المفاوضات…لبنان: وقف النار اسرائيل:نزع سلاح حزب الله
الحدث-كندا
رؤوف نجم
في لقاء مباشر نادر رعته الولايات المتحدة في واشنطن، جلس ممثلان عن لبنان وإسرائيل إلى طاولة واحدة في محاولة لفتح مسار تفاوضي جديد يتجاوز إدارة الاشتباك اليومي على الحدود. لكن الاجتماع، على أهميته السياسية، كشف منذ لحظته الأولى عمق التباين بين أولويات الطرفين: لبنان يريد وقف النار وعودة النازحين، فيما تصر إسرائيل على جعل نزع سلاح حزب الله المدخل الإلزامي لأي تسوية لاحقة.
_____________________________________________________________
استضافت وزارة الخارجية الأميركية في واشنطن، الثلاثاء، اجتماعًا مباشرًا بين سفيرة لبنان لدى الولايات المتحدة ندى حمادة معوض وسفير إسرائيل لدى الولايات المتحدة يحيئيل ليتر، بحضور وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، ومستشاره مايكل نيدهام، والسفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى، في خطوة سياسية لافتة تعكس انتقال الملف اللبناني ـ الإسرائيلي إلى مرحلة أكثر حساسية ووضوحًا.
الاجتماع، الذي استمر نحو ساعتين، لم ينتهِ إلى اختراق سياسي حاسم، لكنه أرسى قاعدة جديدة قوامها الانتقال إلى مفاوضات مباشرة لاحقة في زمان ومكان يُتفق عليهما. ووفق البيان الصادر بعد اللقاء، فإن المحادثات كانت “مثمرة”، وتمحورت حول إطلاق مسار تفاوضي مباشر بين الجانبين، في وقت تبدو فيه واشنطن أكثر اندفاعًا لدفع الطرفين إلى إطار تفاوض بين دولتين، بدل الاكتفاء بإدارة التوتر عبر الوسطاء أو تفاهمات ميدانية هشة.
لكن أهمية الاجتماع لا تكمن فقط في انعقاده، بل في ما كشفه من تباين واضح في الأهداف. فلبنان دخل القاعة وهو يطالب بوقف إطلاق النار، ووقف الهجمات الإسرائيلية، وتهيئة الظروف لعودة السكان إلى المناطق المتضررة، فضلًا عن التخفيف من التداعيات الإنسانية للحرب. أما إسرائيل، فدخلت الاجتماع من زاوية مختلفة تمامًا، معتبرة أن أي حديث جدي عن الاستقرار لا يمكن أن يبدأ قبل معالجة مسألة حزب الله وسلاحه.
بهذا المعنى، كان اللقاء اختبارًا سياسيًا مباشرًا لحدود ما يمكن أن يقبله كل طرف. فبينما حاول الجانب اللبناني تثبيت أولوية التهدئة واحتواء آثار الحرب، تعاطت إسرائيل مع الاجتماع كفرصة لترسيخ معادلة جديدة عنوانها أن أمن حدودها الشمالية،يمر عبر تقليص نفوذ حزب الله وتجريده من القدرة العسكرية التي راكمها على مدى سنوات.
وفي هذا السياق، جاءت التصريحات الإسرائيلية بعد الاجتماع كاشفة بوضوح عن طبيعة المقاربة التي تحملها تل أبيب. فقد تحدث السفير الإسرائيلي عن “رؤية طويلة الأمد” لما يمكن أن تكون عليه العلاقة بين البلدين إذا جرى تجاوز ملف حزب الله، وذهب إلى حد الإيحاء بإمكان الوصول إلى ترتيبات أوسع مستقبلًا. غير أن هذا الكلام، مهما حمل من إشارات سياسية، لا يلغي حقيقة أن إسرائيل ما زالت تنظر إلى الميدان اللبناني من زاوية أمنية صرفة، وتتعامل مع أي مسار تفاوضي كأداة لفرض وقائع جديدة أكثر مما تتعامل معه كمدخل متوازن إلى تسوية متبادلة.
في المقابل، يدرك لبنان أن ذهابه إلى هذا النوع من الاجتماعات لا يأتي من موقع قوة. فالدولة اللبنانية تدخل التفاوض فيما الجنوب مثقل بالدمار، والنازحون ينتظرون العودة، والبلاد تعيش تحت ضغط أمني وسياسي واقتصادي هائل. لذلك بدا المطلب اللبناني واضحًا ومباشرًا: وقف النار أولًا، لأن أي كلام آخر يبقى معلقًا ما دامت الغارات مستمرة وما دام الجنوب مفتوحًا على الاحتمالات كلها.
المعطيات التي تسرّبت عن أجواء التحضير للاجتماع أظهرت أيضًا أن واشنطنتعاملت مع الاجتماع كجزء من محاولة أوسع لإعادة رسم قواعد الاشتباك السياسي في لبنان. فالإدارة الأميركية تسعى، من جهة، إلى ضمان هدوء طويل الأمد على الحدود الشمالية لإسرائيل، ومن جهة أخرى إلى دعم موقع الدولة اللبنانية في مواجهة واقع السلاح الخارج عن سلطتها. ومن هنا، كان التشدد الأميركي على أن أي تفاهم لوقف الأعمال العدائية يجب أن يتم بين الحكومتين اللبنانية والإسرائيلية مباشرة، لا عبر مسارات موازية أو قنوات غير رسمية.
فالتشديد الأميركي يحمل في طياته رسالة مفادها ان لبنان عليه تثبيت مرجعية الدولة كشريك رسمي في المفاوضات. غير أن هذه المقاربة، على وضوحها النظري، تصطدم بواقع لبناني بالغ التعقيد، حيث لا تزال الدولة عاجزة عن الإمساك الكامل بقرار الحرب والسلم، وحيث يبقى ملف حزب الله نقطة الانقسام الداخلية الأكثر حساسية وخطورة.
لذلك، فإن ما جرى في واشنطن هو بداية مسار شائك وطويل. فالهوة بين موقف لبنان وموقف إسرائيل لا تزال واسعة، والولايات المتحدة، رغم اندفاعها، لا تملك وحدها قدرة فرض تسوية جاهزة إذا لم تتوافر شروطها الميدانية والسياسية.
وبالتالي، فإن اجتماع واشنطن فتح بابًا كان موصدًا منذ زمن، لكنه لم يبدد التناقضات الأساسية. لبنان جاء يطلب وقف النار وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وإسرائيل جاءت لتفاوض من موقع الضغط العسكري والسياسي، فيما حاولت واشنطن أن تجمع الهدفين في مسار واحد. أما النتيجة الفعلية حتى الآن، فهي أن التفاوض بدأ، لكن الطريق إلى أي اتفاق لا يزال محفوفًا بالألغام، فالسؤال يبقى هل المطلوب تهدئة ميدانية مؤقتة، أم إعادة صياغة كاملة للواقع الأمني والسياسي على الحدود وفي الداخل اللبناني؟
الأخبار بالفيديو

الأخبار عبر البريد الإلكتروني
اشترك الآن لتصلك الأخبار إلى بريدك الإلكتروني


