من قارب القذافي إلى أنفاق غزة: كيف تطوّرت عمليات الاختراق… وكيف لاحقتها الاستخبارات الإسرائيلية؟

Last Updated: يوليو 1, 2026Categories: أخبار لبنان, كتاب الموقع

الحدث-كندا

حليم كرم

تستوقف قارئ مذكرات وليد حنبلاط , صورة وليد جنبلاط في قارب مطاطي مع معمر القذافي وأبو نضال. ثلاثة رجال ينتمون إلى عوالم سياسية مختلفة، يجمعهم البحر وفكرة طرحها القذافي عن إرسال أعداد كبيرة من القوارب نحو الساحل الإسرائيلي. غير أن قراءة هذا المشهد تحتاج إلى الحذر: رواية جنبلاط، كما نقلها سمير عطا الله، لا تقدم محضر اجتماع عسكري ولا دليلاً على أن الرجال الثلاثة اتفقوا على تنفيذ عملية محددة. إنها تكشف، في المقابل، المناخ السياسي الذي كانت تولد فيه العمليات المسلحة خلال السبعينات والثمانينات: رئيس دولة يملك المال والسلاح، وزعيم تنظيم فلسطيني يملك شبكة سرية، وزعيم لبناني تحكمه ضرورات الحرب والتحالفات.

وكان جنبلاط نفسه واضحاً في مذكراته بشأن طبيعة علاقته بالفلسطينيين. فالحركة الوطنية والحزب التقدمي الاشتراكي احتاجا إلى القوة العسكرية الفلسطينية خلال الحرب اللبنانية، لكن أولوياتهما لم تكن مطابقة دائماً لأولويات ياسر عرفات. كان التحالف ضرورياً وهشاً في آن واحد، قائماً على تبادل المصالح أكثر مما كان قائماً على قيادة عسكرية موحدة.

 القارب كان صورة لنظام إقليمي كامل

كان القذافي يؤدي دور الممول والمحرّض وصاحب الأفكار الكبرى. امتلك ليبيا الغنية بالنفط، وفتح مخازنها وأموالها لتنظيمات وحركات عربية وأفريقية متعددة. أما أبو نضال فكان يقود تنظيماً سرياً صغيراً، شديد المركزية والعنف، ينفذ عمليات خارج الحدود ويعتمد على الحماية والتمويل اللذين توفرهما دول إقليمية.

أما جنبلاط فكان في موقع مختلف. كان زعيم حزب لبناني وميليشيا منخرطة في حرب أهلية، وكانت علاقاته الخارجية مرتبطة أساساً بحماية موقعه داخل لبنان. لذلك لا يصح وضعه تنظيمياً في الخانة نفسها مع أبو نضال، أو اعتباره قائداً فلسطينياً يخطط لعمليات داخل إسرائيل. وجوده في القارب يعكس اتساع شبكة علاقاته واضطراره إلى التعامل مع القذافي وغيره، ولا يثبت أنه أصبح عضواً في غرفة عمليات فلسطينية.

كذلك لا يجوز التعامل مع أبو نضال وياسر عرفات كأنهما كانا شريكين دائمين. فقد انشق أبو نضال عن حركة فتح عام 1974، وأصبح عدواً لعرفات وللاتجاه الفلسطيني الساعي إلى بناء علاقات سياسية ودبلوماسية مع الغرب. ونفذ تنظيمه عمليات ضد إسرائيليين وغربيين، وكذلك ضد شخصيات فلسطينية رآها متساهلة أو قريبة من عرفات. ([Council

كانت الساحة آنذاك موزعة بين تنظيمات تتعاون أحياناً، وتتنافس أو تتقاتل أحياناً أخرى. جمعها العداء لإسرائيل، لكن الأهداف والمرجعيات وأساليب العمل لم تكن واحدة.

