كندا واستراليا..القيم واحدة والخوف واحد

رؤوف نجم
لا يمكن لإنسانٍ حرّ أن يقف صامتًا أمام المجازر. الصمت هنا ليس “حيادًا” بل تخلٍّ عن الحدّ الأدنى من الواجب الأخلاقي. وكما انتقدنا “داعش” حين استهدف المدنيين، وكما انتقدنا إسرائيل حين خرجت ردودها عن حدود القانون والإنسانية، لا يمكننا اليوم إلا أن نُدين ونستنكر الهجوم الإرهابي الدنيء الذي ضرب الجالية اليهودية في احتفال ديني على شاطئ بوندي في سيدني، لأنّه استهدافٌ للإنسان قبل أي توصيف آخر.
فبحسب ما أوردته وكالة رويترز، فتح مسلّحان النار خلال فعالية حانوكا قرب شاطئ بوندي، ما أدى إلى سقوط 16 قتيلًا وإصابة أكثر من 40 شخصًا، بينهم طفلان وشرطيان، فيما قُتل أحد المنفذين في المكان وأُصيب الآخر بجروح خطرة.
وتتحدث تقارير عن العثور على رايات لتنظيم “الدولة الإسلامية” داخل سيارة مرتبطة بالمنفذين ، كما أشارت تغطيات إلى وجود عبوات بدائية الصنع قرب الموقع أو في المركبة، في إطار تحقيقات ما بعد الهجوم.
تقول رويترز إن منفذي الهجوم أب (50 عامًا) وابنه (24 عامًا) وفق ما تداولته وسائل إعلام محلية، وإن الأب كان يحمل أسلحة مسجّلة رسميًا.
أما بخصوص “سيرة” كل منهما: فقد دخل الأب إلى أستراليا عام 1998 بتأشيرة دراسية تحولت لاحقًا إلى إقامة، من دون أن تُفصِح التقارير عن تفاصيل التخصص الذي قدم لأجله.
وبحسب تغطيات إعلامية أسترالية، كان الابن في سن 24 عامًا، وجرى توصيفه بأنه عاطل عن العمل وعمل سابقًا في مجال البناء. وتشير رويترز إلى أن أجهزة الاستخبارات كانت قد “راجعت” ملف الابن عام 2019 بشأن شبهات ارتباط بالتطرف، لكنها لم تعتبره “تهديدًا مباشرًا” في ذلك الوقت.
منذ الساعات الأولى، انتشرت على وسائل التواصل صورةٌ قديمة تجمع الابن بأحد المعلّمين في مؤسسة تُقدّم دروسًا في اللغة العربية وتلاوة القرآن. وتقول تغطيات صحفية إن المعلّم كان قد نشر في شباط/فبراير 2022 تعليقًا يصف فيه الابن بأنه “أحد طلابي الأعزاء” بعد اجتياز دروس القراءة والتجويد، قبل أن يعود اليوم ليُدين الهجوم ويتبرأ منه.
وهنا يجب الفصل بوضوح بين الاستغلال الدعائي وبين القرائن القضائية: صورةٌ قديمة أو منشورٌ تربوي لا يثبت وحده علاقة تنظيمية أو تحريضًا، لكنه يفتح سؤالًا مشروعًا عن المتابعة، وعن فجوات “الإنذار المبكر” عندما تظهر مؤشرات تطرف ثم تُترك لتتراكم.
وبمنطق الدولة الديمقراطية، لا يجوز اتهام كل المدارس أو المعاهد الدينية بالتحريض على الإرهاب، كما لا يجوز توزيع الاتهامات يمينًا ويسارًا لمجرد الانتماء الديني أو الخلفية الثقافية. في المقابل، لا يجوز أيضًا تمييع المسؤوليات: إذا ثبتت صلاتٌ تنظيمية أو شبكاتُ تجنيد أو تمويل أو تحريض، فالمحاسبة يجب أن تكون صارمة ومحددة المصدر وفق القانون—لا وفق الغضب ولا وفق التعميم.
ولأن ما حدث في سيدني يذكّر بأن المجتمعات المفتوحة، والتي تفخر بالحرية وحقوق الأقليات، قد تتحول إلى هدفٍ سهل إذا اجتمع عاملان: خطاب كراهية يتغذى على الاستقطاب، وثغرات متابعة أمنية-اجتماعية، تترك “المشتبه بهم” خارج الرادار بعد أول إشارات الخطر.
وفي كيبيك تحديدًا، حيث تتداخل نقاشات العلمانية والهوية والهجرة في مساحة سياسية حساسة، يبقى الخطر الأكبر هو أن تُستغل أي مأساة لتأجيج معاداة السامية أو الإسلاموفوبيا أو أي كراهية أخرى، فتتآكل الثقة بين مكوّنات المجتمع بدل أن تُبنى.
المطلوب ليس خطابًا عقابيًا ضد جماعة بعينها، بل مقاربة وقائية شاملة فالتشديدٌ الأمني المدروس مطلوب في فترات الأعياد والفعاليات الكبرى، وتطوير برامج الاندماج والحماية من التطرف يجب ألا تقتصر على الوافدين الجدد بل تمتد أيضًا إلى من وُلدوا هنا ونشأوا في بيئات قد يخترقها مُحرِّضون، مع مراقبة أي محتوى يُروّج للعنف في مؤسسات خاصة، دينية كانت أم غير دينية، وفق معايير واضحة وشفافة تحمي الحرية وتمنع تحويلها إلى غطاءٍ للتحريض.
وتجدر الاشارة الى المواطن العربي من اصل سوري ويدعى احمد الاحمد هو من هاجم المسلح الارهابي وجرده من السلاح وقد اصيب بأربع او خمس رصاصات بيده وقد تحول الى بطل قومي. اذن الهدف ليس معركة “دين ضد دين”، ولا “مهاجر ضد مجتمع”، بل انه معركة مجتمعٍ يريد أن يبقى مفتوحًا لانه في حاجة الى مهاجرين، ولكنه ايضاً يريد ان يكون آمنًا دون ان يُساوم على كرامة الضحايا، ولا ان يسمح للكراهية، أيًا كان مصدرها، أن تُعيد تشكيل قيمه.
alhadath.ca
الأخبار بالفيديو

الأخبار عبر البريد الإلكتروني
اشترك الآن لتصلك الأخبار إلى بريدك الإلكتروني




