فصول مخيفة عن الحرب اللبنانية في كتاب عن المافيا الكندية

الحدث-كندا

رؤوف نجم

في ثنايا كتاب يتناول عالم المافيا في مونتريال وكندا، تظهر صفحات قليلة لكنها شديدة الدلالة عن لبنان. فوسط الحديث عن شبكات الجريمة المنظمة، يفتح الكتاب فصلًا خاصًا على صفقات تهريب كميات هائلة من الحشيش اللبناني إلى كندا، بدأت خيوطها منذ عامي 1975 و1976، وبلغت، بحسب ما يورده المؤلفان، واحدة من أخطر مراحلها عام 1986 مع شحنة قُدّرت بنحو 24 طنًا. وقد تجنبنا ذكر اي اسم لبناني كي لا نقع في المحظور الاعلامي خاصة ان المؤلفين بعيدان عن عما كان يجري في لبنان وهما نقلا عن شخص قيل انه متورط.

الأخطر في ما يورده الكتاب أنه لا يتحدث عن تهريب تجاري عادي، بل عن اقتصاد حرب. فهو يربط، بصيغة الاتهام والرواية الأمنية، بين الحشيش اللبناني وشبكات السلاح والمال، ويزعم أن جهات لبنانية مسلحة وشخصيات نافذة في زمن الحرب كانت جزءًا من هذا المسار، بحثًا عن التمويل والقدرة على التسليح الذاتي في مرحلة كانت الدولة اللبنانية فيها شبه غائبة، وكانت الميليشيات تقاتل وتتموّل وتفاوض وتسيطر على المرافئ والمعابر.

هذا الفصل لا يضيء فقط على ما كان يحدث في مونتريال أو على أرصفة الموانئ الكندية، بل يعيد القارئ إلى لبنان الحرب، حيث كانت الانتفاضات والمعارك والانقسامات تفتح البلاد على كل أنواع الاقتصاد الموازي. من هنا تأتي أهمية قصة كريستيان دوشين، الشاب الكندي الذي وجد نفسه، بحسب الكتاب، على خط غير مرئي يربط بين مافيا مونتريال وسواحل لبنان، وبين الحشيش والسلاح، وبين حرب محلية وشبكة تهريب عابرة للقارات.

كان دوشين، كما يقدّمه الكتاب، شابًا ذكيًا، قوي البنية، رياضيًا، درس الإدارة في جامعة كيبيك في تروا ريفيير، وعرف مبكرًا طريقه إلى دوائر خطرة في مونتريال. لم يكن اسمه في البداية يوحي بقصة شرق أوسطية. كان ابن بيئة كندية، يتحرك بين الجامعة والرياضة والعمل الليلي، قبل أن يظهر لبنان في سيرته كمنعطف غامض.

يورد الكتاب أنه بعد دراسته توجّه إلى لبنان، وأنه كان يقول لمن حوله إنه التحق كمرتزق بإحدى الميليشيات  خلال الحرب الأهلية. هذه النقطة تحديدًا تحتاج إلى دقة. فما قاله دوشين عن نفسه، كما يرد في الكتاب، لا يظهر على أنه اعتراف رسمي منشور أمام القضاء، بل أقوال منسوبة إليه أو روايات نُقلت عنه. أما ما ثبت قضائيًا لاحقًا في كندا، فهو تورطه في ملف تهريب شحنة ضخمة من الحشيش اللبناني عام 1986.

لكن وجود دوشين في لبنان، وفق رواية الكتاب، لم يكن تفصيلًا جانبيًا. فقد جاء في زمن كانت فيه البلاد مفتوحة على كل أنواع التجارة غير الشرعية. السلاح كان يحتاج إلى مال. والمال كان يأتي، في كثير من الأحيان، من اقتصاد ظلّ ينمو في ظل الحرب: تهريب، مرافئ غير رسمية، حماية محلية، وشبكات خارجية تعرف كيف تستثمر في الفوضى.

قبل دوشين بسنوات، يعود الكتاب إلى عامي 1975 و1976، أي إلى بدايات الحرب اللبنانية. في تلك المرحلة، كانت الشرطة في مونتريال ترصد اتصالات ولقاءات حول شحنات حشيش قادمة من لبنان. ويقول الكتاب إن أحد كبار رجال الجريمة المنظمة في كندا توجّه يومها إلى قبرص للتفاوض على شحنة تقدّر بنحو 550 كيلوغرامًا. كان ذلك مبكرًا جدًا في الحرب، ما يعني أن خط لبنان ـ كندا بدأ يتشكل منذ اللحظات الأولى لانهيار الدولة وتفكك السلطة المركزية.

