رؤوف نجم

يبدو واضحاً أن رئيس الولايات المتحدة الأميركية يتصرّف كمن يرى أن الخطر الأكبر يكمن في في أنظمة تتغذّى من مفردات ‏الديمقراطية كي تُفرغها من معناها: انتخابات تُدار كطقسٍ شكلي، مؤسسات تُستخدم كواجهات، وحقوق تُستعار كزينة ثم تُكسر عند ‏أول اختبار. هو يتعامل مع هذا النوع من “الشرّ” بوصفه فيروساً يتسلّل من داخل اللغة نفسها: يتظاهر بالشرعية ليصادرها، ‏ويستعير فكرة الدولة ليحوّلها إلى أداة قمع‎.‎

فنزويلا تقدّم مثالاً صارخاً على ذلك. بلدٌ يملك ثروات تكفيه ليعيش بكرامة، لكنّه انتهى إلى طوابير، وهجرة، وخوفٍ مزمن. ‏هناك تُصادر السياسة و يُصادر رغيف الخبز، الدواء، القدرة على الاعتراض، وحتى الحق في أن يحلم الإنسان بلا عقاب. فحين ‏تتحوّل الدولة إلى شركة أمنية وتجارية شخصية، يصبح المواطن عبئاً، الكرامة تفصيلاً‎.‎

يجب اعتبارفنزويلا مثلاً لإيران والدول التي تشبهها أو تدور في مدارها. الرسالة ليست تهديداً لفظياً ولا عرضاً للقوة فقط، بل ‏هي تذكير بأن العالم ليس مسرحاً مفتوحاً للأقسى والأمهر في الابتزاز. من يراهن على الصراخ وحده، وعلى الوكلاء، وعلى ‏سياسة الاختباء وراء الشعارات، ينسى أن القوة الحقيقية تُقاس بالقدرة على الفعل عند اللحظة الحاسمة، لا بعدد الخطب ولا ‏بارتفاع النبرة. هناك فرق بين من يلوّح وبين من يقطع الطريق على الخراب قبل أن يصبح عادة‎.‎

وأميركا في هذا المشهد، كما يريدها ترامب، تُقدَّم باعتبارها حارساً لمنظومة قيم عالمية: إنسانية، وديمقراطية، وقابلة للحياة. نعم، ‏لأميركا مصالح، كما لكل دولة كبيرة مصالح، لكن السؤال الذي يتجنّبونه عادة هو: أي مصالح أخطر على الشعوب؟ مصالح دولةٍ ‏تُخضعها للضغط السياسي والإعلامي وتُحاسَب داخل مؤسساتها، أم مصالح طغمةٍ تحكم بالنار والحديد، وتعتبر الشعب مادة خاماً: ‏يُساق إلى الفقر حين يلزم، ويُساق إلى الحرب حين يلزم، ويُساق إلى الصمت دائماً؟

وحين تُرمى أميركا بتهمة الاستعمار والسيطرة، يتناسى كثيرون أن البديل الذي يصفّقون له في السرّ ليس “تحرراً” بل انحدارٌ إلى ‏نموذجٍ أبشع قد يكون حاكماً يحتكر الحقيقة، ويجعل الدولة مزرعةً، والناس قطعاناً، والبلاد ساحة اختبار لجنون السلطة. من هنا ‏يبدو الحديث عن “جمهوريات الموز” وصفاً لواقعٍ لا نكتةً سياسية فالأنظمة التي تُدير شعوبها بعقلية العصا والرصاصة، وتُلبس ‏القهر ثياب الوطنية، وتُسمّي الفشل مؤامرة، وتحوّل الحياة اليومية إلى امتحان بقاء هي جمهوريات موز وباعة خضار يحكمونها‎.‎

في هذا السياق يُعتبر ترامب إنه “يرتب العالم” لا “يعيد ترتيبه”. والفرق عميق. فإعادة الترتيب قد تعني إعادة توزيع الأدوار على ‏الأشرار أنفسهم بوجوهٍ جديد ةو تدوير للنظام نفسه، وزينة مختلفة لخرابٍ قديم. أمّا الترتيب، كما يتبدّى في هذا أسلوب ترامب ، ‏فيعني تثبيت قواعد أبسط جديدة. فمن يدمّر الداخل لا يقدَّم شريكاً ، ومن يبني مجده على كسر الناس لا يُعامل كطرفٍ طبيعي، ‏ومن يتستر بالدستور ليقتل روح الدستور يُجبر على دفع الثمن لا على قبض المكافأة‎.‎

الترتيب هنا ليس وعداً بعالمٍ مثالي انه محاولة جدية من رئيس الولايات المتحدة لفتح نافذة واقعية مبنية على الاعتماد على سواعد ‏ووجوه أقل تلوّثاً قدر ما تسمح به الظروف، وإعادة الاعتبار لفكرة أن الشر لا يصبح شرعياً بمجرد أنه عرف كيف يكتب خطابه ‏بلغة “الدولة”. المعنى النهائي واضح: العالم لا يحتاج إلى ضجيجٍ إضافي، بل إلى ميزانٍ أوضح بين من يحمي الإنسان ومن ‏يستعمله، بين من يبني دولةً قابلة للعيش ومن يبني سجناً واسعاً ثم يطلب من الجميع التصفيق‎.‎

alhadath.ca