من عكار إلى مونتريال… زياد نادر يقود INTELCAN الكندية إلى قلب صناعة سلامة الطيران
الحدث-كندا
رؤوف نجم
في زيارة خاصة لموقع الحدث-كندا الاخباري إلى شركة INTELCAN في مونتريال، بدا واضحًا أن الحديث لا يدور عن شركة تقنية عادية، بل عن مؤسسة تعمل في واحد من أكثر القطاعات حساسية ودقة في العالم: سلامة الطيران والملاحة الجوية. هناك، بين أقسام التصميم والبرمجة والتطوير، يبرز اسم المهندس اللبناني الأصل زياد إبراهيم نادر، ابن عكار، الذي اختار منذ تخرجه أن يراهن على مشروعه الخاص بدل الاكتفاء بوظيفة مريحة، فبنى مع شقيقه مروان مسارًا مهنيًا أوصل شركتهما إلى موقع متقدم في هذا القطاع شديد التخصص.
في مونتريال، حيث تتقاطع الهجرة مع الطموح وتلتقي الخبرة بالفرصة، حمل لقاء “الحدث-كندا” مع رئيس شركة INTELCAN ومديرها التنفيذي المهندس زياد إبراهيم نادر معان كثيرة. فلم يكن الأمر مجرد مقابلة مع رجل أعمال ناجح، بل دخولًا إلى عالم صناعي وتقني بالغ الدقة، عالم تُصمَّم فيه أنظمة لا تحتمل الخطأ، لأن وظيفتها في نهاية المطاف ترتبط بأمان الطائرات، وسلامة الهبوط، وموثوقية الإرشاد الملاحي في أصعب الظروف.
خلال الجولة في أقسام الشركة، بدا أن ما بنته INTELCAN على مدى عقود لم يأتِ من فراغ. فالشركة الكندية، التي تتخذ من مونتريال مقرًا لها، تعمل في مجال أنظمة الملاحة والاتصالات والمراقبة الجوية وإدارة الحركة الجوية والبنية التحتية التقنية للمطارات. وهي لا تكتفي بتوفير حلول تقنية جاهزة، فهي تجمع بين التصنيع والتطوير والدمج والتشغيل، ما يجعلها حاضرة في سلسلة العمل كاملة، من الفكرة الأولى إلى الخدمة النهائية لدى العميل.
ما يلفت في تجربة الشركة، كما ظهر خلال اللقاء، أنها ليست فقط مجرد مزوّد لمعدّات أو برمجيات، فهي تعتبر نفسها شريكاً مباشراً في بناء أنظمة تشغيل حساسة للمطارات وهيئات الطيران ومزودي خدمات الملاحة الجوية. هذا البعد العملي ظهر بوضوح في طريقة عرض الأقسام المختلفة داخل الشركة، حيث يتداخل العمل الهندسي مع البرمجة، والاختبار مع التهيئة، والتصنيع مع المتابعة الميدانية.
وبحسب ما أكده المهندس زياد نادر خلال حديثه مع “الحدث-كندا”، فإن INTELCAN تُعدّ من بين عدد محدود جدًا من الشركات العالمية العاملة في تصنيع أجهزة الهبوط الآلي للطائرات، وهي ثلاث شركات فقط في العالم تعملن في هذا المجال، وهذه الأنظمة تساعد على تحديد مسار الهبوط والمدرج بدقة حتى في ظل ظروف طبيعية ومناخية صعبة.
ويعتبر نادر ان ميزة شركته الاساسية هي العلاقة المباشرة مع العملاء، إذ تتولى الإدارة والفرق التقنية التواصل المباشر مع الجهات المستفيدة، بدل الاكتفاء بحلقات بيروقراطية أو وسطاء تقنيين، الأمر الذي يسرّع المعالجة ويمنح الزبون تفاعلًا أكثر قربًا مع الجهة المصممة والمنفذة.
في هذه النقطة بالذات، يظهر الطابع العائلي-المهني للشركة في أفضل صوره. فزياد نادر لا يكتفي بادارة الشركة من خلف مكتب إداري ، بل هو من يصمم الآلات وأجهزة البث، بينما يتولى شقيقه مروان نادر جانب البرمجة. هنا لا نتحدث عن إدارة منفصلة عن المختبر، ولا عن مجلس تنفيذي بعيد عن أرض العمل، بل عن تجربة تأسست أصلًا على شغف شخصي مبكر بالإلكترونيات، ثم تحولت مع الزمن إلى مشروع صناعي وتقني عالمي.