 من الفكرة الاستعراضية إلى الخطة العسكرية

فكرة الوصول إلى إسرائيل بواسطة القوارب المطاطية لم تكن خيالاً قذافياً بالكامل. سبق أن استخدمت تنظيمات فلسطينية البحر للتسلل إلى الساحل الإسرائيلي، وظهرت في الثمانينات خطط أكثر تنظيماً تقوم على سفن تجارية تحمل مقاتلين وقوارب صغيرة وأسلحة.

أبرز الأمثلة كانت سفينة **«أتافيروس»** عام 1985. وبحسب الرواية الإسرائيلية، أبحر عليها 28 مسلحاً، وكان يفترض أن ينطلق قسم منهم في ثلاثة قوارب مطاطية نحو شاطئ بات يام، ثم يستولوا على حافلة ويتوجهوا إلى مقر قيادة الجيش ووزارة الدفاع في تل أبيب، ويحتجزوا رهائن للمطالبة بإطلاق سجناء فلسطينيين. أغرقت البحرية الإسرائيلية السفينة قبل وصولها إلى نقطة الإنزال.

يوجد هنا تشابه واضح مع حديث القذافي عن القوارب، لكن لا تتوافر أدلة تثبت أن عملية «أتافيروس» خرجت من اجتماع القارب الذي رواه جنبلاط، أو أن أبا نضال كان وراءها. الرواية الإسرائيلية تربطها بأبو جهاد، خليل الوزير، ودوائر منظمة التحرير، لا بتنظيم أبو نضال.

التشابه الحقيقي يكمن في **الفكرة العملياتية**: استغلال الساحل الإسرائيلي الطويل، والوصول من اتجاه لا تتوقعه القوات البرية، ثم تحويل مجموعة صغيرة إلى حدث أمني وسياسي كبير. وكانت العملية تنتهي غالباً باحتجاز رهائن أو بمواجهة طويلة، لأن الهدف لم يكن الانتصار العسكري على إسرائيل، وإنما إظهار قدرتها على الاختراق وفرض قضية الأسرى على الرأي العام.

بعد خروج منظمة التحرير من لبنان عام 1982 وتوزع قياداتها بين تونس واليمن والجزائر ودول أخرى، تراجعت قدرتها على خوض مواجهة تقليدية، لكنها حافظت على شبكات تستطيع التخطيط لعمليات خارجية وبحرية.

هل كان الموساد يتعقب كل شيء؟

تُنسب معظم العمليات الإسرائيلية السرية في الخطاب العربي إلى «الموساد»، لكن الواقع المؤسساتي أكثر تعقيداً. الموساد مسؤول أساساً عن جمع المعلومات والعمليات السرية خارج إسرائيل، بينما تتولى الاستخبارات العسكرية متابعة الجيوش والتنظيمات المسلحة وتقديم الإنذارات، وتتولى البحرية مراقبة المسارات البحرية، في حين يعمل جهاز الأمن الداخلي في الملفات الموجودة داخل إسرائيل والأراضي الفلسطينية.

الموساد نفسه يعرّف مهمته بأنها جمع المعلومات في الخارج وتنفيذ عمليات استراتيجية سرية، بينما تقول الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية إن مهمتها تشمل تتبع التنظيمات المسلحة وجمع المعلومات من مصادر متعددة وتحويلها إلى إنذارات وتقديرات عسكرية. ([Mossad][4])

كانت عملية التعقب في الثمانينات تقوم على عناصر متكاملة: مخبرون في الموانئ والمخيمات، مراقبة حركة القيادات والأموال، اعتراض الاتصالات اللاسلكية، متابعة السفن التي تغير أسماءها أو أعلامها، تصوير الأشخاص الموجودين على متنها، ثم وضع القطع البحرية في المكان المتوقع للمرور.

يقدّم كتاب «جواسيس جدعون» رواية مثيرة عن سفينة صيد مزودة بأجهزة تنصت، ويخت يحمل كاميرات مخفية، وامرأتين استُخدمتا لجذب المسلحين إلى سطح إحدى السفن وتصويرهم. هذه التفاصيل ممكنة من حيث الأسلوب الاستخباراتي، لكنها تبقى رواية كتاب يعتمد كثيراً على السرد الدرامي ولا يمكن التعامل معها كلها كوثائق رسمية.

