لبنان يحتاج قرارا لا خطابا

Last Updated: مارس 3, 2026Categories: أخبار لبنان, كتاب الموقع

الحدث-كندا

رؤوف نجم
لبنان يحتاج قرارًا واضحًا: الانخراط الفعلي في مسار المفاوضات والتسويات
لم يعد مقبولًا التعامل مع ملف السلام حسب المزاجية السياسية أو الطرح النظري المؤجل بانتظار أن تربح إيران الحرب أو أن توافق إسرائيل على وقف النار، فيتحول الدمار انتصارًا والخراب كرامة.
الواقع اللبناني اليوم، اقتصاديًا وأمنيًا وماليًا، يفرض مقاربة مختلفة، وهي الاشتراك الفعلي والمباشر في عملية سلام تفضي إلى تسويات حدودية واضحة واستقرار طويل الأمد.
فلبنان ليس في موقع يسمح له بإدارة صراع مفتوح. فالدولة منهكة، والمؤسسات تعمل بحدها الأدنى، والاقتصاد فقد عناصر الحماية الأساسية. في ظل هذا الوضع، فإن استمرار منطق «الساحة المفتوحة» يعني عمليًا إبقاء البلد في حالة استنزاف دائم وإنهاءه فعليًا. المطلوب الانتقال من منطق الاشتباك الداخلي بالوكالة إلى منطق الدولة التي تحدد أولوياتها بوضوح.
إن تجربة ترسيم الحدود البحرية أظهرت أن التفاوض الواقعي يحمي الحقوق أكثر مما يحميها الخطاب التصعيدي. والبديل عن السلام ليس الكرامة الوطنية كما يقول بعضهم، بل تثبيت الحدود البرية والبحرية بشكل نهائي، بما يحقق إزالة الذرائع العسكرية الدائمة مباشرة، وحماية الاستثمارات المستقبلية، والحفاظ على البنى التحتية، وتثبيت الاستقرار في الجنوب بصورة قابلة للاستمرار. فالدولة التي تملك حدودًا مرسّمة بوضوح تملك قدرة أكبر على ضبط الأمن الداخلي والخارجي، أما الحدود الملتبسة فتبقى مادة اشتعال.
إن الانخراط في عملية سلام لا يعني الاصطفاف مع طرف ضد آخر، بل يعني تثبيت مبدأ واحد: أن قرار الحرب والسلم يصبح حصرًا بيد الدولة، وهذا جوهر السيادة.
لبنان اليوم يدفع ثمن غياب هذا المبدأ. فكل جولة تصعيد إقليمي تنعكس مباشرة على الداخل اللبناني، من دون أن تكون مؤسسات الدولة صاحبة القرار. ولا يمكن بناء اقتصاد، ولا استعادة ثقة عربية أو دولية، في ظل معادلة سلاح موازٍ يقرر متى وكيف يدخل البلد في مواجهة.
اليوم، تعتبر الولايات المتحدة استقرار الجنوب اللبناني جزءًا من منظومة أمن شرق المتوسط، وتدعم الجيش اللبناني كمؤسسة شرعية. والمطلوب أن يكون القرار تعزيز سيادة الدولة والعمل على تأمين الدعم السياسي الخارجي لها، وهو دعم كان متوفرًا ويمكن إعادة تفعيله.
وعلى لبنان اليوم، قبل الغد، أن يبادر إلى إعلان التزام صريح بمسار سلام وتسويات حدودية شاملة، كي يضع نفسه في موقع الشريك لا في موقع الساحة. والشراكة تعني دعمًا اقتصاديًا، ومظلة سياسية تحمي الاستقرار، وانفتاحًا استثماريًا طويل الأمد.
البديل عن السلام ليس «الكرامة الوطنية»، بل استمرار هشاشة الدولة. لا يمكن تجاهل ميزان القوى الإقليمي والدولي، ولا الاستمرار في الرهان على صراعات مفتوحة. فالواقعية السياسية تفرض الاعتراف بأن الاستقرار هو المدخل الوحيد لأي تعافٍ اقتصادي.
المطلوب موقف وطني صريح يقول إن مصلحة لبنان تكمن في إنهاء حالة الاشتباك المزمن. فلا يكفي انتظار تسويات كبرى بين العواصم؛ لبنان يجب أن يكون جزءًا من صياغة مستقبله، لا متلقيًا لنتائج صراعات الآخرين.
الانخراط الفعلي في عملية سلام ليس شعارًا، بل قرار سياسي، وتفاوض جدي، وضمانات دولية، وإعادة ترتيب الداخل على قاعدة الدولة الواحدة.
لبنان يحتاج اليوم إلى وضوح لا إلى خطابات. يحتاج إلى تثبيت حدوده، وتحصين استقراره، وإعادة إدماجه في النظام الدولي كدولة كاملة السيادة. هذا الخيار ليس مثاليًا، لكنه الخيار الممكن والضروري إذا كان الهدف حماية البلد من دورة صراعات لا تنتهي.

الأخبار عبر البريد الإلكتروني

اشترك الآن لتصلك الأخبار إلى بريدك الإلكتروني