الهدنة تنزف على حدود لبنان… وإسرائيل وحزب الله يختبران واشنطن بالنار
الحدث-كندا-خاص
في الساعات الأخيرة، لم يعد الكلام عن “هدنة” بين لبنان وإسرائيل سوى توصيف سياسي هشّ لواقع ميداني يزداد اشتعالًا. الجنوب اللبناني عاد إلى واجهة النار، والطائرات المسيّرة والصواريخ والغارات الإسرائيلية صارت اللغة الفعلية على الأرض، فيما تستعد واشنطن لجولة جديدة من المحادثات اللبنانية–الإسرائيلية في 14 و15 أيار/مايو، في محاولة تبدو محكومة بسباق قاسٍ بين الدبلوماسية والانفجار.
التطور الأخطر جاء مع إعلان الجيش الإسرائيلي، اليوم الاثنين 11 أيار/مايو 2026، مقتل جندي احتياط إسرائيلي جرّاء طائرة مسيّرة متفجرة في جنوب لبنان. وبحسب التقارير الإسرائيلية، فإن الهجوم يعكس تصاعد استخدام حزب الله للطائرات المسيّرة الهجومية، وخصوصًا تلك التي يصعب اعتراضها عندما تُدار بتقنيات مقاومة للحرب الإلكترونية. هذا التحول يعطي المواجهة بعدًا جديدًا: لم تعد الحدود مسرحًا تقليديًا لتبادل القصف، بل أصبحت ساحة اختبار لتكتيكات أكثر دقة وأعلى كلفة.
في المقابل، صعّدت إسرائيل ضرباتها خلال الأيام الأخيرة، مؤكدة أنها تستهدف مواقع وبنى تابعة لحزب الله في الجنوب، فيما تحدّثت تقارير عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف المدنيين والمسعفين. ووفق وكالة “رويترز”، قُتل سبعة أشخاص على الأقل، بينهم طفل، وأصيب 15 آخرون في غارة إسرائيلية على بلدة السكسكية في جنوب لبنان يوم 9 أيار/مايو، بينما قال الجيش الإسرائيلي إنه استهدف عناصر من حزب الله كانوا يخططون لهجمات ضد قواته، مع إقراره بوجود تقارير عن إصابات بين المدنيين وفتح مراجعة للحادث.
المشهد الأوسع يكشف أن وقف إطلاق النار الذي أُعلن في منتصف نيسان/أبريل لم ينجح في تثبيت قواعد واضحة. حزب الله يضغط عسكريًا على القوات الإسرائيلية في الجنوب، وإسرائيل ترد بضربات واسعة وتتمسك بمنطقة أمنية عازلة داخل الأراضي اللبنانية. وتقول تقارير صحفية إن الحزب كثّف هجماته بالصواريخ والمسيّرات قبل جولة المحادثات الجديدة في واشنطن، فيما تقول إسرائيل إنها ضربت عشرات المواقع التابعة له خلال الأيام الأخيرة.
لبنان، في هذه اللحظة، يقف بين ضغطين. من جهة، هناك إسرائيل التي ترفع سقف شروطها الأمنية وتربط أي تفاهم مستقبلي بضمانات فعلية ضد حزب الله. ومن جهة أخرى، هناك واقع داخلي لبناني عاجز عن فرض قرار الحرب والسلم بيد الدولة وحدها. هذه هي العقدة الحقيقية التي تجعل كل هدنة مؤقتة، وكل جولة تفاوضية معلّقة فوق دخان الجنوب.
الأميركيون يحاولون تحويل النار إلى ورقة تفاوض. وزارة الخارجية الأميركية قالت إن واشنطن ستسهّل جولة جديدة من المحادثات بين لبنان وإسرائيل في 14 و15 أيار/مايو، بهدف البحث في اتفاق أمني أكثر ثباتًا. لكن توقيت الجولة، قبل أيام من انتهاء الهدنة الحالية في 17 أيار/مايو، يجعلها أقرب إلى اختبار طارئ منه إلى مسار سلام ناضج.
وما يزيد خطورة المشهد أن لبنان لم يعد ملفًا منفصلًا عن الحرب الإقليمية الأوسع. فالرئيس الأميركي دونالد ترامب رفض، بحسب “رويترز”، الرد الإيراني على خطة سلام أميركية، فيما تضمّن الموقف الإيراني مطالب بوقف الحرب، وخصوصًا في لبنان، إلى جانب رفع العقوبات ومعالجة ملف مضيق هرمز. هذا الربط الإيراني بين لبنان والساحات الإقليمية يضع الجنوب اللبناني في قلب بازار كبير، حيث تُقاس الهدنة المحلية بحسابات طهران وواشنطن وتل أبيب.
في بيروت، تبدو الدولة اللبنانية أمام امتحانها الأصعب: كيف تطالب إسرائيل بوقف اعتداءاتها وانسحابها، وهي في الوقت نفسه مطالبة دوليًا بإثبات قدرتها على ضبط السلاح خارج مؤسساتها؟ رئيس الحكومة نواف سلام كان قد اعتبر الكلام عن لقاءات عالية المستوى مع إسرائيل سابقًا لأوانه، مشددًا على أولوية الترتيب الأمني قبل أي كلام سياسي أوسع، في وقت تتواصل فيه الضغوط الدولية لدفع لبنان نحو حصرية السلاح بيد الدولة.
الأكيد أن الجنوب يدفع الثمن أولًا. المدنيون، المسعفون، القرى الحدودية، والبيوت التي تحوّلت إلى خطوط تماس مفتوحة، هم الوجه الأكثر قسوة لهذه المعادلة. أما الكلام الدبلوماسي عن “اتفاق أمني” و“سلام قابل للتحقق” فيبقى ناقصًا ما دام الميدان يكتب يومياته بالدخان والدم والنزوح.
الخلاصة أن لبنان دخل مرحلة أخطر من الحرب المفتوحة والهدنة المعلنة معًا. لا سلام حقيقيًا يولد تحت المسيّرات، ولا دولة تستطيع استعادة دورها إذا بقي قرار النار موزعًا بين الحدود والعواصم. وبين غارة إسرائيلية وردّ من حزب الله واجتماع أميركي مرتقب، يتأرجح لبنان فوق حافة دقيقة: إما أن تتحول الهدنة إلى بداية ترتيب أمني جدي، أو تسقط نهائيًا وتفتح الباب أمام جولة أشد قسوة من التي سبقتها.
الأخبار بالفيديو

الأخبار عبر البريد الإلكتروني
اشترك الآن لتصلك الأخبار إلى بريدك الإلكتروني

