الأب جورج حبيقة… ستة عقود من الصداقة والبحث عن لبنان الآخر
أندريه قصاص
ليس سهلاً أن يكتب المرء عن صديق يعرفه منذ ما يقارب ستين عاماً. فحين تمتد الصداقة إلى هذا الزمن الطويل، تصبح الكلمات أكثر صعوبة، لأن الذاكرة لا تختزن فقط محطات مشتركة، بل تختزن أيضاً تحولات الإنسان، وتطور أفكاره، ومساراً طويلاً من التجربة والتأمل.
والأب البرفسور جورج حبيقة بالنسبة لي ليس شخصية تعرفت إليها في مرحلة متقدمة من الحياة، بل صديق رافقني منذ سنوات الشباب، منذ كنا معاً في كنف الرهبانية اللبنانية المارونية. ومنذ ذلك الزمن البعيد، كانت بيننا صداقة تجاوزت حدود الصداقة العادية، واستمرت على رغم تبدّل الظروف وتباعد المسافات واختلاف المسؤوليات.
ولذلك، عندما أتحدث اليوم عن الدور الذي يقوم به الأب جورج حبيقة، النائب العام في الرهبانية اللبنانية المارونية والرئيس الفخري لجامعة الروح القدس – الكسليك، لا أتحدث فقط عن رجل دين أو أكاديمي أو مسؤول جامعي، بل عن إنسان عرفتُه على مدى عقود، وراقبتُ كيف انتقلت اهتماماته من سؤال إلى آخر، من دون أن يفقد البوصلة الأساسية التي طبعت مسيرته: الإنسان، والآخر، ولبنان. ولعل أكثر ما يلفت في تجربته الفكرية والإنسانية هو نظرته إلى الآخر المختلف.
ففي زمن تتقدم فيه الهويات المغلقة، ويزداد فيه العالم انقساماً بين جماعات تبحث عن حماية خصوصياتها عبر الانغلاق، تبدو دعوة الأب حبيقة إلى اللقاء مع الآخر المختلف أكثر أهمية من أي وقت مضى.
فالآخر بالنسبة إليه ليس تهديداً للهوية، ولا خصماً ينبغي إلغاؤه، ولا مجرد شخص نختلف معه في الدين أو الثقافة أو الرأي. الآخر هو، قبل كل شيء، فرصة لاكتشاف الذات، لأن الإنسان لا يعرف نفسه بالكامل إلا من خلال علاقته بالآخر.
وهذه الفكرة ليست بالنسبة إلى الأب حبيقة شعاراً أكاديمياً أو عنواناً لمؤتمر. إنها جزء من مسار فكري طويل، ومن إيمان بأن لبنان، بما هو عليه من تعدد وتنوع، يستطيع أن يقدم للعالم تجربة مختلفة في كيفية إدارة الاختلاف.
وهنا نصل إلى مفهوم أكثر اتساعاً يلازم مقاربته: الهويات المتعددة والمواطنة المتمايزة.
فلبنان ليس مجتمعاً أحادي الهوية، ولا يمكن اختزاله في هوية واحدة تلغي ما عداها. هويته، تاريخياً وحضارياً وإنسانياً، تشكلت من طبقات متعددة، دينية وثقافية ولغوية واجتماعية، تفاعلت في ما بينها وأنتجت خصوصية لبنانية يصعب اختصارها بتعريف واحد.
لكن الاعتراف بتعدد الهويات لا يعني، في المقابل، تحويل المجتمع إلى جزر منفصلة.
وهنا تكمن أهمية مفهوم المواطنة المتمايزة: أن يحتفظ الإنسان بخصوصيته وهويته وانتمائه، من دون أن تتحول هذه الخصوصية إلى حاجز أمام انتمائه إلى وطن جامع، أي أن يكون اللبناني مارونياً أو أرثوذكسياً أو كاثوليكياً أو مسلماً أو درزياً، وأن يحمل في الوقت نفسه هوية وطنية مشتركة لا تلغي هويته الخاصة ولا تسمح لها بإلغاء الآخرين. وهذا، في جوهره، هو أحد أصعب الأسئلة التي تواجه النموذج اللبناني.
فلبنان لم يكن يوماً مجتمعاً يقوم على التشابه، بل على إدارة الاختلاف. والمشكلة لم تكن في التعدد بحد ذاته، بل في عجز السياسة أحياناً عن تحويل هذا التعدد من مصدر توتر إلى مصدر قوة.
ومن هنا تكتسب نظرة الأب حبيقة إلى النموذج التوافقي اللبناني وتحديات العولمة التي تواجهه أهمية خاصة.
