عندما تتحول أرض شربل في كندا إلى محجّة للمؤمنين
اندريه قصاص
في عيد ارتفاع الصليب، لا تبدو المسافة بين لبنان وكندا طويلة كما قد توحي بها الجغرافيا. ففي أرض شربل في كندا، حيث تتلاقى ذاكرة الوطن مع إيمان المغتربين، يتحول العيد إلى مناسبة يتجدد فيها معنى الصليب، لا كرمز موروث فحسب، بل كعلامة رجاء تجمع المؤمنين من أصول وكنائس وبيئات مختلفة.
هناك، في أرض شربل، لا يأتي المؤمنون فقط للمشاركة في احتفال ديني. إنهم يأتون إلى مكان يحمل بالنسبة إليهم شيئًا من روح لبنان، وشيئًا من جبل لبنان، وشيئًا من تلك العلاقة الخاصة التي نشأت بين القديس شربل والمؤمنين في مختلف أنحاء العالم.
وفي ليلة ارتفاع الصليب، تستعيد «القبّولة» شيئًا من معناها القديم. فالنار التي كانت تُشعل على التلال في القرى اللبنانية لإعلان خبر الصليب، تجد لها في كندا معنى جديدًا: أن يبقى نور الإيمان حاضرًا حتى في أرض بعيدة عن لبنان، وأن يعرف الجيل الجديد أن بعض العادات التي ورثها آباؤه ليست مجرد فولكلور، بل تحمل في داخلها قصة إيمان عمرها قرون.
ولعل أجمل ما في المشهد أن أرض شربل لم تعد مجرد مساحة تحمل اسمه. إنها تتحول تدريجيًا إلى محجّة للمؤمنين، يقصدها اللبنانيون وغير اللبنانيين، كبارًا وصغارًا، بحثًا عن الصلاة والطمأنينة، وعن لحظة ابتعاد عن صخب الحياة اليومية والاقتراب من الله.
وهنا تكمن أهمية شربل في الاغتراب. فالقديس الذي خرج من عنايا إلى العالم لم يعد حضوره محصورًا في دير أو قرية أو وطن. لقد أصبح جسرًا روحيًا بين لبنان والبلدان التي انتشر فيها أبناؤه، وبين الذاكرة اللبنانية والإيمان الذي يحمله اللبنانيون معهم أينما حلّوا.
وفي كندا تحديدًا، حيث يعيش اللبنانيون والمشرقيون وسط مجتمع متعدد الثقافات واللغات والأديان، تصبح أرض شربل مساحة للحوار الروحي أيضًا. فالمؤمن الذي يدخل إليها لا يحمل معه فقط حنينًا إلى لبنان، بل يحمل سؤال الإيمان نفسه: كيف يبقى الصليب علامة حياة ورجاء في عالم تتكاثر فيه أسباب القلق والخوف والانقسام؟
لذلك، فإن اجتماع المؤمنين حول «قبّولة» عيد الصليب ليس مجرد استعادة لمشهد من قرى لبنان. إنه إعلان بأن ما حمله الأجداد معهم من إيمان لم ينتهِ عند حدود الوطن.
النار التي كانت تتناقلها القرى اللبنانية من تل إلى تل، وكأنها تقول إن خبر الصليب وصل، يمكن أن تُقرأ اليوم بطريقة مختلفة: من لبنان إلى كندا، ومن أرض شربل إلى قلوب المؤمنين، ما زال الخبر نفسه يُعلن، ولكن بلغة جديدة.
إنه خبر الصليب الذي لا يطفئه البعد، ولا الهجرة، ولا اختلاف البيئة.
وفي زمن يحتاج فيه الإنسان أكثر من أي وقت مضى إلى مساحة للرجاء، ربما تكون أرض شربل في كندا أكثر من موقع ديني. إنها مكان يلتقي فيه اللبناني بذاكرته، والمغترب بجذوره، والمؤمن بإيمانه، والإنسان بحاجته إلى الله.
وهكذا، في عيد ارتفاع الصليب، تضيء «القبّولة» من جديد، ولكن هذه المرة على أرض كندية.
نار صغيرة في مكان بعيد، تحمل ذاكرة جبل، وإيمان شعب، ورسالة قديس لبناني أصبح حضوره عالميًا.
قداس عيد ارتفاع الصليب
وبهذه الروحية احتفل المؤمنون بقداس العيد، الذي ترأسه النائب العام للرهبانية اللبنانية المارونية والرئيس الفخري لجامع الروح القدس – الكسليك الأب البروفسور جورج حبيقة، وبمشاركة لافتة لراعي ابرشية مار مارون في كندا المطران بول – مروان تابت، وعاونه في الخدمة رئيس دير مار انطونيوس الكبير الأب مروان عيسى والأب جان عقيقي.
وكانت للأب حبيقة عظة عن معاني عيد ارتفاع الصليب، تاريخيًا وايمانيًا وتقليدًا كنسيًا متوارثًا من جيل لجيل، ودعوة إلى المغتربين اللبنانيين في كندا والعالم إلى حمل وطنهم في قلوبهم وإبقاء شعلة الايمان متوهجة، خصوصا ان اللبنانيين هم رواد الانفتاح عللا الاخرين ويرفضون ثقافة الموت ويدعون على ثقافة الحياة، مؤكدا أن لبنان الذي يصلب كل يوم يقوم في اليوم الآخر أقوى مما كان لأنه عصي على الموت.
وكانت كلمة للمطران تابت، الذي أثنى على دور الرهبانية اللبنانية المارونية في لبنان والعالم، وبالأخص في كندا، مشيدًا بما يقوم به الأب حبيقة عبر اطلالاته الإعلامية لإظهار الحقيقة اللبنانية.
الأخبار بالفيديو

الأخبار عبر البريد الإلكتروني
اشترك الآن لتصلك الأخبار إلى بريدك الإلكتروني





