في ذكرى شهداء 13 تشرين… المطران تابت يدعو إلى وحدة اللبنانيين وحصرية السلاح بيد الجيش، ومناسا يؤكد: الوفاء للشهداء يكون ببناء مستقبل أفضل

الحدث – كندا | مونتريال – 18 تشرين الأول 2026

أحيا التيار الوطني الحر في كندا، و كولكو كندا، الذكرى السادسة والثلاثين لأحداث 13 تشرين الأول 1990، بقداس إلهي أُقيم في كاتدرائية مار مارون في مونتريال، ترأسه راعي الأبرشية المارونية في كندا المطران بول – مروان تابت، وأعقبته كلمة لمنسّق التيار الوطني الحر في كندا أنطوان مناسا، تناول فيها معاني الذكرى ومسيرة إحيائها في المقاطعات الكندية، ودور الشباب والانتشار في المحافظة على الذاكرة الوطنية وبناء المستقبل.

وشارك في المناسبة قنصل لبنان العام في مونتريال شربل نمر وعقيلته، وراعي أبرشية مار مارون المطران بول – مروان تابت، ومطران السريان الكاثوليك في كندا بول – أنطوان ناصيف، والشيخان عادل حطوم وعلي سبيتي، وعدد من رجال الدين، ونائب رئيس التيار الوطني الحر غسان خوري الذي حضر خصيصاً من لبنان للمشاركة في إحياء الذكرى، ومنسّق التيار في كندا أنطوان مناسا، ونائب المنسّق العام ومنسّق هيئة كولكو أوتاوا طوني عون والوفد المرافق، إلى جانب ممثلين عن المجالس البلدية في مونتريال ولافال، ورؤساء وممثلي الأحزاب والجمعيات والأندية اللبنانية الكندية، وفاعليات اجتماعية وإعلامية، وحشد من أبناء الجالية اللبنانية ومناصري التيار الوطني الحر.

المطران تابت: الشهداء تركوا لنا سؤالاً عن المستقبل

استهلّ سيادة المطرات تابت عظته بالترحيب بالمشاركين، موجّهاً تحية إلى الرئيس السابق العماد ميشال عون،  عبر نائب رئيس الحزب السيد غسان خوري الذي حضر من لبنان خصيصا لحضور المناسبة، متمنياً له الصحة وطول العمر، وإلى رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، ومعبّراً عن أمله في تعزيز التضامن بين القيادات اللبنانية، ولا سيما المسيحية منها، من أجل حماية الحضور المسيحي في لبنان.

في عظته، انطلق المطران تابت من المعنى الروحي والوطني للشهادة، مؤكداً أن إحياء ذكرى شهداء الجيش اللبناني يتجاوز استعادة أحداث الماضي، ليضع الأحياء أمام مسؤولياتهم تجاه الوطن الذي ضحّى الشهداء بحياتهم من أجله.

وقال إن اللبنانيين المجتمعين في كندا، على الرغم من بُعدهم الجغرافي عن وطنهم الأم، يحملون لبنان في ذاكرتهم وصلواتهم ومسؤولياتهم، مشدداً على أن «الأوطان لا تُقاس بالمسافات»، وأن الانتماء الحقيقي تحافظ عليه الذاكرة وتثبّته الصلاة والمسؤولية.

ورأى أن الشهادة، في عمق معناها، أمانة تنتقل من الذين رحلوا إلى الذين بقوا، وأن الشهداء يطرحون على اللبنانيين سؤالاً يتجاوز ظروف موتهم إلى كيفية العيش بعدهم، وما إذا كانت تضحياتهم قد أسهمت في بناء دولة أكثر عدلاً وأماناً.

وتساءل عما فعله اللبنانيون من أجل تحقيق الأحلام التي سقط الشهداء دفاعاً عنها، محذّراً من اختزال ذكراهم في الاحتفالات السنوية، فيما تستمر المسافة بين المبادئ المعلنة والواقع الذي يعيشه الوطن.

مثل العذارى العشر: لبنان يحتاج إلى رصيد أخلاقي

واستند المطران تابت إلى إنجيل العذارى العشر، الذي يُتلى في الأحد الخامس من زمن الصليب، ليوضح الفرق بين الحماسة العابرة والاستعداد الحقيقي لمواجهة الصعوبات.

وأشار إلى أن جميع العذارى حملن المصابيح وانتظرن العريس، لكن الفرق ظهر عند منتصف الليل، حين كانت الحكيمات قد احتفظن بالزيت الكافي لاستمرار النور.