فالعولمة لم تجعل العالم أكثر تشابهاً بالضرورة. على العكس، أظهرت الحاجة إلى حماية الخصوصيات الثقافية والروحية، ولكن من دون العودة إلى الانغلاق. وفي هذا العالم المتحرك، يستطيع لبنان أن يقدم نموذجاً قائماً على التعايش بين المختلفين، شرط أن يتطور هذا النموذج من مجرد تسوية بين الجماعات إلى ثقافة مواطنة حقيقية. وهنا تحديداً أرى أن دور الأب حبيقة يتجاوز حدود الرهبانية والجامعة.
فالجامعة، في نظره، ليست مكاناً لمنح الشهادات فقط، والرهبانية ليست مؤسسة تعنى بالحياة الروحية وحدها. كلاهما يمكن أن يكون مساحة لبناء الإنسان، وتعليمه كيف يفكر، وكيف يحاور، وكيف يختلف من دون أن يتحول اختلافه إلى خصومة.
وقد يكون هذا أحد الأسباب التي جعلت جامعة الروح القدس – الكسليك تحتفظ بمساحة واسعة للحوار الفكري والثقافي، وبحضور يتجاوز حدود الاختصاصات الأكاديمية.
لكنني، عندما أكتب عن الأب جورج حبيقة، لا أريد أن أكتب فقط عن موقعه أو مسؤولياته أو إنجازاته. أريد أن أكتب عن الصديق الذي أعرفه منذ ستة عقود.
أعود في ذاكرتي إلى تلك السنوات الأولى في كنف الرهبانية اللبنانية، عندما كانت الحياة أبسط، وكانت الأحلام أكبر من الإمكانات. يومها لم نكن نعرف إلى أين ستأخذنا الأيام، ولا كنا نتصور أن الصداقة التي بدأت بين شابين ستستمر كل هذه العقود.
لكن بعض الصداقات لا تحتاج إلى أسباب كي تستمر. إنها تكبر مع الزمن، وتتغير من دون أن تفقد جوهرها، وتتحول من صداقة الشباب إلى علاقة تقوم على الاحترام والذاكرة المشتركة ومراقبة مسيرة كل واحد منا.
واليوم، وأنا أتابع ما يقوم به الأب جورج حبيقة من أدوار فكرية وأكاديمية وكنسية، أشعر أنني أرى امتداداً لذلك الإنسان الذي عرفته في بداياته، ولكن مع تجربة أغنى ومسؤوليات أكبر وأفق أوسع.
ولعل أجمل ما يمكن أن يقال في رجل بعد هذه العقود كلها هو أن المسافة بين الإنسان الذي عرفته والإنسان الذي أصبح عليه لم تغيّر جوهره.
لقد بقي مؤمناً بأن الحوار أقوى من الانغلاق، وأن الاختلاف لا يلغي الشراكة، وأن الهوية لا تحتاج إلى إلغاء الآخر كي تحافظ على وجودها.
وفي زمن يزداد فيه العالم بحثاً عن نماذج جديدة للتعايش، قد يكون لبنان، بكل تناقضاته وصعوباته، أمام فرصة لإعادة اكتشاف ما يملكه من تجربة.
لكن هذه الفرصة لا تتحول إلى نموذج إلا إذا انتقل اللبنانيون من مجرد التعايش بين الهويات إلى المواطنة بين المواطنين. وهذا تحديداً ما يجعل أفكار الأب جورج حبيقة جديرة بالتوقف عندها.
فهي لا تتحدث عن لبنان كما هو فقط، بل عن لبنان كما يمكن أن يكون: بلداً لا يخاف من تعدده، ولا يخشى الآخر، ولا يطلب من أبنائه أن يتخلوا عن خصوصياتهم كي يكونوا مواطنين، بل يحوّل هذه الخصوصيات إلى عناصر غنى داخل وطن واحد.
بعد ما يقارب ستين عاماً من الصداقة، لا أحتاج إلى مناسبة لأقول إنني أعتز بهذه الصداقة. لكنني أحتاج إلى هذه المساحة لأقول إنني أعتز أيضاً بما اختار صديقي الأب جورج حبيقة أن يكرّس له جزءاً كبيراً من حياته: الإنسان قبل الانتماء، والحوار قبل القطيعة، والاختلاف بوصفه غنى، ولبنان بوصفه مساحة ممكنة للقاء بين المختلفين. وهذه، في نهاية المطاف، ليست مهمة رجل واحد. إنها مهمة لبنان كله. وهنا يكمن التحدّي.
الأخبار بالفيديو

الأخبار عبر البريد الإلكتروني
اشترك الآن لتصلك الأخبار إلى بريدك الإلكتروني