وفي حالة «أتافيروس»، تنسب الرواية الإسرائيلية المنشورة الفضل الأساسي إلى الاستخبارات البحرية وقائد سفينة الصواريخ الذي راقب عشرات السفن وحدد السفينة المشبوهة من مسارها وشكلها وسلوكها. وهذا يعني أن منع العملية كان نتيجة تداخل المعلومات المسبقة مع المراقبة البحرية والقرار الميداني، وليس عملية نفذها الموساد وحده.

 أين يتشابه الأسلوب القديم مع حماس وحزب الله؟

هناك عناصر مشتركة واضحة.

أولها الاعتماد على دولة راعية: احتاجت التنظيمات الفلسطينية القديمة إلى أموال ليبيا والعراق وسوريا، بينما استفادت حماس وحزب الله من الدعم الإيراني بدرجات وأشكال مختلفة.

العنصر الثاني هو البحث عن نقطة ضعف في التفوق الإسرائيلي. استخدمت مجموعات الثمانينات السفن والقوارب والعمليات الخارجية، بينما استثمرت حماس وحزب الله في الأنفاق والصواريخ والطائرات المسيّرة والوحدات الخاصة والحرب الإلكترونية والمراقبة الميدانية.

العنصر الثالث هو الجمع بين الهدف العسكري والأثر النفسي. نجاح مجموعة صغيرة في عبور الحدود أو احتجاز جنود أو رهائن يمكن أن يترك أثراً سياسياً أكبر من حجم القوة المستخدمة. كما يتحول الأسرى إلى ورقة تفاوض، وتتحول صورة الاختراق إلى أداة إعلامية تقول إن الحدود والتكنولوجيا لا توفران حماية مطلقة.

العنصر الرابع هو السرية وتقسيم المعلومات. يعرف كل عنصر الجزء الضروري من المهمة، بينما تبقى الصورة الكاملة محصورة في دائرة صغيرة. هذا الأسلوب قديم، لكنه أصبح مع حماس وحزب الله أكثر تنظيماً وتعقيداً.

ولكن الفروق أكبر من التشابه

أبو نضال قاد شبكة سرية عابرة للحدود، لم تحكم أرضاً ولم تدِر مجتمعاً. كان تنظيمه يعتمد على قائد واحد، وأجهزة أمن داخلية قاسية، وتمويل وحماية من دول تتغير بتغير التحالفات.

ياسر عرفات قاد مظلة فلسطينية واسعة تضم مؤسسات سياسية وعسكرية ودبلوماسية وتنظيمات متنافسة. وانتقل لاحقاً من العمل المسلح إلى التفاوض والاعتراف المتبادل واتفاق أوسلو، وهو مسار كان أبو نضال يحاربه.

وليد جنبلاط كان زعيماً لبنانياً تحالف مع الفلسطينيين، ثم مع سوريا، وشارك في الدولة اللبنانية والحياة البرلمانية. لم تكن قضيته الأساسية إدارة صراع فلسطيني طويل الأمد مع إسرائيل، رغم انخراط حزبه في الحرب وتحالفه مع قوى قاتلتها.

أما حماس وحزب الله فهما أقرب إلى نموذج **التنظيم الهجين**: حركة سياسية واجتماعية وأمنية وعسكرية في الوقت نفسه. حكمت حماس قطاع غزة وأدارت مؤسسات وأجهزة أمن وشرطة، بينما بنى حزب الله حضوراً سياسياً واجتماعياً وعسكرياً عميقاً داخل لبنان. دراسة حديثة لمركز مكافحة الإرهاب في ويست بوينت تصف حماس بأنها تحولت من حركة دعوية واجتماعية إلى فاعل هجين يحكم ويدير الأمن ويخوض حرباً منظمة. ([Combating Terrorism Center at West Point][5])

أما حزب الله فقد أظهر منذ حرب 2006 قدرة على الجمع بين أساليب حرب العصابات وبعض قدرات الجيوش: صواريخ، أسلحة مضادة للدروع، مواقع محصنة، اتصالات وقيادة أكثر انضباطاً. وتصف دراسات عسكرية أميركية تلك التجربة بأنها انتقال من النشاط غير النظامي البسيط إلى حرب هجينة استطاعت مفاجأة جيش نظامي واستغلال نقاط ضعفه.