وقارن بين هذا المشهد والحياة الوطنية اللبنانية، حيث تكثر الشعارات والخطب والمناسبات التي تتناول الحرية والكرامة والسيادة، في حين يبقى الامتحان الحقيقي في القدرة على الالتزام بهذه المبادئ عندما تطول الأزمات وتتراجع الحماسة.

وتساءل عن قيمة الحديث عن الدولة إذا لم يقترن بأمانة المسؤولين واحترام القانون، وعن قيمة تمجيد التضحيات إذا لم يدفع إلى صون حياة الإنسان وكرامته.

وأوضح أن الزيت الذي يحتاج إليه لبنان هو رصيد أخلاقي يقوم على الصدق والنزاهة والعدالة والشجاعة في قول الحقيقة، وعلى الإيمان بأن الدولة أمانة في يد من يتولون السلطة، وأنها ملك لجميع المواطنين من دون تمييز.

وشدّد على أن هذا الرصيد يُبنى من خلال القرارات والمواقف اليومية، حين يرفض المسؤول تحويل موقعه إلى امتياز شخصي، ويضع المواطن المصلحة العامة فوق المنافع الضيقة، ويحافظ المختلفون سياسياً على قدرتهم على احترام بعضهم بعضاً.

دعوة إلى الوحدة وحصرية السلاح بيد الجيش

ووجّه المطران تابت نداءً إلى المسؤولين السياسيين والروحيين وجميع اللبنانيين، داعياً إلى عدم الاكتفاء بالاجتماع في المناسبات الوطنية والدينية، ثم العودة إلى الانقسامات والخلافات نفسها.

وأكد أن الوحدة الوطنية لا تفترض إلغاء الاختلافات السياسية، وإنما تقتضي امتلاك الحكمة التي تحول دون تحوّلها إلى أسباب لهدم الوطن.

وشدّد على أن لبنان لا يُبنى بفريق دون آخر، وأن الجيش يجب أن يكون صاحب السلاح الشرعي الوحيد، وأن الدولة لا تستقيم إلا عندما تكون دولة لجميع مواطنيها.

كما دعا إلى احترام القانون وصون السيادة والحقوق، وإرساء المساواة بين اللبنانيين على اختلاف انتماءاتهم الروحية والإيمانية، معتبراً أن هذه المبادئ تشكّل الأساس لحياة وطنية كريمة.

وقال إن المطلوب من اللبنانيين هو الاتفاق على ألّا يصبح الوطن ضحية خلافاتهم، ومواجهة الأسئلة الصعبة بشجاعة ومسؤولية، بعيداً عن التخوين والمزايدات، وتحويل الخلاف إلى فرصة للإصلاح.

وفي ختام عظته، رفع الصلاة من أجل شهداء الجيش اللبناني وعائلاتهم، ومن أجل قائد الجيش والضباط والجنود وجميع العسكريين الذين يؤدون واجباتهم في ظروف صعبة وبإمكانات محدودة، واصفاً الجيش بأنه ضمانة الوطن، ومتمنياً أن يحفظه الله في رسالته ويُلهم المسؤولين الحكمة والشجاعة.

أنطوان مناسا: الذكرى تحوّلت إلى مسيرة وفاء عبر كندا

بعد القداس، توجه الجميع الى صالة الكنيسة حيث ألقى منسّق التيار الوطني الحر في كندا أنطوان مناسا كلمة رحّب فيها بالحضور، وخصّ نائب رئيس التيار غسان خوري بتحية تقدير لمجيئه من لبنان خصيصاً للمشاركة في المناسبة.

واعتبر أن حضور خوري يؤكد أن المسافات الجغرافية لا تستطيع الفصل بين اللبنانيين المنتشرين في العالم ووطنهم الأم، قائلاً إن المسافة بين القلوب التي تجمعها المحبة والوفاء لا وجود لها.

كما وجّه شكراً خاصاً إلى المطران تابت على رعايته المتواصلة للجالية اللبنانية وحضوره إلى جانب أبنائها في مختلف المقاطعات الكندية، معتبراً أن الكنيسة تبقى البيت الذي يجمع أبناءها في أفراحهم وأحزانهم.

وأشاد مناسا بجهود المنسّقين والرفاق والرفيقات الذين ساهموا في تنظيم نشاطات الذكرى، مؤكداً أن القيمة الحقيقية لهذه المسيرة تكمن في التضامن والمحافظة على الروابط الإنسانية بين أبناء الجالية.

وأوضح أن إحياء ذكرى 13 تشرين هذا العام اتخذ طابعاً مختلفاً، بعدما تحوّل إلى سلسلة لقاءات ومحطات امتدت عبر عدد من المدن الكندية، من ويندزور وأوتاوا إلى هاليفاكس وتورنتو وإدمونتون وفانكوفر، وصولاً إلى مونتريال.

