انهيار المفاوضات التجارية بين كندا والولايات المتحدة… كارني يرد «دولاراً بدولار»
الحدث – كندا
دخلت العلاقات التجارية بين كندا والولايات المتحدة مرحلة جديدة من التصعيد، بعدما انهارت في اللحظات الأخيرة المفاوضات التي كان يُنتظر أن تنتهي باتفاق يخفف حدة الحرب الجمركية بين البلدين، لتدخل رسوم أميركية جديدة بنسبة 50 في المئة على مجموعة من السلع الكندية حيّز التنفيذ عند الساعة 12:01 من فجر السبت 22 أغسطس/آب.
وقرر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني تعليق المفاوضات وإعادة الوفد الكندي من واشنطن، معلناً أن أوتاوا سترد على الإجراءات الأميركية برسوم مماثلة «دولاراً بدولار». وتقدر الحكومة الكندية قيمة السلع المشمولة بالإجراء الأميركي بنحو 28 مليار دولار كندي، فيما تضعها السلطات التجارية الأميركية عند قرابة 20 مليار دولار أميركي.
وجاء الانهيار مفاجئاً بعدما كانت التصريحات الصادرة خلال الأيام السابقة توحي بأن الطرفين أصبحا قريبين جداً من التوصل إلى تسوية. ففي 18 أغسطس، وافقت الإدارة الأميركية على تأجيل تطبيق الرسوم ثلاثة أيام لإفساح المجال أمام المفاوضين لإنهاء الاتفاق، فيما تحدث الجانب الكندي عن «تقدم كبير» لا تزال بعض تفاصيله بحاجة إلى معالجة.
لكن الساعات الأخيرة قلبت المشهد.
وقال كارني إن واشنطن أدخلت في اللحظة الأخيرة تعديلات على الشروط المقترحة اعتبرتها كندا غير عادلة وغير مجدية اقتصادياً، وإن تلك التعديلات أثارت تساؤلات حول مدى إمكانية الاعتماد على أي اتفاق يتم التوصل إليه. وشدد على أن بلاده كانت تريد اتفاقاً يحافظ على وصول معظم المنتجات الكندية إلى السوق الأميركية من دون رسوم، ويخفض بصورة ملموسة الرسوم المفروضة على القطاعات الاستراتيجية الكندية، من دون تقديم تنازلات تمس استقلال القرار الاقتصادي الكندي.
واشنطن، في المقابل، تقدم رواية مختلفة لما جرى. فالممثل التجاري الأميركي جاميسون غرير حمّل أوتاوا مسؤولية فشل الاتفاق، معتبراً أن الولايات المتحدة قدمت لكندا شروطاً تفضيلية وتخفيضات جمركية إضافية، وأن مطالب كندية جديدة والتراجع عن بعض التفاهمات السابقة أديا إلى تعطيل الصفقة في اللحظة الأخيرة.
وكان الاتفاق الذي يجري التفاوض عليه يمكن أن يؤدي، وفق المعلومات التي تسربت قبل انهياره، إلى خفض الرسوم الأميركية على السيارات والشاحنات المصنوعة في كندا من 25 إلى 15 في المئة، إضافة إلى خفض بعض الرسوم على الصلب والألمنيوم من 50 إلى 25 في المئة ضمن ترتيبات وحصص محددة. إلا أن الخلافات حول السيارات والمحتوى الكندي والأميركي في قطع الغيار، إضافة إلى الألبان والمشروبات الكحولية والخشب اللين، بقيت من أبرز العقد أمام التسوية.
من المفاوضات إلى المواجهة
المشكلة بالنسبة إلى كندا تتجاوز قيمة السلع التي شملتها الرسوم الجديدة. فالولايات المتحدة هي الشريك التجاري الأول لكندا، وسلاسل الإنتاج بين البلدين مترابطة إلى درجة تجعل فرض الرسوم على أحد الطرفين ينعكس سريعاً على الشركات والعمال والمستهلكين على جانبي الحدود.
ولهذا فإن قرار أوتاوا الرد بالمثل يحمل مخاطر اقتصادية أيضاً. الرسوم الانتقامية يمكن أن تحمي بعض القطاعات أو تمنح كندا ورقة تفاوضية، لكنها قد ترفع في الوقت نفسه كلفة المنتجات المستوردة وتزيد الضغط على الشركات التي تعتمد على المواد والمكونات الأميركية.
وقد حذرت غرفة التجارة الكندية من أن التصعيد يمثل ضربة قوية للقدرة التنافسية لأميركا الشمالية، خصوصاً بالنسبة إلى الشركات الصغيرة التي تعمل بهوامش ربح محدودة وقد تجد نفسها أمام خيارات صعبة تتعلق بالطلبات والاستثمار والوظائف.
أما سياسياً، فقد تلقى كارني دعماً سريعاً من رئيس حكومة أونتاريو دوغ فورد الذي أيد رداً قوياً «رسماً مقابل رسم ودولاراً مقابل دولار»، فيما دعا رئيسة حكومة ألبرتا دانييل سميث إلى العودة إلى طاولة المفاوضات سريعاً محذرة من أن الحرب التجارية لن يكون فيها رابح حقيقي.
وكيبيك في قلب العاصفة
بالنسبة إلى كيبيك، لا يمكن النظر إلى هذه المواجهة على أنها أزمة بعيدة عن الحياة اليومية. فالاقتصاد الكيبيكي مرتبط بصورة عميقة بالسوق الأميركية، وقطاعات التصنيع والمعادن والألمنيوم والألبان تعتمد بدرجات مختلفة على حركة التجارة عبر الحدود.
ومن هنا، فإن استمرار التصعيد قد يعني ضغطاً إضافياً على المصانع والمصدرين والوظائف، فيما قد تنتقل بعض الكلفة في مرحلة لاحقة إلى المستهلك.
كارني أعلن أن الحكومة الفدرالية ستكشف خلال الأيام المقبلة عن إجراءات دعم إضافية للعمال والشركات المتضررة، مشيراً إلى أن أوتاوا قدمت بالفعل قرابة 25 مليار دولار من برامج الدعم خلال الأشهر الثمانية عشر الماضية.
بعد أشهر من المفاوضات والتهديدات والتأجيلات، تبدو الرسالة السياسية الصادرة من أوتاوا هذه المرة واضحة: كندا مستعدة للتفاوض، لكنها لا تريد اتفاقاً بأي ثمن.
والسؤال الذي سيحدد المرحلة المقبلة هو ما إذا كان تعليق المفاوضات مجرد محطة ضغط جديدة تمهد لعودة الطرفين إلى الطاولة، أم أن كندا والولايات المتحدة دخلتا فعلاً في مواجهة تجارية طويلة سيكون ثمنها أكبر بكثير من الرسوم الجمركية نفسها.
الأخبار بالفيديو

الأخبار عبر البريد الإلكتروني
اشترك الآن لتصلك الأخبار إلى بريدك الإلكتروني

