اسرائيل تنتظر الفرصة لاعلانها: المنطقة العازلة تتثبت تحت النار
الحدث-كندا

رؤوف نجم
المنطقة العازلة في جنوب لبنان: واقع يتقدّم بصمت
ليست كل التحولات في الحروب تُعلن. بعضها يتسلّل بهدوء، يتراكم على الأرض قبل أن يظهر على الخرائط. ما يجري اليوم في جنوب لبنان ينتمي إلى هذا النوع من الوقائع: مسار يتشكّل تدريجيًا، من دون تسمية رسمية، لكن بنتائج باتت واضحة في الميدان.
في موازاة ذلك، يبرز نمط واضح في الاستهداف. الضربات التي تطال الطرق والبنى التحتية والمرافق الحيوية لا تُفهم فقط في سياق الرد العسكري، بل ضمن مسار أوسع يهدف إلى تغيير طبيعة البيئة نفسها. المسألة تتجاوز تحييد مواقع محددة، لتصل إلى جعل المنطقة أقل قابلية للحياة وأكثر قابلية للضبط الميداني.
على الأرض، يتكرّر إيقاع عملياتي لافت: تقدم محدود، تمشيط، ثم إعادة تموضع. هذا النمط لا يعكس اجتياحًا شاملًا، ولا انسحابًا كاملاً، بل محاولة تثبيت نفوذ عبر السيطرة النارية المستمرة. ومع تكرار هذه العمليات، تتكوّن تدريجيًا مساحة فاصلة بين طرفين، حتى من دون إعلان حدود واضحة لها.
هذه المعطيات تلتقي مع مؤشرات إضافية: تفريغ القرى القريبة من الخط الأزرق، تدمير متدرّج للبنية، وتوسّع نطاق الاشتباك نحو عمق أكبر داخل الأراضي اللبنانية. النتيجة هي شريط جغرافي يتغيّر تدريجيًا، لا بفعل قرار سياسي معلن، بل بفعل تراكم ميداني يومي.
في المقابل، تُدار المواجهة من الجهة الأخرى بمنطق مختلف. التركيز ينصب على منع تثبيت هذا الواقع. الكمائن والضربات الموضعية تستهدف القوات المتقدمة، وتهدف إلى إبقاء الأرض في حالة عدم استقرار دائم، بحيث لا تتحول السيطرة المؤقتة إلى وضع ثابت. إنها معركة على الزمن بقدر ما هي على الجغرافيا.
ما يتشكل اليوم لا يحمل تسمية رسمية، لكنه يملك خصائص واضحة: منطقة شبه خالية من السكان، خاضعة لرقابة نارية مستمرة، ومفتوحة لعمليات عسكرية متقطعة. هذا الواقع يقترب كثيرًا من مفهوم “المنطقة العازلة”، حتى وإن لم يُعتمد سياسيًا أو قانونيًا.
الامتناع عن الإعلان ليس تفصيلاً تقنيًا. تثبيت منطقة عازلة رسميًا يعني التزامًا طويل الأمد، ويفتح الباب أمام تعقيدات قانونية وسياسية، أبرزها الارتباط بالقرار 1701 واحتمال توسّع المواجهة. لذلك يُترك الواقع ليفرض نفسه تدريجيًا، من دون خطوة رسمية ترفع السقف أو تقيّد الحركة.
في الداخل اللبناني، لم يعد هذا التحول بعيدًا. انعكاساته باتت ملموسة، ليس فقط في الجنوب، بل في المزاج العام أيضًا. توسّع نطاق الضربات، ووصولها في بعض الأحيان إلى أطراف العاصمة، ألغى فكرة المسافة الآمنة، وربط مصير الداخل بما يجري على الحدود بشكل مباشر.
المحصلة حتى الآن تشير إلى مسار يتقدم ببطء وثبات. الوقائع تتراكم، والخطوط تُعاد رسمها تدريجيًا، من دون إعلان نهائي. في هذا النوع من الحروب، لا يُفرض الواقع دفعة واحدة، بل يُبنى على مراحل، إلى أن يصبح التراجع عنه أكثر كلفة من تثبيته.
بهذا المعنى، المنطقة العازلة في جنوب لبنان لم تُعلن بعد، لكنها تتشكّل على الأرض. واقع يتقدّم بصمت، ويعيد رسم الجغرافيا تحت وقع النار.
الأخبار بالفيديو

الأخبار عبر البريد الإلكتروني
اشترك الآن لتصلك الأخبار إلى بريدك الإلكتروني