وتوقّف عند محطة ويندزور، حيث انطلقت لجنة للشباب، معتبراً أن التنظيم الذي لا يفتح المجال أمام الأجيال الجديدة يهدّد استمراريته، فيما يساهم إشراك الشباب ومنحهم الثقة والمسؤولية في تأمين مستقبل العمل التنظيمي.

كما تناول المؤتمر السنوي لكولكو في هاليفاكس، الذي خُصّص لتقييم المسيرة ومناقشة الإنجازات والتحديات، مشيراً إلى تعيين مسؤولة للجنة الشباب تمهيداً لتشكيلها وانطلاق عملها.

ووجّه تحية إلى بسام مخلوف ورفاقه في هاليفاكس تقديراً لجهودهم في تنظيم الأنشطة واستقبال المشاركين.

وقال إن محطة مونتريال تختتم سلسلة إحياء الذكرى، لكنها تفتح في الوقت نفسه صفحة جديدة من المسؤولية، لأن ما يجمع المشاركين يتجاوز ذكريات الماضي إلى الإيمان بضرورة بناء المستقبل معاً.

دعوة إلى تجاوز الخلافات والمحافظة على الرفقة

وفي جانب وجداني من كلمته، تناول مناسا العلاقات بين الرفاق واللبنانيين عموماً، معترفاً بأن الاختلافات وخيبات الأمل شكّلت جزءاً من مسيرتهم، لكنه دعا إلى عدم السماح لهذه الخلافات بالقضاء على المحبة والروابط الإنسانية.

وقال إن الاختلاف في الرأي أو أسلوب العمل يجب ألّا يمحو سنوات الرفقة والذكريات والتضحيات المشتركة، داعياً الجميع إلى المحافظة على التضامن، ومشدداً على أن لبنان يحتاج إلى أشخاص يعرفون كيف يجمعون ويسمعون ويسامحون ويبنون.

ميشال عون في ذاكرة جيل وجبران باسيل أمام تحديات المستقبل

وتناول مناسا في كلمته الدور الذي أدّاه العماد ميشال عون في المرحلة المرتبطة بأحداث 13 تشرين، معتبراً أنه يمثّل، بالنسبة إلى أجيال من اللبنانيين، جزءاً من ذاكرة وطنية وشخصية ارتبطت بالسيادة والحرية والاستقلال.

وأشار إلى أن هذه المرحلة، رغم اختلاف القراءات السياسية لها، تركت آثاراً عميقة في حياة كثير من اللبنانيين الذين حملوا ذكرياتها وقناعاتهم المرتبطة بها إلى بلاد الانتشار.

لكنه شدّد على أن الوفاء لهذه التجربة لا يتحقق بالبقاء أسرى الماضي، وإنما بالتعلّم منه ومراجعته بجرأة، وطرح الأسئلة المتعلقة بما يمكن إصلاحه وبما ينبغي تركه للأجيال المقبلة.

وأضاف أن التاريخ يجب أن يكون مدرسة تساعد على فهم المستقبل، لا سجناً يبقى اللبنانيون داخله.

وفي حديثه عن المرحلة الراهنة للتيار الوطني الحر، اعتبر مناسا أن رئيسه المهندس جبران باسيل يتحمّل مسؤولية كبيرة في قيادة التيار وسط تحديات وأسئلة مصيرية، مشدداً على أهمية الإصغاء إلى الناس ومراجعة التجارب ومواجهة الواقع بشجاعة.

وأشار إلى أن اللبنانيين اليوم يريدون حلولاً لمشكلاتهم، وفرصاً للشباب، وأماناً للعائلات، ووطناً يستطيع المغتربون العودة إليه من دون خوف.

وأكد أن مسؤولية الانتشار اللبناني تكمن في المحافظة على التواصل مع الوطن، وإبقاء أصوات الشباب والعائلات واللبنانيين الذين يعانون حاضرة في النقاش والقرار.

تحية إلى الشباب الذين حملوا ذاكرة 13 تشرين

وخصّ مناسا الشابتين ماريا وناهي بتحية تقدير على إعداد تقرير مصوّر تناول أحداث 13 تشرين، معتبراً أن العمل تجاوز عرض الصور والمشاهد إلى نقل الذاكرة بين الأجيال.