ويقول المقربون من مسيرة نادر إن هذا الشغف لم يكن عابرًا. فمنذ الصغر، كان مولعًا بالإلكترونيات، مهتمًا بالتفاصيل التقنية، مشدودًا إلى فكرة الابتكار أكثر من الاكتفاء بما هو جاهز. وعند التخرج، لم يختر الطريق الأسهل. رفض مناصب ووظائف كانت متاحة له، وفضّل أن يسلك طريقًا أكثر صعوبة ومخاطرة: أن يبني شركته الخاصة، وأن يراهن على المعرفة والخبرة والرؤية الطويلة النفس. هذا القرار، الذي قد يبدو في بدايته مغامرة شخصية، تحول مع السنوات إلى قصة نجاح كندية ذات جذور لبنانية واضحة.
ولعل ما يعطي هذه القصة بعدًا إضافيًا هو أن بطلها ينتمي إلى عكار، تلك المنطقة اللبنانية التي كثيرًا ما ارتبط اسمها بالتهميش أكثر مما ارتبط بسرديات النجاح العالمي. من هناك، خرج شاب شغوف بالإلكترونيات، ليجد نفسه بعد سنوات على رأس شركة تعمل في مجال من أدق مجالات التكنولوجيا المرتبطة بالطيران. وبين نقطة البداية هذه وما آلت إليه الشركة اليوم، تختصر التجربة معنى آخر للهجرة اللبنانية الناجحة: ليست فقط هجرة بحث عن الاستقرار، بل أيضًا هجرة معرفة ومبادرة وبناء مؤسسات.
أما على المستوى المهني، فتظهر INTELCAN كشركة تتعامل مع قطاع لا يقبل التساهل. فهي تنشط في أنظمة إدارة الحركة الجوية، وأجهزة الهبوط الآلي، وأجهزة قياس المسافة، ومحطات البث والاستقبال الخاصة بالمراقبة الجوية، إلى جانب أنظمة معلومات الطقس والسلامة ورسائل الطيران والمراقبة والتحكم عن بُعد. وكل ذلك يضعها في صلب عمل المطارات وهيئات الطيران، حيث تكون الدقة، والاستمرارية، والتوافق مع المعايير الدولية، شروطًا لا يمكن تجاوزها.
وفي جولة “الحدث-كندا” داخل الشركة، لم يكن الانطباع محصورًا بالمعدات والأنظمة فقط، بل بطبيعة الثقافة المهنية نفسها. هناك وضوح في توزيع الأدوار، وارتباط مباشر بين القرار الهندسي والتنفيذ التقني، وإحساس بأن المشروع لم يفقد روحه الأولى رغم توسعه. وربما هذا ما يفسر حفاظ الشركة على صورة مختلفة في طريقة التعامل مع السوق: ليس فقط بيع منتج، بل مواكبة العميل، وفهم حاجته، وتكييف الحلول وفق متطلبات الميدان.
قصة زياد نادر وشقيقه مروان ليست مجرد قصة نجاح فردية تُروى على سبيل الإعجاب، بل نموذج عن قدرة الكفاءات اللبنانية في كندا على الدخول إلى صناعات متقدمة جدًا، وفرض حضورها فيها ليس كموظفين فحسب، بل كمؤسسين وصنّاع قرار ومبتكرين. وفي زمن تكثر فيه الروايات عن خسارات لبنان ونزيف طاقاته، تأتي مثل هذه التجارب لتقول إن اللبناني حين تتاح له البيئة المناسبة، لا يكتفي بالاندماج، بل يذهب أبعد من ذلك: يبني، ويطوّر، ويقود.
هكذا، لا تبدو INTELCAN مجرد شركة كندية ناجحة في قطاع الطيران، بل أيضًا مرآة لقصة أوسع: قصة علمٍ تحوّل إلى مشروع، وشغفٍ تحوّل إلى صناعة، وجذور لبنانية بقيت حاضرة في صميم تجربة وصلت إلى فضاء دولي بالغ التخصص. ومن عكار إلى مونتريال، ومن حب الإلكترونيات في الصغر إلى تصنيع أنظمة ترتبط بأمان الطائرات حول العالم، يثبت زياد نادر أن بعض الأحلام لا تكبر فقط، بل تتخذ شكل مؤسسات.
الأخبار بالفيديو

الأخبار عبر البريد الإلكتروني
اشترك الآن لتصلك الأخبار إلى بريدك الإلكتروني



