زيارة كارني إلى السعودية تثير عاصفة انتقادات في كيبيك

Last Updated: يوليو 12, 2026Categories: أخبار كندا, رئيس التحرير

الحدث-كندا

Raouf Najm

«كارني في الرياض وكيبيك تعتبر انه قدّم المصالح على حقوق الانسان»

 نجحت السفارة السعودية في كندا في إعادة بناء قنوات التواصل مع حكومة أوتاوا وتهيئة الأرض لعلاقة تجاوزت مرحلة الأزمة الدبلوماسية السابقة. فسفارة المملكة العربية السعودية في أوتاوا، من خلال السفيرة آمال المعلمي، تبذل جهداً واضحاً لإبراز الوجه الجديد للمملكة في ظل التحولات التي يقودها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان ورؤية 2030، غير أن ما كشفته زيارة رئيس الوزراء الكندي مارك كارني،  هو أن المصالحة الرسمية لا تعني انتهاء الجدل داخل كندا.  في كيبيك، ما زالت الذاكرة السياسية والإعلامية تمنح حقوق الإنسان مكاناً واسعاً، ورغم ان زيارة كارني إلى السعودية في التاسع من تموز/يوليو حققت نجاحات  كبيرة وارست انفاقيات اقتصادية كثيرة  الا انها  لم تلقَ الأصداء الإيجابية نفسها في مقاطعة كيبيك.

فالزيارة، وهي الأولى لرئيس وزراء كندي إلى المملكة منذ 26 عاماً، تحولت سريعاً إلى مادة للنقاش والانتقاد في وسائل الإعلام الكيبيكية، وخصوصاً على صفحات «Journal de Montréal» وبرامج شبكة TVA. وقد جاءت الانتقادات من زوايا مختلفة؛ بعضها استهدف طريقة كارني في ممارسة السلطة داخل كندا، وبعضها الآخر تناول علاقته الجديدة بالرياض وقراره تقديم المصالح الاقتصادية على الخطاب الكندي التقليدي في مجال حقوق الإنسان.

الصحافي والمعلّق ماريو دومون لم يوجّه هجومه مباشرة إلى السعودية، ولم يناقش بالتفصيل الإصلاحات الجارية فيها. اختار صورة كارني إلى جانب ولي العهد مدخلاً للحديث عن الديمقراطية الكندية نفسها، ساخراً من «عباءة الدولة النموذجية» التي يرتديها رئيس الوزراء، في رأيه، خلال جولاته الخارجية.

كتب دومون أن كندا قد تبدو من بعيد نموذجاً ديمقراطياً مثيراً للإعجاب، لكن الصورة تصبح أقل لمعاناً حين ينظر الكندي إلى طريقة استخدام المؤسسات من الداخل. واستشهد بتعيين النائب المحافظ ريتشارد مارتيل عضواً في مجلس الشيوخ، وهو تعيين يؤدي إلى إخلاء مقعده في مجلس العموم وفتح الباب أمام انتخابات فرعية يأمل الليبراليون الفوز بها.

ورأى دومون أن عرض منصب دائم في مجلس الشيوخ على نائب معارض، ثم السعي إلى الاستفادة سياسياً من المقعد الذي يتركه، يعكس شعوراً لدى الليبراليين بأن المؤسسات أصبحت جزءاً من أدواتهم الحزبية. كما انتقد الهيمنة الطويلة للحزب الليبرالي، معتبراً أن غياب التداول المنتظم للسلطة جعله صاحب التأثير الأكبر في تعيين كبار الموظفين والقضاة ومديري مؤسسات الدولة. وفي نظره، يصعب على كارني تقديم كندا كدرس عالمي في الديمقراطية بينما يتصرف حزبه بهذه الطريقة في الداخل.

أما الكاتب لويك تاسي، فذهب في اتجاه مختلف تماماً، وكان أكثر مباشرة وحدّة تجاه المملكة والزيارة. ففي مقال حمل عنوان «رحلة كارني غير المقبولة إلى السعودية»، اعتبر تاسي أن السعودية ليست شريكاً مناسباً لكندا، وأن بعض التغييرات التي تحققت في إطار «رؤية 2030» لا تمحو القيود التي لا تزال مفروضة على حرية التعبير والممارسة السياسية والحريات الدينية وحقوق المرأة والأقليات.

ووجّه تاسي انتقاده أيضاً إلى اللغة التي استخدمها كارني للحديث عن التقدم السعودي، معتبراً أنها بدت أقرب إلى تبرير قرار التقارب منها إلى تقييم حذر للواقع. كما رأى أن حضور رئيس الوزراء شخصياً يمنح العلاقة الجديدة ثقلاً سياسياً ورمزياً كان يمكن، في رأيه، تجنبه أو تخفيض مستواه. واقترح أن تكتفي كندا بالحد الأدنى من الاتفاقات الضرورية، وأن ترسل شخصية كندية ذات صدقية دولية في حقوق الإنسان، مثل القاضية والدبلوماسية السابقة لويز أربور، لتمثيلها بدلاً من أن يقوم رئيس الحكومة بالزيارة بنفسه.

