لبنان منهك بين الحرب والانهيار
الحدث-كندا

اندريه قصاص
ما بين 27 تشرين الثاني من العام 2004 وبين 1 آذار من العام 2026 فاصل زمني لم تستطع الحكومة خلاله من التقاط أنفاسها، فبقيت حركتها مكبّلة بقرارات اتخذتها وُجهت بمعادلة “بلّوها واشربوا ميتها”، في ظل أزمة اقتصادية خانقة من دون أن تستطيع الخروج منها بأقل ضرر ممكن انعكس تدهورًا حادّا في القدرة الشرائية لليرة اللبنانية، والذي كان له تأثير سلبي على الحياة المعيشية للبنانيين، مع تزايد الحاجة إلى مساعدات من الخراج لردم الهوة بين واقع مأزوم وتطلعات بقيت من دون تحقيق، ووعود بإعادة إعمار ما هدّمته إسرائيل في حربها الأولى ردًّا على حرب إسناد غزة.
ولم تكد حكومة “الإصلاح والإنقاذ” خطوة خطواتها الأولى بعد سنة من المراوحة القاتلة حتى فاجأها “حزب الله” بفتح حرب جديدة ثأرًا لاغتيال المرشد الأعلى السابق للثورة الإسلامية في إيران السيد علي خامنئي، فأدخل لبنان في حرب عبثية جديدة لن تكون نتائجها السلبية أفضل من سابقاتها من حروب لم تقدّم ولم تؤخّر شيئًا في المعادلات الداخلية والإقليمية القائمة على توازنات الردع المتبادل.
إلاّ أن ما يدعو إلى القلق المتزايد والمتصاعد هو أن افق أي حل ممكن للخروج من دوامة هذه الحرب العصفة غير متوافرة ظروفها، إذ أن كلًا من إسرائيل و”حزب الله” يصرّان على الذهاب إلى أبعد مدى من حرب يتحمّلان معًا مسؤولية اندلاعها في هذا الشكل الهستيري والمجنون، فيما السلطة في لبنان تقف على مسافة متوازية بين الموقف الكلامي غير المقرون بأي نتيجة، وبين عدم القدرة على التأثير على مجريات ما يدور على أرضها.
ما يراه كثيرون هو أن كلفة هذه الحرب تفوق بما تتركه من خسائر بشرية ومادية أضعافًا مضاعفة عن الحروب السابقة. وإذا كانت الحكومة لم تستطع أن تلملم آثار الحرب السابقة فإنها ستجد نفسها حتمًا غير قادرة حتى على إحصاء الخسائر قبل الكلام عن قدرتها على إعادة عقارب الساعة إلى ما قبل الثامن من أكتوبر. فكلفة هذه الحرب ستكون، على ما يبدو من مؤشراتها الأولية، باهظة جدًّا، وسيكون لها انعكاسات سلبية وخطيرة على اللبنانيين، الذي سيجدون أنفسهم متروكين ووحيدين في ساحة مليئة بالتناقضات والسلبيات، مع عجز دائم ومتراكم.
ولا تقتصر تداعيات هذه الحرب على حجم الدمار الذي خلّفته وتتركه الغارات الإسرائيلية في القرى والبلدات الجنوبية والبقاعية، بل تمتدّ أيضًا إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير. فلبنان، الذي لم يخرج أصلًا من تداعيات الانهيار المالي الذي أصابه منذ العام 2019، يجد نفسه اليوم أمام ضربة جديدة تصيب ما تبقى من اقتصاده المتهالك. فالاستثمارات التي كانت تنتظر حدًّا أدنى من الاستقرار السياسي والأمني تبخّرت، والموسم السياحي الذي كان يُعوَّل عليه لإنعاش الدورة الاقتصادية تلقّى ضربة قاسية، فيما تتسع رقعة الفقر والبطالة في بلد يعاني أصلًا من واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية في تاريخه الحديث.
وفي موازاة هذا الواقع الاقتصادي الصعب، يزداد المشهد السياسي الداخلي تعقيدًا. فالدولة اللبنانية، بمؤسساتها الدستورية والعسكرية، تبدو أكثر عجزًا من أي وقت مضى عن الإمساك بزمام المبادرة. فقرار الحرب والسلم لا يزال خارج إطارها، فيما يقاتل “حزب الله” انطلاقًا من حسابات تتجاوز الساحة اللبنانية إلى اعتبارات إقليمية مرتبطة بالصراع الدائر بين إسرائيل وإيران. وبين هذين المسارين، يجد لبنان نفسه مرة أخرى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات، فيما تقف السلطة الرسمية عاجزة عن التأثير في مسار الأحداث أو حتى عن حماية ما تبقّى من استقرار داخلي هش.
أما الأخطر في كل ما يجري فهو أن اللبنانيين باتوا يشعرون بأن بلدهم يُستدرج مرة جديدة إلى حرب طويلة لا يملكون قرارها، ولا القدرة على تحمّل كلفتها. فالمجتمع المنهك اقتصاديًا واجتماعيًا يقف اليوم أمام واقع قاتم، حيث تتقدّم لغة السلاح على لغة الحلول الممكنة، وتعلو حسابات الصراع الإقليمي على مصالح اللبنانيين الذين لم يجنوا من الحروب المتلاحقة سوى المزيد من الدمار والهجرة واليأس.
فلبنان اليوم يبدو وكأنه عالق بين حرب لا يملك قرار وقفها، وانهيار اقتصادي لم ينجح حتى الآن في الخروج منه. وبين هذين المسارين المتوازيين، يدفع اللبنانيون مرة أخرى الثمن الأغلى، فيما يبقى السؤال الكبير معلّقًا: إلى متى سيبقى هذا البلد الصغير ساحة لحروب الآخرين، بدلًا من أن يكون دولة قادرة على حماية شعبها ومصالحه؟
alhadath.ca
الأخبار بالفيديو

الأخبار عبر البريد الإلكتروني
اشترك الآن لتصلك الأخبار إلى بريدك الإلكتروني

