في لبنان، يكفي أن تُذكر كلمة “تفاوض” حتى تُفتح محاكم التخوين. لا يعود النقاش عن مصلحة البلد، ولا عن مصير القرى الجنوبية، ولا عن كيفية استعادة الأرض، ولا عن ضمانات تمنع عودة الحرب. فجأة يصبح السؤال نفسه جريمة، ويصبح البحث عن مخرج سياسي نوعاً من الضعف، وكأن المطلوب من اللبنانيين أن يبقوا أسرى النار، لا أن يسألوا من يشعلها ومن يطفئها.
ليست القضية أن يهرول لبنان إلى سلام بلا شروط، ولا أن يتنازل عن أرض أو سيادة أو كرامة. القضية أبسط وأخطر: هل يملك لبنان دولة تقرر باسمه، أم أن قراره ما زال موزعاً بين السلاح والشارع والخوف؟ وهل يجوز أن يبقى الجنوب معلّقاً بين حرب لا يختارها أهله وسلام لا يجرؤ أحد على تسميته؟
الذين يرفضون التفاوض يرفعون الصوت عالياً، لكنهم لا يقدمون خطة. ماذا بعد الصواريخ؟ ماذا بعد الردود والردود المضادة؟ ماذا بعد نزوح الناس وخراب البيوت وموت الاقتصاد؟ هل يكفي أن نقول “لا تفاوض” ثم نترك الحدود مفتوحة على المجهول؟ وهل الوطنية أن نمنع الدولة من الكلام، ونسمح للحرب بأن تتكلم وحدها؟
في المقابل، الذين يلمّحون إلى التفاوض لا يملكون شجاعة المصارحة. يتحدثون في الغرف المغلقة، يسرّبون رسائل إلى الخارج، ثم يخافون من الداخل. يريدون طاولة، لكنهم لا يريدون دفع ثمنها السياسي. وهكذا يبقى لبنان بين فريق يصرخ ولا يقدّم بديلاً، وفريق يهمس ولا يجرؤ على إعلان مشروعه.
التفاوض لا يعني الاستسلام. والاستسلام الحقيقي قد يكون في ترك مصير البلد خارج يد الدولة. فالدول لا تستعيد حقوقها بالصمت، ولا تحمي حدودها بالشعارات وحدها. تدخل إلى الطاولة وهي تعرف ماذا تريد: انسحاباً واضحاً، ضمانات أمنية، تطبيقاً جدياً للقرار 1701، عودة الأهالي إلى القرى، وقراراً لبنانياً واحداً لا قرارين.
أما تحويل كل نقاش إلى خيانة، فهو أسهل طريقة لقتل السياسة. وأسهل طريقة أيضاً لإبقاء الحرب معلّقة فوق رؤوس اللبنانيين. فالذين يخافون من التفاوض لا يخافون دائماً على لبنان، أحياناً يخافون من لحظة الحقيقة: لحظة تسأل فيها الدولة من يملك قرار الحرب، ومن يملك قرار السلام، ومن يدفع الثمن.
لبنان لا يحتاج إلى سلام مذل، ولا إلى حرب مفتوحة. يحتاج إلى دولة لا تخجل من حماية شعبها، ولا تخاف من تسمية الأشياء بأسمائها. الخيانة ليست في الجلوس إلى طاولة تفاوض بشروط وطنية واضحة. الخيانة قد تكون في إبقاء لبنان خارج الطاولة، بينما يقرر الآخرون مصيره فوقها.