ورأى أن أهمية التقرير تكمن في فتح حوار بين الجيل الذي عاش الأحداث والجيل الذي يتعرّف إليها اليوم، مؤكداً أن مسؤولية الشباب لا تتمثّل في تكرار تجارب من سبقوهم، وإنما في فهمها ومناقشتها بحرية واستخلاص الدروس منها.

وتوجّه إلى الشباب والصبايا داعياً إياهم إلى عدم الخوف من طرح الأسئلة أو الحلم بلبنان أفضل من الذي عرفته الأجيال السابقة.

وقال في عبارة لافتة: «إذا نحنا حملنا الذاكرة، إنتو لازم تحملوا الأمل».

شهداء 13 تشرين… وراء كل اسم عائلة ووجع

واحتلّ الجانب الإنساني من الذكرى مساحة مؤثرة في كلمة مناسا، الذي استحضر صورة العائلات التي فقدت أبناءها، والأمهات والآباء والإخوة الذين بقيت ذكريات أحبائهم حاضرة في حياتهم اليومية.

وتحدّث عن الكرسي الفارغ في المنزل، والصورة المعلّقة على الجدار، والأبناء الذين كبروا وهم يحملون ذكرى آباء لم يتمكنوا من مشاركتهم مراحل حياتهم.

وأكد أن الحديث عن الأحداث السياسية والعسكرية يجب ألّا يحجب الإنسان الذي دفع الثمن، وأن الوفاء للشهداء يقتضي العمل حتى لا تعيش الأجيال المقبلة المآسي نفسها.

وتساءل عن استمرار نزيف لبنان، وعن الأسباب التي تدفع الشباب إلى الهجرة والأمهات إلى وداع أبنائهن في المطارات، فيما تتواصل معاناة العائلات المشتّتة بين الوطن والانتشار.

واعتبر أن المغتربين، رغم السنوات الطويلة التي أمضوها بعيداً عن لبنان، ما زالوا يحملون جزءاً من روحهم في بيوتهم القديمة وشوارع طفولتهم وكنائسهم وأرض أجدادهم.

«بعد الصليب في قيامة»… والقيامة تحتاج إلى عدالة ومحاسبة

وفي ربط بين المعنى الروحي للقداس والواقع الوطني، تساءل مناسا عمّا إذا كان اللبنانيون محكومين بحمل وجع وطنهم أينما ذهبوا، والعيش بين البلدان التي منحتهم الأمان والوطن الذي منحهم الهوية.

واستعاد المعنى المسيحي للصليب والقيامة، مؤكداً أن الصليب ليس نهاية الطريق، وأن بعد العتمة نوراً وبعد الحزن رجاء.

لكنه شدّد على أن القيامة التي يحلم بها اللبنانيون لن تتحقق ما داموا أسرى الخلافات أو يورّثون أبناءهم الخوف والكراهية، أو يكتفون بالبكاء على الماضي.

وقال إن هذه القيامة تحتاج إلى الشجاعة والعدالة والمحاسبة والمحبة، وإلى أشخاص مستعدين للعمل من أجل أن يكون لبنان وطناً لجميع أبنائه.

واعتبر أن تكريم الذين رحلوا يتحقق من خلال حماية الحياة والكرامة والحرية للذين ما زالوا أحياء.

عهد بمواصلة العمل والوحدة في كندا

وفي ختام كلمته، أعلن مناسا تجديد العهد بأن تبقى كولكو كندا مساحة للقاء والتعاون، وأن يحظى الشباب بمكان فعلي في العمل والمسؤولية، مع المحافظة على التواصل بين أبناء الانتشار وأهلهم في لبنان.

وأكد أن ذكرى الشهداء يجب أن تبقى دعوة دائمة إلى الوحدة والحرية وصون كرامة الإنسان.

ودعا الحاضرين إلى استذكار أحبائهم الراحلين والصلاة من أجل العائلات التي تحمل حزنها بصمت، ومن أجل الشباب الذين ما زالوا يحلمون بمستقبل في لبنان.

وختم بدعاء إلى الله ليرحم شهداء 13 تشرين ويعزّي قلوب عائلاتهم، ويمنح اللبنانيين الحكمة ليبقوا أوفياء لذاكرتهم من دون أن يتحوّلوا إلى أسرى لأوجاع الماضي.

ودعا إلى ترك وطن للأجيال المقبلة يتذكّر تاريخه ويحترم شهداءه ويحمي أبناءه ويفتح أبوابه للمستقبل، منهياً كلمته بالتحية للبنان والتيار الوطني الحر.

 

الحدث – كندا | إعداد وتحرير: رؤوف نجم

الأخبار عبر البريد الإلكتروني

اشترك الآن لتصلك الأخبار إلى بريدك الإلكتروني