ساحة الحرب وساحة الوقت! موازين القوى

Last Updated: مايو 10, 2026Categories: Uncategorized, أخبار لبنان, كتاب الموقع

الحدث كندا

Raouf Najm

في المواجهة الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران، لم تعد المسألة تُقاس بعدد الطائرات وحاملات الطائرات والصواريخ الدقيقة. بهذا المعنى الضيق، ما زالت واشنطن القوة الأكبر بلا منازع. لكنها في السياسة، وفي إدارة الأزمات الطويلة، تبدو اليوم أقل قدرة على فرض إيقاعها مما كانت تتصور. إيران لا تتفوق على أميركا، لكنها نجحت في جرّها إلى ساحة أكثر تعقيداً: ساحة الوقت، والكلفة، والطاقة، والممرات البحرية، وقلق الأسواق.

الضربات الأميركية الأخيرة ضد مواقع إيرانية، والتي قالت واشنطن إنها جاءت رداً على “أعمال عدائية غير مبررة” استهدفت قواتها، أظهرت أن القدرة العسكرية الأميركية ما زالت حاضرة وسريعة. غير أن الضربة، مهما كانت موجعة، لم تغيّر جوهر المشهد: مضيق هرمز بقي نقطة الاختناق الكبرى، وإيران بقيت قادرة على تهديد حركة الملاحة، والولايات المتحدة وجدت نفسها تنتظر جواب طهران على مقترح سياسي لإنهاء الحرب وفتح المضيق والعودة إلى طاولة أكثر اتساعاً.

هنا يظهر الضعف الأميركي الفعلي. إنه ضعف في هامش الحركة، لا في الترسانة. فالرئيس دونالد ترامب يستطيع أن يأمر بضربات جديدة، لكنه لا يستطيع تجاهل كلفة حرب مفتوحة في الخليج. أي توسع في المواجهة يعني ارتفاعاً إضافياً في أسعار النفط، اضطراباً أعمق في الأسواق، ضغطاً على الحلفاء، وخطراً دائماً على القواعد الأميركية المنتشرة في المنطقة. إيران تعرف ذلك جيداً، وتتصرف على أساسه.

لقد حوّلت طهران مضيق هرمز إلى ورقة تفاوضية لا تقل أهمية عن ملفها النووي. فالممر الذي تمر عبره نسبة وازنة من تجارة النفط والغاز العالمية بات عملياً جزءاً من المعركة. تقارير رويترز أشارت إلى أن المقترح الأميركي لإنهاء الحرب يترك نقاطاً حساسة من دون حل كامل، بينها تعليق البرنامج النووي الإيراني وإعادة فتح المضيق، فيما قالت مصادر مطلعة إن أي اتفاق أوسع سيشمل وقف الحصارين المتقابلين، ورفع العقوبات، والإفراج عن أموال إيرانية مجمدة، وفرض بعض القيود النووية.

في المقابل، لا تبدو إيران في موقع انتصار. اقتصادها يتآكل تحت الضغط، وموانئها تتعرض للحصار، وناقلاتها باتت هدفاً، والشارع الإيراني يدفع ثمن حرب لا يملك رفاهية استمرارها إلى ما لا نهاية. وكالة أسوشيتد برس تحدثت عن هشاشة وقف إطلاق النار، وعن هجمات جديدة في الخليج، وعن انتظار واشنطن رداً إيرانياً على مقترح ينهي الحرب ويعيد فتح المضيق ويحدّ من البرنامج النووي. كما نقلت أن إيران تملك أكثر من 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة تصل إلى 60%، وهي نقطة مركزية في التفاوض والقلق الدولي.

المفارقة أن الطرفين عالقان في معادلة لا تسمح بانتصار سريع. الولايات المتحدة لا تريد أن تظهر بمظهر العاجز عن حماية الملاحة الدولية، لكنها تخشى أن تتحول حماية الملاحة إلى حرب استنزاف. وإيران لا تريد أن تنحني أمام الشروط الأميركية، لكنها تدرك أن إغلاق المضيق أو تعطيله لفترة طويلة قد يرتد عليها اقتصادياً وسياسياً. صحيفة “الغارديان” لخصت المشهد بوضوح حين رأت أن الطرفين لا يستطيعان تحمّل مواجهة طويلة في هرمز، وأن التفوق العسكري الأميركي ـ الإسرائيلي لم يتحول حتى الآن إلى سيطرة استراتيجية كاملة.

بهذا المعنى، ليست أميركا ضعيفة أمام إيران كما يروّج خصومها، لكنها فقدت شيئاً من القدرة على تحويل القوة إلى نتيجة سياسية سريعة. وهذه نقطة جوهرية. فالهيبة لا تقوم فقط على حجم السلاح، بل على قدرة الدولة الكبرى على إنهاء الأزمات بالشروط التي تريدها. واشنطن اليوم تضرب ثم تفاوض، تضغط ثم تنتظر، تهدد ثم تحسب كلفة التنفيذ. أما طهران، فتلعب لعبة البقاء: تصمد، تعطل، ترفع الكلفة، وتراهن على أن الوقت قد يدفع الأميركيين إلى قبول تسوية أقل مما أعلنوه.

الأهم أن إيران لم تعد تواجه الولايات المتحدة في ساحة واحدة. هي تواجهها في الخليج، في أسواق النفط، في أمن القواعد، في الملف النووي، وفي صورة واشنطن أمام حلفائها. وكلما اتسعت ساحات المواجهة، تراجعت فاعلية التفوق العسكري وحده. فالقوة الأميركية الهائلة تصبح أقل حسماً عندما يحتاج استخدامها إلى توافق خليجي، وطمأنة أوروبية، واحتواء آسيوي لصدمة الطاقة، وإدارة داخلية لرأي عام لا يريد حرباً جديدة.

من هنا يمكن القول إن أميركا لم تصبح أضعف من إيران، لكنها أصبحت أقل قدرة على إخضاعها بالشروط القديمة. إيران ليست قوة عظمى، ولا تملك مشروع انتصار شامل على واشنطن. قوتها الحالية تكمن في قدرتها على جعل النصر الأميركي مكلفاً، بطيئاً، ومفتوحاً على احتمالات خطرة. وهذه القدرة، في ميزان الأزمات الكبرى، تكفي أحياناً لتعديل قواعد اللعبة.

www.alhadath.ca

الأخبار عبر البريد الإلكتروني

اشترك الآن لتصلك الأخبار إلى بريدك الإلكتروني