لهذا فإن المقارنة الأدق ليست القول إن حماس وحزب الله يكرران أبا نضال وعرفات وجنبلاط، وإنما إنهما أخذا بعض مبادئ العمل غير النظامي القديمة — المفاجأة، التسلل، الرهائن، الدعم الخارجي والدعاية — ثم وضعاها داخل مؤسسات أكثر تماسكاً، وقدرات تقنية وعسكرية أوسع.

 من يراقب الآخر؟

في الثمانينات، امتلكت إسرائيل أفضلية كبيرة في مراقبة الاتصالات والموانئ وحركة القيادات الفلسطينية الموزعة في دول عدة. لكن هذه الأفضلية لم تكن مطلقة. كلما تحولت التنظيمات من شبكات تسافر عبر المطارات والموانئ إلى قوى متجذرة قرب الحدود، أصبحت عملية اختراقها أكثر صعوبة.

وهنا تظهر دلالة هجوم السابع من أكتوبر 2023. فعلى الرغم من أجهزة المراقبة والأسوار والتنصت والتكنولوجيا، نجحت حماس في إخفاء حجم استعداداتها وتوقيت هجومها. وخلصت تحقيقات عسكرية إسرائيلية إلى أن المشكلة لم تكن غياب المعلومات بالكامل، وإنما سوء تفسيرها، والاستخفاف بقدرة حماس، والاعتقاد بأنها مهتمة بالحكم والتهدئة أكثر من اهتمامها بحرب واسعة.

هذه النتيجة تعيد قراءة قصص الموساد إلى حجمها الواقعي. الاستخبارات تستطيع اختراق تنظيم، واعتراض سفينة، واغتيال قائد أو كشف شبكة، لكنها قد تفشل عندما تقع أسيرة تصوراتها السابقة. التكنولوجيا تجمع الإشارات، أما العقل البشري فيقرر معناها، وقد يرى التدريب مجرد استعراض، أو يعتبر الصمت دليلاً على الضعف، بينما يكون الخصم قد نجح في التضليل.

الخلاصة

قارب القذافي الذي جمع وليد جنبلاط وأبا نضال يبدو اليوم مشهداً غرائبياً، لكنه يلخص مرحلة كاملة: دول تمول، وتنظيمات تتنقل، وزعماء لبنانيون وفلسطينيون تفرض عليهم الحروب تحالفات متناقضة. كانت الخطط تُطرح حول طاولة أو في خيمة أو فوق قارب، ثم تنتقل إلى مجموعات صغيرة تحمل السلاح وتعبر البحر.

أما حماس وحزب الله فظهرا في مرحلة لاحقة، حين أصبحت التنظيمات المسلحة أكثر مؤسساتية، وحين دخلت الصواريخ والأنفاق والطائرات المسيّرة والاتصالات المشفرة إلى المعركة. بقي من الماضي منطق المفاجأة والاختراق والدعم الخارجي، لكن البنية أصبحت أكثر تعقيداً.

والدرس الأوضح أن الصراع تحول إلى سباق بين تنظيم يسعى إلى إخفاء نيته، وجهاز استخبارات يحاول قراءة الإشارات قبل تحولها إلى عملية. ينجح الجهاز أحياناً في إغراق السفينة قبل وصولها، ويفشل أحياناً في رؤية جيش صغير يتشكل أمام شاشاته.

الأخبار عبر البريد الإلكتروني

اشترك الآن لتصلك الأخبار إلى بريدك الإلكتروني