«سهرية» مونتريال قيلولة فنية في الغربة لاستمرار الحياة
الحدث-كندا

رؤوف نجم
عند فتح الستار، عاد الزمن ثلاثة وخمسين عاماً إلى الوراء، إلى العام 1973، سنة ولادة المطران ميلاد جاويش، راعي مسرحية «سهرية» لزياد الرحباني التي عُرضت على مسرح Desilets في CEGEP Marie-Victorin في مونتريال، مساء السبت 21 آذار 2026. وقد وصفها مطران كندا للروم الملكيين ميلاد جاويش في كلمته، بأنها العمل الأول والأخير لزياد الرحباني على أسلوب الرحابنة، قبيل تحوّله نحو تلك المساحة التي جمعت بين الجنون والعبقرية.

أعادت المخرجة ماري تريز سلهب إحياء هذه «السهرية» ونقلتها إلى الحضور ولكنها بالحقيقة نقلت الجمهور إلى مسرح بقنايا – جل الديب، او إلى مسرح الأورلي، حيث خُيّل إلينا أن جوزف صقر وجورجيت صايغ ومروان محفوظ يجسّدون الأدوار من جديد. لقد نجحت سلهب، بالتعاون مع الفنان القدير إيلي مسعد، في توظيف خبرتهما لنقل العمل بكل تفاصيله، حتى أدقّها، فبدا العرض وكأنه إعادة خلق حيّة للنصّ الأصلي.

أما اللوحات الراقصة، فجاءت نتيجة تعاون متناغم بين نبيل ناكوزي و حنا ضرغام، وبيار موسى، حيث أضفت تصاميم الرقص حيوية خاصة على العرض، وأدّت الفرقة الرقصات بجمالية لافتة، وكأنها قادمة مباشرة من لبنان، لتُمتع الحضور بلوحات نابضة بالإيقاع على الحان زياد. وبلغت تصاميم الأزياء التي قدّمتها ماري تنوري مستوى راقياً، حتى بدا المسرح كحديقة ألوان تتراقص فيها الورود وتحوم حولها الفراشات.

امتلأ المسرح بالحضور، وعند السابعة وخمس وثلاثين دقيقة، فُتح الستار على «قهوة نخلة التنين» في إحدى القرى اللبنانية حيث تدور الجكاية حول نخلة التنين، المطرب القديم الذي بدأ يشعر بالتعب بسبب ثقل العمر، فيسعى للبحث عن بديل يحيي السهرات مكانه. واذ يمرّ شاب موهوب يستمع إليه نخلة بإعجاب، لكنه يتردّد خوفاً على مكانته. تتعقّد الأحداث خاصة حين تقع ابنة نخلة، ياسمينه، في حبّ هذا الشاب، فيرفض الأب في البداية، قبل أن يرضخ في النهاية، موافقاً على زواجهما ومسلمًا له القهوة.

تتوالى أحداث المسرحية على وقع ألحان زياد الرحباني الكلاسيكية، وتتخللها لوحات راقصة أغنت العرض، ليعيش الحاضرون على مدى ساعتين ونصف تجربة مشبعة بالحنين والذاكرة.
هذا العمل المسرحي، الذي احتضنته كاتدرائية المخلّص برعاية المطران ميلاد جاويش وعميد الكاتدرائية الأب ربيع أبو زغيب،كان مناسبة للتأكيد ان العمل الجماعي الاغترابي يمكنه ان ينجح اذا تجرد من الفردية وتوفرت له الامكانات مثلما فعل أبناء الكنيسة الملكية وسائر أبناء الجاليات الشرقية. لقد ساهم الجميع، كلٌّ بحسب طاقته، في إنجاح هذا العمل، بدافع المشاركة الصادقة في فعل جماعي يحمل في طياته اريج النجاح من خلال المشاركة والالتزام الطوعي.

ويكفي أن نتأمّل وجوه الحاضرين لنلمس ذلك الفرح العميق، رغم الحزن الذي يملأ القلوب والألم غير الظاهر وراء النظرات على ما يعيشه لبنان والشرق الأوسط، فالهدوء هناك اصبح حلماً قد يصبح مؤجلاً الى الابد اذ ان تاريخه لم يعرف سوى الويلات . لقد كانت الساعتان والنصف قيلولة فنية ضرورية وواجبة لاستعادة النشاط من اجل الاستمرار في رحلة الغروب الطويلة، فالحياة لا تتوقف.
في نهاية العرض قدم سيادة المطران جاويش هدية تقديرية للمخرجة ماري تريز سلهب وايضا قدم الاب ربيع ابو زغيب شهادة تقدير باسم الكاتدرائية لكل اعضاء الفرقة.
الأخبار بالفيديو

الأخبار عبر البريد الإلكتروني
اشترك الآن لتصلك الأخبار إلى بريدك الإلكتروني