لم تكن قبرص في هذه الرواية مجرد محطة سفر. كانت مساحة وسطى بين لبنان والعالم. فمنها كانت تُدار لقاءات، ومنها كانت السفن تتحرك، ومنها كان يمكن إخفاء المسافة بين مصدر الشحنة ومكان وصولها. هكذا بدأ شرق المتوسط يظهر في ملفات الأمن الكندي، لا من باب السياسة الدولية فقط، بل من باب الجريمة المنظمة.

ثم يأتي عام 1980، وفيه تصبح الصورة أكثر قتامة. يورد الكتاب أن أسلحة وذخائر، بينها بنادق أميركية الصنع من طراز M16، سُرقت من مستودع في بوسطن، ثم هُرّبت إلى مونتريال، قبل أن تُرسل إلى لبنان. وفي المقابل، كانت شحنات الحشيش تتحرك في الاتجاه المعاكس. سلاح من أميركا الشمالية إلى لبنان، وحشيش من لبنان إلى كندا. معادلة قاسية تكشف كيف يمكن للحرب أن تتحول إلى سوق، وكيف يمكن للجريمة المنظمة أن تدخل من كل ثغرة تفتحها الفوضى.

ويروي الكتاب، نقلًا عن مصادر أمنية ومخبرين، حادثة أشد خطورة، مفادها أن أفرادًا من المافيا جرّبوا بعض الأسلحة بإطلاق النار في اتجاه مخيم………، لإظهار فاعليتها أمام شركائهم في لبنان. هذه الرواية، بسبب خطورتها، لا يمكن التعامل معها إلا بصفتها منسوبة إلى كتاب استقصائي ومصادر أمنية، لكنها تكشف المناخ الذي يتحدث عنه المؤلفان: زمن كان فيه السلاح لا يُباع فقط، بل يُعرض ويُختبر وسط جغرافيا الحرب والضحايا.

غير أن الفصل الأبرز في هذه الحكاية يبدأ في 22 أيلول/سبتمبر 1986. في ذلك اليوم، غادر كريستيان دوشين كندا في رحلة قادته عبر لندن إلى لارنكا في قبرص، ثم إلى ليماسول. هناك صعد إلى سفينة شحن تحمل اسم Petros Z. كانت السفينة، بحسب الكتاب، مسجلة في باكستان، لكنها كانت تستعد لدور يتجاوز أي رحلة تجارية عادية.

من قبرص، أبحرت Petros Z باتجاه لبنان. وهناك، وفق ما يورده الكتاب، تم اللقاء مع قيادات محلية مسلحة من زمن الحرب. لا حاجة إلى الأسماء هنا. فالقصة، في جوهرها، ليست قصة أفراد لبنانيين بقدر ما هي قصة بلد تحولت بعض شواطئه ومرافئه ومناطقه إلى جزء من شبكة تهريب دولية. كانت الدولة غائبة أو عاجزة، وكانت القوى المسلحة تمسك بالأرض، وكانت الباخرة تنتظر الإذن والحماية والحمولة.

حُمّلت السفينة بنحو 24 طنًا من الحشيش. الرقم وحده كافٍ لفهم حجم العملية. نحن أمام شحنة هائلة، لا يمكن أن تتحرك من دون تمويل كبير، ولا من دون شبكة بحرية، ولا من دون تفاهمات على الأرض. وبحسب الكتاب، فإن دوشين كان يتحدث خلال الرحلة كمن يعرف تفاصيل الحرب والمال، ويزعم أنه دخل تجارة الحشيش بأموال جناها من وجوده في لبنان. لكن المؤلفين يقدمان لاحقًا رواية مالية أخرى، تتحدث عن قروض واستثمارات وشركاء في مونتريال.

