اكتشاف ملكوت الله في عكار

Last Updated: أغسطس 6, 2026Categories: أخبار لبنان, رئيس التحرير, كتاب الموقع

الحدث-كندا

رؤوف نجم

جريس… والملكوت 
لو سألني أحدهم متى بدأت أعرف جريس، لما استطعت أن أحدد تاريخاً. فبعض الأصدقاء لا تدخل حياتهم في يوم معين، بل تشعر أنهم كانوا فيها دائماً.
أكثر من أربعين عاماً ونحن نتحاور. نتفق أحياناً، ونختلف كثيراً، لكننا لا نتخاصم. السياسة والدين والتربية والفلسفة… كلها كانت وقود جلساتنا. كنت أظن أن جريس يحب النقاش لأنه يحب الانتصار، ثم اكتشفت مع الزمن أنه كان يناقش لأنه كان يبحث، والباحث الحقيقي لا يشبع من الأسئلة. ولعل سر ذلك يعود إلى طفولته.
كان يقضي أجمل أيامه في بيت جده في الزواريب، تلك القرية الصغيرة في عكار التي كانت تبدو، في ذاكرة طفل، أكبر من العالم كله.
لم يكن البيت فخماً؛ غرفتان، دار تتوسطهما، سطيحة، غرفة للحبوب، وأخرى للمونة. لكن البيت لم يكن هو المكان… بل ما كان يحيط به.

هناك كروم العنب الأسود والعبيدي، وبزاز الكلبة، والعمكشاني، والجوزاتي، والمراوحي، وعنب المديويرة. وهناك التين الشتوي والعدلوني والكعيبي والبويضي والسويدي والشبيلي، وخوخ الدب، وخوخ بنت العرب، والتفاح المغيزلي، والتوت الشامي والأبيض، والمشمش “بوريحة”. وفي أسفل الوادي كانت الساقية تجري بهدوء، فيما تتشابك شجيرات العليق على ضفتيها.
أما جدته، فكانت تزرع الورد بين “العزق” والآخر، والعزق هو الجلّ باللهجة العكارية، ثم تجمع بتلاته لتصنع منها شراب الورد. وكانت شجرة الزيزفون تمد أغصانها حتى النوافذ، فيدخل عبيرها إلى الغرف قبل أن يدخل الضوء.
كان كل شيء في الزواريب يوحي بأن الطبيعة لا تعرف الضجيج، وأن السلام ليس فكرة، بل أسلوب حياة.
في تلك الأيام كانت القرية كلها تقريباً من الروم الأرثوذكس، قبل أن تستقبل رجلين مارونيين قدما من سوريا، فاحتضنهما أهلها دون أن يسأل أحد عن أصلهما أو منطقتهما. كانت القرية تعرف معنى الانتماء قبل أن تعرف معنى الاختلاف.
ثم حدث ما لم يكن يتوقعه أحد.
وصل شهود يهوه إلى الزواريب. وخلال أشهر قليلة، انقسمت القرية. أصدقاء جريس في المدرسة صاروا من أتباع الجماعة الجديدة، فأخذ يقضي معظم وقته معهم.
لم يكن انجذابه إليهم دينياً بقدر ما كان فكرياً. كان يريد أن يفهم.
سألهم ذات يوم:
— لماذا انضممتم إلى شهود يهوه؟
أجابوه بحماسة:
— لأننا ننتظر ملكوت الله.
سألهم:
— وما هو ملكوت الله؟
قالوا:
— جنة عدن… حيث السعادة والسلام.
ساد الصمت لحظة.
ثم رفع جريس رأسه، ونظر إلى كروم العنب التي كانت تلامس الأفق، وإلى شجرة التين، وإلى الزيزفون الذي كان عطره يملأ المكان، وقال بكل براءة:
— وهل توجد في جنة عدن أشجار تين؟
قالوا: نعم.
— وكروم عنب؟
— نعم.
— وورود؟
— نعم.
ابتسم، ثم سأل السؤال الذي لم يعرفوا كيف يجيبون عنه:
— وهل تصل رائحة الزيزفون إلى النوافذ مع نسمة المساء؟
صمتوا.
عندها قال جملته التي بقيت ترافقه طوال حياته:
إذاً… لماذا نبحث عن الملكوت بعيداً؟ أنا أعيش فيه منذ ولدت.”
في العام التالي، ترك شهود يهوه.
لكن المفاجأة أن خروجه منهم لم يكن نهاية البحث، بل بدايته.
ذهب إلى الشيوعيين والقوميين، لا لأنه صار شيوعياً أو قوميا، بل لأنه كان يظن أن الحقيقة ربما تقيم هناك.
ثم اكتشف أن الأيديولوجيات، مهما اختلفت، تشترك في أمر واحد: أنها تقدم أجوبة جاهزة، بينما كان هو يحب الأسئلة أكثر من الأجوبة.
ومرت السنوات. صار أستاذاً في التربية، وخبيراً في التدريب والتعليم، لكن شيئاً واحداً لم يتغير: ذلك الطفل الذي كان يرفع يده دائماً ليسأل “لماذا؟”.
واليوم، بعد كل تلك العقود، أحياناً أنظر إليه وهو يناقش بحماس، فأبتسم.
أدرك أن جريس لم يكن طوال حياته يبحث عن دين جديد، ولا عن حزب جديد، ولا عن نظرية جديدة.
كان يبحث عن ذلك السلام الأول الذي عرفه وهو في الثانية عشرة من عمره، يوم ظن أن ملكوت الله هو مكان. ثم اكتشف، بعد رحلة طويلة، أن الملكوت ليس مكاناً يُهاجر إليه الإنسان…
بل حالة يفقدها عندما يظن أن الحقيقة موجودة دائماً عند الآخرين، وينساها في داخله. وربما لهذا السبب، كلما كبرنا، ازدادت الضيعة جمالاً في ذاكرتنا.
ليس لأن أشجارها كانت أجمل من سائر الأشجار…بل لأننا كنا يومها نرى العالم بعيون لم تكن قد تعلمت بعدُ أن تشك في الجنة.

الأخبار عبر البريد الإلكتروني

اشترك الآن لتصلك الأخبار إلى بريدك الإلكتروني