الانتخابات النيابية حاصلة…ولكن بأي ثمن سياسي؟

Last Updated: فبراير 14, 2026Categories: Uncategorized, أخبار لبنان, كتاب الموقع

​اندريه قصاص

هل قصد رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون بقوله إن مجلس النواب هو الذي يقرّر إذا ما كان سيتمّ إجراء الانتخابات النيابية في موعدها أو تأجيله تقنيًا أن الرئيس نبيه بري هو الذي يقرّر في هذا الأمر؟

فإذا كان مجلس النواب هو من يقرّر فإنه من المفترض أن تكون أولى هذه الخطوات بالتئامه بهيئته العامة لكي يستطيع أن يقرّر، سلبًا أو إيجابًا، في هذه المسألة، التي تُشغل الداخل والخارج، خصوصًا أنه لم يبقَ سوى ثلاثة أشهر للموعد الذي حدّدته وزارة الداخلية والبلديات من حيث المبدأ لإجراء هذا الاستحقاق تطبيقًا للدستور، مع الإعلان عن كامل استعداد الدوائر المعنية في الوزارة لمواكبة هذه الانتخابات لوجستيًا واداريًا وأمنيًا.

فالمجلس، كما هو معروف، لا يلتئم في عقده الاستثنائي إذا لم توجّه إليه دعوة من رئيسه. وهنا تكمن عقدة المنشار، التي يبدو حتى هذه الساعة أنها مستعصية على الحلّ. فالرئيس بري ثابت على موقفه، ومصرٌّ على عدم دعوة النواب إلى جلسة عامة لمناقشة أي تعديل ممكن على القانون الحالي، الذي لا يرى سواه نافذًا حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.

ووفق المعلومات المستقاة من أجواء بعض المحيطين بمركزية القرار في “عين التينة” فإن أي دعوة لن توجّه إلى المجلس إلا إذا تمّ التوافق السياسي بين مختلف الكتل على تأجيل الاستحقاق الانتخابي تقنيًا لمدّة شهرين، ووفق القانون النافذ من دون إدخال أي تعديل على القانون الحالي، ولاسيما المادة 112 منه، خصوصًا إذا تبيّن أن إجراء هذه الانتخابات متعذّر في أيار المقبل.

وحيال هذا اللغط تتعدّد الآراء والتوقعات والتحليلات، ويُلاحظ أن ثمة تقاربًا، ولو في الشكل، بين أوساط وزارية من غير الجهة التي تؤيد وجهة نظر الرئيس بري وأوساط نيابية تميل إلى مقاربة “عين التينة”، على إنّ الانتخابات النيابية ستُجرى في موعدها في أيار المقبل. لكن الخلاف الجوهري، على ما يبدو، ليس على المواعيد، بل على الطريقة، التي ستُجرى فيها هذه الانتخابات، في ظلّ إصرار الرئيس بري على أن لا بديل عن القانون الحالي النافذ، فيما لا تزال “المعارضة النيابية” مصممة على إشراك المغتربين في عملية الاقتراع لنوابهم الـ 128.

ومن هنا تحديدًا تبدأ لعبة المخارج. فالمأزق ليس دستوريًا بقدر ما هو سياسي بامتياز. الدستور لا يمنع إجراء الانتخابات، ولا يفرض تأجيلها، بل يضع المهلة ويترك للسلطة السياسية مسؤولية التنفيذ. وبالتالي فإن أي مخرج لن يكون قانونيًا صرفًا، بل تسوية سياسية تُلبَس لبوسًا دستوريًا.

فالمخرج الأول، في رأي بعض الخبراء الدستوريين، يتمثّل في الإبقاء على القانون الحالي كما هو، وإجراء الانتخابات في موعدها، مع تفسير إداري – تقني للمادة 112 المختلف عليها بما يسمح بمشاركة المغتربين من دون تعديل تشريعي مباشر. هذا الخيار يحفظ ماء وجه الجميع. فيبقى الرئيس بري على موقفه من دون الإفساح في المجال أمام أي تعديل القانون، فيما تنال “المعارضة حدًا أدنى من مطلبها. لكن هذا الأمر يتطلب جرأة تنفيذية من الحكومة واستعدادًا لتحمّل طعون سياسية وقضائية محتملة.

وثمة مخرج ثان، وهو التأجيل التقني المحدود، الذي يجري تسويقه على أنه ضرورة لوجستية لا سياسية. فشهران إضافيان يمنحان القوى السياسية فرصة التفاهم على آلية اقتراع المغتربين. غير أن هذا الخيار يحمل مخاطرة واضحة، إذ لا يوجد في لبنان شيء اسمه تأجيل تقني مضمون السقف. فكل تمديد صغير يفتح شهية اللاعبين على تمديد أكبر، خصوصًا إذا ارتبط بالوضع الإقليمي المتقلّب.

أما المخرج الثالث، وهو الأكثر واقعية وإن كان الأقل إعلانًا، فيقوم على صفقة سياسية شاملة، بحيث تكون الانتخابات مقابل سلّة تفاهمات أوسع تتصل بتوازنات المرحلة المقبلة. في هذه الحالة لا يعود النقاش حول مادة قانونية، بل حول شكل السلطة بعد الانتخابات. وعندها يصبح موعد الاستحقاق تفصيلًا داخل مشهد إعادة توزيع النفوذ.

لكن لبّ المشكلة أن الوقت لا يعمل لصالح أحد. فكل يوم يمرّ من دون دعوة المجلس إلى الانعقاد يضيّق هامش المناورة. والداخل المأزوم اقتصاديًا، والخارج المراقب بقلق، لا يحتملان رفاهية لعبة الرقص على حافة الهاوية. فالانتخابات لم تعد مجرّد استحقاق دستوري دوري، بل تحوّلت إلى اختبار لقدرة الدولة على احترام مواعيدها، ولقدرة الطبقة السياسية على إدارة خلافاتها ضمن المؤسسات لا خارجها.

وفي النتيجة النهائية لا بدّ من طرح سؤال جوهري وأساسي، وهو: هل ستُجرى الانتخابات، وبأي ثمن سياسي؟ لأن التجربة اللبنانية تقول إن الاستحقاقات لا تسقط، لكنها لا تمرّ أيضًا إلا بعد أن يدفع الجميع كلفة التسوية. وما يجري اليوم ليس سوى مفاوضات مبكرة على فاتورة ذلك العبور..alhadath.ca

الأخبار عبر البريد الإلكتروني

اشترك الآن لتصلك الأخبار إلى بريدك الإلكتروني