قبل مغادرة لبنان، يزعم الكتاب أن قيادات محلية مسلحة طالبت بمبالغ كبيرة قبل السماح للباخرة بالإبحار. هذه الفقرة تلخص جانبًا من منطق الحرب: لا شيء يمر مجانًا. البحر له بوابة، والبوابة لها حارس، والحارس يريد حصته. في بلد تتنازع فيه الميليشيات على الأرض والمرافئ والطرق، تصبح كل شحنة موردًا ماليًا، وكل سفينة فرصة، وكل إذن عبور جزءًا من اقتصاد السلاح.

أبحرت Petros Z من لبنان، وبدأت رحلتها الطويلة عبر المتوسط ثم الأطلسي. في 19 تشرين الأول/أكتوبر 1986، وفي عرض البحر، جرى نقل الحمولة إلى قارب صيد صغير يحمل اسم Sandra & Diane II. كانت العملية تجري وسط عاصفة، وكأن البحر نفسه كان يريد فضح السر. أطنان من الحشيش انتقلت من سفينة إلى أخرى، تمهيدًا لإدخالها إلى كندا بعيدًا عن المرافئ الرسمية والعيون الأمنية.

في 20 تشرين الأول/أكتوبر، وصلت الشحنة إلى بلدة شتيكامب على الساحل الغربي لجزيرة كايب بريتون في نوفا سكوشا. هناك أُفرغت الحمولة ووُزعت على ثلاث شاحنات مستأجرة. للحظات، بدا أن الخطة نجحت: السفينة وصلت، الشحنة نزلت، والطريق إلى السوق الكندية صار مفتوحًا.

لكن خطأ واحدًا كان كافيًا لإسقاط العملية. إحدى الشاحنات خرجت عن الطريق قرب بادديك. وعندما وصلت الشرطة، عثرت داخلها على نحو ثمانية أطنان من الحشيش مخبأة بين الأسماك. بعدها أوقفت الشرطة شاحنة ثانية على الطريق السريع العابر لكندا قرب فلورنسفيل في نيو برنزويك، ووجدت فيها ثمانية أطنان أخرى، إضافة إلى أسلحة. كان دوشين يسير خلفها بسيارة، فاعتُقل مع آخرين.

أما الشاحنة الثالثة، فعُثر عليها لاحقًا في شرق مونتريال، لكنها كانت فارغة. لم يبقَ فيها سوى صناديق سمك خالية. وبحسب تقديرات الشرطة، فإن الأطنان الثمانية التي اختفت من تلك الشاحنة وصلت إلى السوق وحققت أرباحًا ضخمة. هكذا فشلت العملية ونجح جزء منها في الوقت نفسه، كما يحدث غالبًا في عالم الجريمة المنظمة: خسارة أمنية كبيرة، وربح مالي لا يختفي بالكامل.

فتحت عملية Petros Z باب التحقيقات. عثرت الشرطة في أغراض دوشين على رقم حساب مصرفي سويسري وملاحظات مالية، وتتبعت مسارات أموال عبر كندا وسويسرا ودبي ونيويورك وهاواي وإيطاليا وإسبانيا. لم تعد القضية شحنة حشيش فقط، بل شبكة مال دولية تتقاطع فيها المصارف والوسطاء وشركات الواجهة والجريمة المنظمة.

في خريف 1988، حُكم على كريستيان دوشين بالسجن عشر سنوات بسبب دوره في عملية استيراد شحنة الـ24 طنًا من لبنان.  كما دفع غرامة كبيرة لتجنب عقوبة إضافية. هذه هي النقطة القضائية الأوضح في الحكاية. أما تفاصيل علاقته بلبنان، وما قيل عن الوسطاء والجهات المحلية والحماية، فتبقى ضمن رواية الكتاب وما ينقله عن التحقيقات والشهادات.

لكن اعتقال دوشين لم يوقف الخط اللبناني. في خريف 1987، ظهرت سفينة أخرى في ملفات الأمن الكندي: Charlotte Louise. كانت محملة بنحو 16 طنًا من الحشيش اللبناني، ووصلت إلى سواحل نيوفاوندلاند. نُقلت الشحنة إلى جزيرة شبه مهجورة في خليج ترينيتي، حيث استخدمت البيوت والمخازن القديمة كمخابئ مؤقتة.

