أوروبا ترسم دورًا أمنيًا جديدًا في لبنان: نهاية اليونيفيل

Last Updated: مايو 13, 2026Categories: أخبار لبنان

الحدث-كندا

متابعة

مع اقتراب نهاية ولاية قوات “اليونيفيل”، يتحرك الاتحاد الأوروبي بهدوء لإعادة صياغة حضوره الأمني في لبنان. الفكرة التي تتبلور في بروكسل لم تعد تقوم على نموذج قوات حفظ السلام التقليدية المنتشرة في الجنوب، بل على إطار أمني أكثر مرونة، يضع الجيش اللبناني والقوى الأمنية في صلب المرحلة المقبلة، من خلال التدريب والدعم التقني والتنسيق العملياتي.

يقود هذا التوجه الأوروبي حراكٌ إيطالي واضح، باعتبار روما من أبرز المساهمين في قوات “اليونيفيل” وأكثر العواصم الأوروبية انخراطًا في الملف اللبناني. وتبحث الدول الأوروبية في إنشاء بعثة جديدة ذات طابع تدريبي واستشاري، هدفها تعزيز قدرات المؤسسات العسكرية والأمنية اللبنانية، في لحظة إقليمية حساسة تتصاعد فيها التوترات على الحدود اللبنانية ـ الإسرائيلية، وتتزايد فيها الأسئلة حول قدرة الصيغة الحالية لـ”اليونيفيل” على مواكبة التحولات الميدانية والسياسية.

وقالت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس، عقب اجتماع وزراء دفاع الاتحاد في بروكسل، إن الأوروبيين مستعدون لتشكيل بعثة تقدم “مساعدة ملموسة” للقوات المسلحة اللبنانية. هذا الكلام يعكس قناعة متزايدة داخل الاتحاد بأن المرحلة المقبلة تحتاج إلى مبادرة مكمّلة، لا إلى إعادة إنتاج التجربة نفسها التي بدأت عام 1978 وتعززت بعد حرب عام 2006 بموجب القرار 1701.

وبحسب النقاشات الجارية، تستعد بعثة تقصي حقائق تابعة لجهاز العمل الخارجي الأوروبي لزيارة بيروت خلال عام 2026، تمهيدًا لإجراء اتصالات أولية مع السلطات اللبنانية حول شكل البعثة المقترحة ومهامها وحدودها. ويشدد مسؤولون أوروبيون على أن المشروع المطروح لن يكون بديلًا مباشرًا من “اليونيفيل”، لأن الدول الأعضاء لا تبدو راغبة أو قادرة على إرسال قوة حفظ سلام واسعة النطاق إلى جنوب الليطاني في الظروف الحالية.

المقاربة الجديدة تتركز على دعم الجيش اللبناني وتعزيز حضوره وقدرته على التعامل مع التحديات الأمنية، بما فيها تلك المرتبطة بسلاح حزب الله ونفوذه في الجنوب. وقد عبّرت كالاس عن هذه المعادلة بوضوح حين قالت إن تقوية القوات المسلحة اللبنانية تؤدي إلى إضعاف حزب الله. ومن هنا، يبدو أن الاتحاد الأوروبي يتجه إلى تحويل حضوره في لبنان من مراقبة ميدانية تقليدية إلى شراكة أمنية طويلة المدى مع الدولة اللبنانية.

وتدرس بروكسل استخدام أدوات مثل السياسة الأمنية والدفاعية المشتركة ومرفق السلام الأوروبي لتمويل هذا النموذج الجديد، خصوصًا أن هذه الآليات سبق أن استُخدمت لتقديم مساعدات وتدريب ودعم مالي للبنان. والهدف، وفق التصور الأوروبي، هو مساعدة الجيش اللبناني على الانتشار بفعالية أكبر، وتحسين قدرته على مراقبة المناطق الحساسة، وتعزيز التنسيق مع القوى الدولية والأممية في أي صيغة لاحقة لتنفيذ القرار 1701.

في المقابل، تكشف المواقف الإيطالية حجم القلق الأوروبي من بقاء القوات الدولية في الجنوب ضمن قواعد اشتباك يعتبرها بعض المسؤولين غير كافية لحماية الجنود أو لضبط الوضع الميداني. فقد انتقد وزير الدفاع الإيطالي غويدو كروسيتو مرارًا أداء الإطار الأممي الحالي، ولوّح بسحب القوات الإيطالية إذا لم تُعدَّل قواعد عمل البعثة. كما ناقش الملف مع مسؤولين في الأمم المتحدة ومع الجانب الأميركي، في مؤشر إلى أن مستقبل “اليونيفيل” لم يعد نقاشًا تقنيًا داخل مجلس الأمن فقط، بل بات جزءًا من إعادة ترتيب أوسع للدور الغربي في لبنان.

أما الأمم المتحدة، فتدرس من جهتها احتمال الإبقاء على وجود أممي محدود بعد نهاية مهمة “اليونيفيل” بصيغتها الحالية. وقد أشار وكيل الأمين العام لعمليات السلام جان بيار لاكروا إلى أن شكلًا من الحضور الأممي قد يستمر، في وقت تؤكد فيه المنظمة الدولية أن السلطات اللبنانية تبدي رغبة في بقاء دور للأمم المتحدة، ولو ضمن صيغة أصغر وأكثر تخصصًا.

بهذا المعنى، يقف لبنان أمام مرحلة انتقالية دقيقة. فالنموذج الذي حكم الجنوب منذ عقود يقترب من مراجعة عميقة، فيما تتقدم فكرة الدعم المباشر للمؤسسات اللبنانية كخيار أوروبي بديل أو مكمّل. غير أن نجاح هذا التحول لن يكون مضمونًا. فالمعادلة اللبنانية معقدة، وأي توسيع للدور الأمني الأوروبي قد يصطدم بحسابات حزب الله، وبحساسيات داخلية تعتبر أن نقل الدور الأوروبي من المراقبة إلى الشراكة الأمنية قد يغيّر طبيعة الحضور الدولي في البلاد.

الأكيد أن أوروبا لم تعد تنظر إلى “اليونيفيل” كأداة كافية وحدها لحماية الاستقرار جنوبًا. وهي تبحث الآن عن صيغة أقل كلفة، أكثر مرونة، وأشد ارتباطًا بالجيش اللبناني. لكن السؤال الأهم يبقى: هل يستطيع لبنان أن يستفيد من هذا التحول لتعزيز سلطة الدولة، أم أن الفراغات السياسية والأمنية ستجعل أي صيغة جديدة مجرد إدارة مؤقتة لأزمة مفتوحة؟

www.alhadath.ca

الأخبار عبر البريد الإلكتروني

اشترك الآن لتصلك الأخبار إلى بريدك الإلكتروني