ولا تتعلق المسألة بصورة الزيارة وحدها. فقد خرج كارني من اجتماعات جدة بحزمة واسعة من مذكرات التفاهم وخطط التعاون شملت الطاقة والذكاء الاصطناعي والدفاع والأمن والمعادن والاستثمارات والتعليم والنقل الجوي. واتفق الطرفان على إنشاء مجلس تنسيق سعودي–كندي، وعلى متابعة المفاوضات بشأن حماية الاستثمارات ومنع الازدواج الضريبي، إلى جانب العمل على جذب الصناديق الاستثمارية السعودية والكندية إلى مشاريع طويلة الأمد.

هذه الاتفاقات فتحت باباً آخر من الأسئلة في كيبيك. فقد تساءل المحلل السياسي جورج مرسييه عن طبيعة الاستثمارات السعودية التي يمكن أن تدخل كندا، وعن القطاعات التي ستسمح أوتاوا للمستثمرين الأجانب بالمشاركة فيها. وطرح أمثلة شديدة الحساسية: هل يقبل الكنديون بأن تصبح جهات سعودية شريكة في جسور أو خطوط أنابيب أو منشآت استراتيجية داخل البلاد؟

كما أثار مرسييه مخاوف متصلة باتفاقات الذكاء الاصطناعي، متسائلاً عما إذا كان التعاون مع شركات سعودية قد يؤدي في المستقبل إلى وصول بيانات كندية إلى جهات خارج البلاد. وبالنسبة إليه، لا تكفي عبارة «تنويع الاقتصاد» لتبرير كل اتفاق؛ فالمعيار الحقيقي هو معرفة من يملك المشاريع، ومن يسيطر عليها، ومن يجني أرباحها في النهاية.

الانتقاد الأعنف سياسياً جاء من الزعيم السابق للكتلة الكيبيكية جيل دوسيب، الذي أرسل إلى كارني رسالة وصفه فيها بأنه من أكثر السياسيين نفاقاً، بسبب امتناعه عن توجيه انتقادات علنية إلى الرياض. غير أن دوسيب أوضح لاحقاً أنه لا يدعو إلى قطع العلاقات الدبلوماسية أو الاقتصادية مع السعودية، وإنما يعترض على منحها كل هذا الحضور السياسي والإعلامي من دون وضع ملف حقوق الإنسان على الطاولة بوضوح.

وردّ دوسيب على العبارة التي يكررها كارني، ومفادها أن العالم تغيّر وأن كندا مضطرة إلى التعامل مع دول لا تشاركها قيمها، بالقول إن تغير العالم لا يعني أن تتغير المبادئ معه. واتهم رئيس الوزراء بالتعامل مع الحقوق والحريات باعتبارها عبئاً يمكن تأجيله كلما ظهرت فرصة تجارية أو استثمارية.

ومع ذلك، لم يوافق جميع المعلقين على اتهام كارني بالنفاق. فقد رأى مرسييه، كما قال المعلق فيليب ليجيه، أن رئيس الوزراء لا يخفي أولوياته أصلاً. كارني يقول بصراحة إن بلاده تريد الدفاع عن مصالحها، وإن الاكتفاء بإعطاء الدروس من الخارج يرضي الرأي العام لكنه لا يحقق نتائج. ومن هذه الزاوية، قد يكون موقفه قاسياً وبراغماتياً، لكنه واضح أكثر مما هو متناقض.

بقيت قضية الناشط السعودي رائف بدوي النقطة الأكثر حساسية في كيبيك، حيث تعيش زوجته إنصاف حيدر وأطفاله في شيربروك. كارني رفض الكشف عما إذا كان قد أثار قضيته بالتفصيل مع ولي العهد، مكتفياً بالقول إن المحادثات الخاصة يجب أن تبقى خاصة. أما عائلته فتؤكد أن خروجه من السجن عام 2022 لم يمنحه حريته الكاملة، لأنه لا يزال ممنوعاً من مغادرة المملكة حتى عام 2032 وغير قادر على الالتحاق بزوجته وأطفاله في كندا.

وهنا تركز جانب كبير من الاعتراض الكيبيكي: لم يكن المطلوب من كارني أن يحوّل زيارته إلى مواجهة مفتوحة مع القيادة السعودية، لكن منتقديه كانوا ينتظرون منه كلمة واضحة عن بدوي، أو إشارة علنية إلى أن المصالح التجارية لن تمحو تماماً الملفات الإنسانية العالقة.

في المقابل، ينظر كارني إلى الزيارة من زاوية أخرى. فمع ازدياد صعوبة العلاقة الاقتصادية مع الولايات المتحدة، يريد رئيس الوزراء فتح أسواق جديدة أمام الشركات الكندية وجذب رؤوس الأموال إلى قطاعات الطاقة والتكنولوجيا والبنية التحتية. والسعودية، بصندوقها السيادي الضخم وخططها الاستثمارية الواسعة، تمثل بالنسبة إليه شريكاً يصعب تجاهله.

فهل  عاد السؤال القديم بصيغة جديدة،  و هل تستطيع كندا أن تجمع بين مصالحها الاقتصادية وصورتها كدولة تدافع عن الحقوق والحريات؟ أم أن زمن الاضطراب الدولي يدفعها إلى غض النظر، لتخطي الازمات وفتح أسواق جديدة ؟

الأخبار عبر البريد الإلكتروني

اشترك الآن لتصلك الأخبار إلى بريدك الإلكتروني