انطلاق النسخة الثامنة عشرة من مهرجان الروم الملكيين في مونتريال بحضور ميلاني جولي
الحدث–كندا | خاص
بين الصلاة والدبكة، وأصوات الأغاني القادمة من المشرق ، افتتحت مساء الجمعة 21 آب 2026، في مونتريال فعاليات النسخة الثامنة عشرة من مهرجان الروم الملكيين الكاثوليك، في لقاء سنوي بات واحداً من المحطات التي تجمع أبناء الجالية حول الكنيسة والتراث، وتفتح في الوقت نفسه أبوابها أمام المجتمع الكندي بكل تنوعه.
وحمل افتتاح هذا العام حضوراً سياسياً وكنسياً لافتاً، تقدّمته وزيرة الصناعة الكندية والوزيرة المسؤولة عن وكالة التنمية الاقتصادية لكندا في مناطق كيبيك ميلاني جولي، وهي أيضاً النائبة الفدرالية عن دائرة أهنتسيك–كارتييه فيل، إلى جانب النائب في الجمعية الوطنية للكيبيك عن دائرة الأكادي أندريه ألبير موران، والنائب الفدرالي فيصل الخوري، ورئيس أساقفة الفرزل وزحلة والبقاع للروم الملكيين الكاثوليك المطران إبراهيم مخايل إبراهيم، والأرشمندريت ربيع أبو زغيب، وعدد من الفاعليات وأبناء الرعية والجالية.
وافتتح راعي أبرشية المخلّص للروم الملكيين الكاثوليك في كندا المطران ميلاد الجاويش المهرجان بالصلاة، واضعاً اللقاء منذ لحظاته الأولى في إطاره الروحي والإنساني، قبل أن يرحب بالمسؤولين والضيوف وبكل الذين جاؤوا للمشاركة في هذا الموعد السنوي.
وكانت للمطران الجاويش تحية خاصة لسلفه في أبرشية كندا المطران إبراهيم إبراهيم، حملت الكثير من المودة والوفاء. فقال له، في إشارة إلى السنوات الطويلة التي قضاها في خدمة الكنيسة الملكية في كندا وإلى الدور الذي لعبه في إقامة كاتدرائية المخلّص الجديدة: «نحن نرحّب بأنفسنا عندك، فأنت الذي بنيت هذه الكاتدرائية».
ولم تكن العبارة مجاملة بروتوكولية. فالمطران إبراهيم تولى أبرشية كندا ابتداءً من عام 2003، وخلال عهده أُطلق مشروع الكاتدرائية البيزنطية الجديدة، وبدأت أعمال بنائها عام 2007 قبل تدشينها في العام نفسه واستكمال المشروع، لتصبح لاحقاً واحداً من أبرز المعالم الروحية والاجتماعية للروم الملكيين في مونتريال. واليوم يعود المطران إبراهيم إلى المكان الذي ارتبط بجزء كبير من خدمته، إنما بصفته رئيس أساقفة الفرزل وزحلة والبقاع، في زيارة تحمل بالنسبة إلى كثيرين من أبناء الرعية طابع «العودة إلى البيت».
المطران إبراهيم ردّ بكلمة وجدانية حملت الكثير من المحبة للبلد الذي عاش وخدم فيه سنوات طويلة، فقال إن «كندا أجمل بلد في العالم»، قبل أن يوجّه كلامه إلى أبناء الانتشار مؤكداً أن لبنان يشتاق إلى مغتربيه، في رسالة اختصرت علاقة اللبناني المنتشر بوطنين: وطن احتضنه ومنحه الاستقرار والفرص، ووطن أول بقي حاضراً في الذاكرة والعائلة والإيمان وتوجه الى الجالية بالقول لديكم افضل اسقف في العالم.
من جهتها، أشادت الوزيرة ميلاني جولي بالدور الذي تؤديه الجالية وبالحيوية التي تضيفها إلى المجتمع الكندي، وتوقفت عند القيم التي تريد كندا أن تبقى عنواناً لها، وفي مقدمها الاستقرار والسلام. وربطت جولي ذلك أيضاً بالبعد الاقتصادي، مؤكدة أهمية تعزيز موقع كندا كبلد جاذب للاستثمار وخلق الفرص والنمو. وتكتسب كلماتها بعداً إضافياً في ظل توليها حالياً حقيبة الصناعة ومسؤولية التنمية الاقتصادية الفدرالية في كيبيك.
