غير المأهولة. وبحسب كلامه، فإن ما تبقّى من ترسانة حزب الله الصاروخية لا يزال كافياً لتعطيل عودة الحياة إلى شمال إسرائيل. ومن هنا يربط رئيس الحكومة الإسرائيلية أي تقدم سياسي بإضعاف هذه القدرة أولاً، ثم الانتقال إلى التفاوض.

الأخطر في الموقف الإسرائيلي هو الحديث عن “مناطق دفاع أمامية” داخل لبنان وغزة وسوريا. رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير قال إن الجيش أقام مناطق دفاع متقدمة لحماية التجمعات الإسرائيلية، وإن البقاء فيها سيستمر ما دام أمن هذه التجمعات غير مضمون على المدى الطويل. هذه العبارة تمنح الوجود العسكري الإسرائيلي طابعاً أمنياً مفتوح المدة، حتى لو كانت واشنطن تقول إن إسرائيل لا تريد احتلالاً دائماً.

ميدانياً، تزامن هذا الخطاب مع توسّع الضربات الإسرائيلية. رويترز أفادت بأن إسرائيل بدأت تنفيذ ضربات في البقاع، في أول استهداف لهذه المنطقة منذ دخول وقف إطلاق النار المدعوم أميركياً حيّز التنفيذ في 16 نيسان/أبريل. كما واصلت إسرائيل ضرباتها في الجنوب، فيما قالت إن عملياتها تستهدف بنى تحتية لحزب الله، بينما يواصل الحزب، من جهته، هجماته بالصواريخ والمسيّرات على القوات الإسرائيلية في لبنان وشمال إسرائيل.

بهذا المعنى، تبدو الهدنة اليوم محكومة بمنطق مزدوج: واشنطن تقول إن إسرائيل لا تريد ابتلاع أرض لبنانية، وإسرائيل تقول إنها لن تنسحب من دون ضمانات أمنية عملية، وحزب الله يرفض أن يكون التفاوض أو وقف النار مدخلاً إلى تسليم سلاحه. وبين هذه المواقف الثلاثة، تبقى الدولة اللبنانية في قلب الضغط: مطالبة أميركياً بتحمّل مسؤولية السلاح، ومحرجة داخلياً أمام حزب الله، ومكشوفة أمام استمرار الضربات الإسرائيلية.

الرسالة الأميركية إلى بيروت قاسية وإن جاءت بلغة دبلوماسية: لا أحد يريد إعلان احتلال دائم، لكن لا عودة إلى ما قبل الحرب من دون معالجة سلاح حزب الله. أما الرسالة الإسرائيلية فهي أكثر مباشرة: ستستمر العمليات العسكرية، داخل المنطقة الحدودية وخارجها، ما دامت تل أبيب ترى أن الصواريخ والمسيّرات قادرة على تهديد الشمال.

في الجانب الإنساني، يدفع سكان الجنوب الثمن الأكبر لهذا الاشتباك السياسي والأمني. فبين منطقة عازلة لا يُقال إنها دائمة، وضربات توصف بأنها دفاعية، وقرى تنتظر العودة تحت التهديد، يصبح وقف النار بالنسبة إلى المدنيين وعداً معلّقاً لا يوقف الخوف ولا يعيد البيوت إلى أصحابها.

اذن، الموقف الأميركي لا يمنح إسرائيل تفويضاً علنياً باحتلال دائم، لكنه يمنحها هامشاً واسعاً للاستمرار عسكرياً تحت عنوان مواجهة حزب الله. أما إسرائيل فتستخدم هذا الهامش لتثبيت معادلة جديدة: لا انسحاب كاملاً من دون أمن كامل للشمال، ولا أمن كامل من دون تفكيك قدرة حزب الله الصاروخية والمسيّرة.

www.alhadath.ca

الأخبار عبر البريد الإلكتروني

اشترك الآن لتصلك الأخبار إلى بريدك الإلكتروني