لاحقًا، صعدت الشرطة الملكية الكندية إلى السفينة قرب بلان سابلون، وعثرت على كمية من الحشيش مخبأة في خزانات المياه. ثم داهمت الجزيرة، ولاحقت شاحنة كانت تنقل الشحنة تحت طبقة من البصل. بدأت المحاكمة في تشرين الأول/أكتوبر 1990، لكنها انهارت بسبب أخطاء في التنصت والمراقبة، بعدما تبين أن بعض الاتصالات المحمية بين محامين وموكليهم تعرضت للمس. في 8 تشرين الثاني/نوفمبر 1990، أُطلق سراح أبرز المتهمين، فيما طالت الأحكام بعض العاملين في النقل.

وفي تشرين الأول/أكتوبر 1988، عاد لبنان مرة أخرى إلى الواجهة في مشروع جديد تحدث عن استيراد 32 طنًا من الحشيش اللبناني. بحسب ما يورده الكتاب، كانت الخطة تقوم على لقاء قارب كندي قديم بسفينة قادمة من لبنان في المياه الدولية، ثم نقل الحمولة إلى قرية ساحلية في كيبيك. لكن السفينة القادمة من الشرق تعطلت قرب جزر الأزور، ولم تصل الشحنة. وقدرت قيمة العملية بنحو 280 مليون دولار. مرة أخرى، كان التحقيق يعرف الكثير، لكن الوصول إلى إدانة كبار المتورطين كان أمرًا آخر.

وفي تموز/يوليو 1990، صادرت الشرطة 27 طنًا من الحشيش اللبناني في منطقة بالين، على الطرف الشرقي من جزيرة كايب بريتون. كان ذلك دليلًا إضافيًا، بحسب الكتاب، على أن خط لبنان بقي ناشطًا حتى أواخر الحرب، وأن البحر ظل يلعب الدور نفسه: طريقًا طويلًا بين الفوضى والمال.

ثم تغيّرت المعادلات في لبنان عام 1990. يربط الكتاب تراجع هذا الخط بتحولات عسكرية وسياسية كبرى حصلت في المناطق التي كانت تتحكم ببعض المرافئ والمسارات. ومع تبدل السيطرة على الأرض، بدأت قدرة تلك الشبكات على العمل تتراجع. لكن مافيا مونتريال لم تختفِ. حين بدأ الحشيش اللبناني يفقد موقعه، اتجهت الشبكات نفسها أكثر فأكثر نحو الكوكايين، حيث الأرباح أكبر والطرق مختلفة.

من هنا، تبدو قصة كريستيان دوشين أكبر من قصة مهرب كندي ذهب إلى لبنان. إنها حكاية زمن كامل. زمن كان فيه لبنان يعيش انتفاضات ومعارك وتبدلات داخلية، فيما كانت كندا تكتشف في ملفاتها الأمنية أن تلك الحرب البعيدة وصلت إلى موانئها وطرقها السريعة وشاحناتها ومصارفها.

الكتاب يروي ما كان يحدث في مونتريال وكندا، لكنه في بعض صفحاته يفتح نافذة على لبنان آخر: لبنان الذي كان يُستنزف من الداخل، وتخرج من سواحله شحنات ضخمة، وتدخل إليه أسلحة وذخائر، وتتحول فيه بعض القوى المحلية إلى جزء من اقتصاد حرب عابر للحدود. لذلك لا ينبغي قراءة هذه الصفحات كبحث عن أسماء أو اتهامات فردية، بل كقراءة في مرحلة انهارت فيها الحدود بين السياسة والمال والسلاح والجريمة.

أما دوشين، فيبقى الشخصية التي تقف عند تقاطع هذه الخطوط. شاب كندي قال إنه عرف لبنان الحرب، ثم وجد اسمه في واحدة من أكبر قضايا الحشيش اللبناني في كندا. ما قاله عن تجربته هناك لا يرتقي، بحسب المتاح، إلى اعتراف رسمي كامل. لكن ما وقع في كندا عام 1986، وما تبعه من محاكمات ومصادرات وتحقيقات، يكفي ليكشف أن لبنان الحرب لم يكن بعيدًا عن عالم مافيا مونتريال. كان حاضرًا في الباخرة، وفي الشاحنة، وفي الحشيش، وفي السلاح، وفي المال الذي عبر البحار قبل أن يقع بعضه في يد الشرطة.


 

الأخبار عبر البريد الإلكتروني

اشترك الآن لتصلك الأخبار إلى بريدك الإلكتروني