اللعب جزء من استراتيجية ترامب الطويلة الامد ضد إيران
بقلم خالد صفير
على مدى ما يقارب نصف قرن، كانت إيران واحدة من أكثر القوى تأثيراً وإثارةً لعدم الاستقرار في الشرق الأوسط. فمن خلال شبكة واسعة من الوكلاء تمتد من لبنان وسوريا إلى العراق واليمن، استطاعت طهران أن تبسط نفوذها خارج حدودها، وأن تمارس تأثيراً إقليمياً واسعاً مع تجنب المواجهة العسكرية المباشرة.
ولسنوات طويلة، تجنبت الإدارات الأمريكية المتعاقبة، مع استثناءات محدودة، الدخول في مواجهة شاملة مع إيران، وذلك بسبب قدرتها على تهديد مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة في العالم. فأي صراع واسع كان من شأنه أن يرفع أسعار النفط إلى مستويات خطيرة، ويهدد الاقتصاد العالمي بأكمله.
إلا أن دونالد ترامب اختار نهجاً مختلفاً تماماً.
يرى كثيرون أنه رجل متهور أو لا يمكن التنبؤ بتصرفاته، أما أنا فأرى العكس. أعتقد أن عدم قابليته للتنبؤ هو جزء مقصود من استراتيجيته. فهو يستخدم خطاباً لا يقل حدة عن الخطاب الإيراني، بل يتجاوزه أحياناً، ليعطي انطباعاً بأنه مستعد للذهاب إلى أقصى الحدود. لكن عند النظر إلى ما وراء التصريحات، يظهر نمط مختلف تماماً.
فبدلاً من خوض حرب شاملة وحاسمة، يبدو أن ترامب يعتمد سياسة التصعيد التدريجي والمدروس. يتم توجيه ضربة عسكرية، فتتلقى إيران خسارة جديدة، ثم عندما تبدأ أسعار النفط بالارتفاع إلى مستويات قد تضر بالاقتصاد العالمي، يتم تهدئة التصعيد. تستقر الأسواق، وتنخفض أسعار الطاقة، وتعود المفاوضات، ثم تبدأ دورة الضغط من جديد.
ومن وجهة نظري، فإن هذا ليس أمراً عشوائياً، بل يمثل جوهر الاستراتيجية. فالتحكم بإيقاع التصعيد، مع منع حدوث صدمة طويلة الأمد في أسواق الطاقة، يسمح للولايات المتحدة بالحفاظ على الاستقرار الاقتصادي، وفي الوقت نفسه بمواصلة الضغط الاستراتيجي على إيران. وبذلك تصبح أسعار النفط ليست مجرد نتيجة للحرب، بل أحد أهم أدوات إدارة الصراع.
وفي الوقت نفسه، تتجاوز هذه الاستراتيجية الجانب العسكري. فهي تدفع دول الخليج إلى الإسراع في إنشاء خطوط أنابيب ومسارات تصدير بديلة تقلل الاعتماد على مضيق هرمز، كما تدفع الدول الأوروبية إلى إدراك أن أمن طرق الطاقة العالمية ليس مسؤولية الولايات المتحدة وحدها، بل هو مصلحة أوروبية مباشرة أيضاً.
وفي المقابل، تراجع النفوذ الإقليمي الإيراني بصورة ملحوظة. فقد تعرضت أذرعها ووكلاؤها لضربات متتالية. تراجعت قدرة حزب الله في لبنان على خوض حرب واسعة، ولم تعد سوريا تشكل العمق الاستراتيجي الذي كانت تمثله سابقاً، كما تقلص نفوذ الميليشيات الموالية لإيران في العراق، وواجه الحوثيون صعوبات في تحقيق أهدافهم الاستراتيجية. ورغم أن إيران ما زالت تمتلك بعض أوراق القوة، فإن هامش حركتها أصبح أضيق بكثير مما كان عليه.
وربما يكون التحول الأهم هو عامل الزمن. فعلى مدى سنوات، اعتمدت طهران على كسب الوقت، بانتظار تغير الإدارات في واشنطن وعودة سياسة أكثر مرونة تجاهها. أما اليوم، فأعتقد أن الزمن أصبح يعمل لمصلحة ترامب. فإيران تواجه ضغوطاً اقتصادية متزايدة، وعزلة إقليمية متنامية، وتراجعاً مستمراً في قدرتها على فرض نفوذها خارج حدودها.
سواء اتفق المرء مع دونالد ترامب أو اختلف معه، فإنني أعتقد أن استراتيجيته تستحق دراسة أعمق مما تحظى به حالياً. فهي لا تقوم على تحقيق نصر عسكري سريع، بل على استنزاف الخصم تدريجياً، مع إدارة دقيقة للتداعيات الاقتصادية والسياسية.
وفي تقديري، فإن هذه سياسة بالغة الذكاء. وإذا استمرت على النهج نفسه، فأعتقد أن لديها فرصة كبيرة لتحقيق هدفها النهائي، وهو تقليص قدرة إيران على تهديد المنطقة، وعزل النظام الإيراني تدريجياً، حتى يصبح أقل تأثيراً وأقل أهمية بكثير مما كان عليه خلال العقود الأربعة الماضية
الأخبار بالفيديو

الأخبار عبر البريد الإلكتروني
اشترك الآن لتصلك الأخبار إلى بريدك الإلكتروني