أما النائب الكيبيكي عن دائرة الأكادي أندريه موران، فأشاد بالنشاط الجاليوي وبقدرة مثل هذه المهرجانات على جمع الناس والمحافظة على الروابط بين مختلف مكوّنات المجتمع. وبدا موران مرتاحاً وسط الحضور، إلى درجة أنه عبّر بروح مرحة عن سعادته بهذا التواصل وعن تصميمه على خوض الانتخابات مجدداً. ويأتي كلامه بعدما كان الحزب الليبرالي في كيبيك قد ثبّت رسمياً ترشيحه في دائرة الأكادي لطلب ولاية ثانية.
بدوره، تحدث النائب الفدرالي فيصل الخوري بكثير من التقدير عن أبناء الجالية ودورهم في المجتمع، مشيداً بكندا وبما وفرته للمهاجرين من مساحة لبناء مستقبلهم والمساهمة في الحياة العامة والاقتصادية والاجتماعية. وجاءت كلمته لتؤكد مرة أخرى تلك العلاقة التي تظهر بوضوح في مهرجانات الجاليات: الاعتزاز بالجذور من جهة، والاعتزاز بالانتماء إلى كندا من جهة أخرى.
وفي قلب هذه الصورة الكبيرة، بقي المتطوعون العنصر الذي لا يمكن لأي مهرجان أن يقوم من دونه. وتحدث طوني منسّى، مسؤول فريق المتطوعين، مشيداً بحجم العمل الذي سبق الافتتاح وبالتنظيم والجهود التي يبذلها عشرات الأشخاص خلف الكواليس، من تجهيز المواقع واستقبال الزوار إلى تحضير الأكشاك والطعام ومتابعة مختلف التفاصيل. ومنسّى نفسه ليس جديداً على هذا العمل، إذ تشير سيرته الجاليوية إلى مشاركته منذ سنوات في تنظيم مهرجان كاتدرائية المخلّص الملكية في مونتريال.
وبعد الكلمات الرسمية، تغيّر إيقاع المكان سريعاً. انتقلت المنصة من الخطاب إلى الموسيقى، وبدأت فقرات الدبكة والغناء، فاجتمعت الأجيال حول موسيقى حملت معها شيئاً من لبنان والمشرق إلى قلب مونتريال.
وفي أرجاء المهرجان، توزعت الخيم والأكشاك التي تقدم الشاورما والفلافل والمرطبات والمأكولات الشرقية، إلى جانب مساحات خُصصت لأصحاب الأعمال الحرة والحرف والمحترفات اليدوية، ما أعطى المهرجان بعداً يتجاوز الترفيه ليصبح أيضاً مساحة للتعريف بمبادرات أبناء الجالية ومنتجاتهم وأعمالهم.
وهنا ربما تكمن خصوصية مهرجان الروم الملكيين بعد ثماني عشرة نسخة: فهو لم يعد مجرد أيام من الطعام والموسيقى. إنه موعد تتقاطع فيه الكنيسة مع المجتمع، ويجلس فيه المسؤول الكندي إلى جانب المهاجر القادم من لبنان أو سوريا أو أي بلد مشرقي، ويلتقي فيه من عاش الهجرة الأولى مع أولاده وأحفاده الذين ولدوا في كندا.
ففي مكان واحد، يستطيع الزائر أن يرى الصليب والدبكة، التراث والعمل التطوعي، المطبخ الشرقي والنجاح الكندي. وهذه الصورة هي في جانب كبير منها صورة الجالية نفسها؛ جذور لم تُقتلع من الشرق، وأغصان كبرت في كندا وأصبحت جزءاً من نسيجها.
وهكذا افتتحت النسخة الثامنة عشرة للمهرجان: بصلاة من المطران ميلاد الجاويش، وعودة وجدانية للمطران إبراهيم إبراهيم إلى بيت عرفه وعرفه أهله، وحضور سياسي كندي بارز، ثم موسيقى ودبكة ولقاء بين الناس.
وفي مونتريال، حيث تتجاور عشرات الثقافات والهويات، بدا المهرجان مرة أخرى وكأنه يقول بلغته الخاصة إن الاندماج لا يعني أن ينسى الإنسان من أين أتى؛ فقد يكون أفضل ما يحمله المهاجر إلى وطنه الجديد هو أجمل ما أخذه معه من وطنه الأول.
الأخبار بالفيديو

الأخبار عبر البريد الإلكتروني
اشترك الآن لتصلك الأخبار إلى بريدك الإلكتروني
















