ما سرّ هذا “التناغم” بين رئيس الحكومة و”حزب الله”؟

اندريه قصاص
بأسرع من البرق تلقف الأمين العام لـ “حزب الله” الشيخ نعيم قاسم الزيارة، التي قام بها رئيس الحكومة نواف سلام للجنوب، والتي اعتبرها كثيرون “فلكورية” بامتياز، والتي جاءت كعرفان للجميل على تعويم حكومته ومنعها من السقوط في امتحان الموازنة العامة، والتي جاء إقرارها بأكثرية هزيلة بفضل أصوات نواب “الثنائي الشيعي”.
وفي ما يشبه “التناغم السياسي”، أن لم نقل “الغزل السياسي”، جاءت مواقف الشيخ قاسم “ملطّفة” نسبيًا قياسًا إلى مواقفه التصعيدية السابقة، والتي استعمل فيها مفردات جديدة في المصطلحات الوطنية كـ “طويلة على رقبتكم”، ومطالبته الحكومة بالعودة عن “خطيئتها الكبرى” في ما خصّ موضوع “حصرية السلاح”.
فبعد تعويم الحكومة بأصوات “الثنائي الشيعي”، وبعد زيارة “الرصاص الخلبي” للجنوب، يبدو أن “حزب الله”، واستنادًا إلى المؤشرات السياسية والمواقف المعلنة في الأيام الأخيرة، بدأ الانتقال، ولو ظاهريًا، من مرحلة المواجهة المفتوحة مع الدولة اللبنانية إلى مرحلة “تنظيم الخلاف” معها، في مقاربة تقوم على إدارة النزاع وضبط التباينات بدلًا من تفجيرها، وفق ما نُقل عن رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون من أنه على تفاهم تام مع “حارة حريك” في ما له علاقة بالأهداف، وإن كان الخلاف لا يزال قائمًا على وسائل التطبيق للوصول إلى الأهداف ذاتها.
وهذا الاتجاه بدا واضحًا في تبدّل نبرة الخطاب العام للشيخ نعيم قاسم تجاه الحكومة، والانفتاح على التعاون الذي بدأ في الملفات الخدماتية والإنمائية، خصوصًا أن أوساطًا سياسية مقرّبة من “حارة حريك” تضع هذا “التناغم السياسي” بين سلام و”حزب الله” في خانة تهيئة الأجواء الملائمة لتأسيس مرحلة جديدة قد تتبلور أكثر إذا ما لمس “الحزب” جدّية في قِبل رئيس الحكومة في موضوع إعادة الاعمار، واستبدال تعبير “حصرية السلاح” بتعبير “احتواء السلاح” في شمال الليطاني.
وفي رأي مصادر وزارية تعارض هذا النهج الجديد لرئيس الحكومة أن اعتماد تعبير “احتواء” في خطة الجيش في مرحلتها الثانية بدلًا من تعبير “حصرية” يعني بالمفهوم السياسي والوطني نسف ما قام به الجيش من إنجازات في جنوب الليطاني على رغم استمرار تشكيك الجانب الأميركي في لجنة “الميكانيزم” بهذه الإنجازات.
وإذا كانت علاقة “الحزب” برئيس الجمهورية لها خصوصية معينة فإن هذه العلاقة مع رئيس الحكومة ستسلك الطريق الذي بدأ تعبيده بين “حارة حريك” والسراي الحكومي عبر “ساحة النجمة”، والتي ستوصل في نهاية المطاف إلى أهدافها، خصوصًا أن سلام بدا في الفترة الأخيرة ميالًا إلى فتح صفحة جديدة مع “حزب الله”، وكانت بداية هذا الطريق من الجنوب، التي ثمنّها قاسم، ووصفها بأنّها خطوة مهمّة على طريق بناء لبنان، مشيداً بقول سلام “سنبني ولن ننتظر توقف العدوان”، وآمل في “أن نتعاون نحن ورئيس الحكومة لتحقيق الإنجازات المطلوبة”.
غير أنّ “شهر العسل” المستجدّ، إن صحّ التعبير، لا يزال هشًّا ومحكومًا بسقف الوقائع الميدانية والإقليمية أكثر مما هو محكوم بالرغبات المحلية. فـ “تنظيم الخلاف” بين الدولة و”حزب الله” قد ينجح مرحليًا في تبريد الجبهات الداخلية، لكنه لا يلغي التناقض البنيوي القائم حول مفهوم الدولة ووظيفتها السيادية، ولا يقدّم جوابًا حاسمًا عن السؤال المؤجَّل: من يملك القرار النهائي في السلم والحرب؟
إن أي محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين السراي و”حارة حريك” تحت عنوان التعاون الخدماتي أو الإعماري ستبقى، في نظر خصوم هذا المسار، مجرّد إدارة مؤقتة لأزمة أعمق. فالمسألة بالنسبة إليهم ليست لغوية بين “حصرية” و”احتواء”، بل هي سياسية بامتياز وتتصل بجوهر المشروع الوطني. ومن هنا يأتي تخوّفهم من أن يتحوّل التدرّج في المقاربة إلى تثبيت لأمر واقع جديد، يُشرعن ازدواجية السلاح بدلًا من أن يضعها على سكة الحل.
في المقابل، يراهن المؤيّدون لهذا الانفتاح على منطق “الخطوة خطوة”، معتبرين أن الصدام المباشر لم يُنتج طوال السنوات الماضية سوى مزيد من الانقسام والشلل، وأن إدارة التباينات بواقعية قد تفتح نافذة لالتقاط أنفاس الدولة المنهكة. وهم يستندون إلى قراءة مفادها أن “الحزب” نفسه يمرّ في مرحلة إعادة تموضع إقليمي، تفرض عليه خفض منسوب التوتر الداخلي وتقديم إشارات طمأنة، ولو تكتيكية، إلى شركائه في الوطن.
بين هاتين المقاربتين يقف رئيس الحكومة على حبل رفيع جدًّا. فهو يحتاج إلى الغطاء السياسي الذي يؤمّنه “الثنائي الشيعي” لاستمرار حكومته ولعودته مرّة ثانية إلى السراي الحكومي، وفي الوقت نفسه لا يستطيع المجازفة بخسارة الدعم العربي والدولي الذي يشترط وضوحًا في مسار بسط سلطة الدولة. لذلك يبدو سلام وكأنه يحاول إدخال معادلة جديدة على المفهوم السياسي. فهو من جهة لا يريد أن يستفز “حزب الله” من دون أن “ينفرّ الآخرين، الذين يخالفونه الرأي في هذه المقاربة.
السؤال الذي سيحكم المرحلة المقبلة ليس ما إذا كان هذا التناغم سيستمر، بل إلى أي حدّ يمكنه الصمود عندما تُطرح الملفات السيادية الكبرى على الطاولة مجددًا. عندها فقط سيتبيّن ما إذا كنّا أمام تسوية مستدامة تؤسس لمرحلة مختلفة، أم أمام هدنة سياسية مؤقتة فرضتها توازنات اللحظة، في انتظار اختبار أكبر قد يعيد خلط الأوراق من جديد...alhadath.ca
الأخبار بالفيديو

الأخبار عبر البريد الإلكتروني
اشترك الآن لتصلك الأخبار إلى بريدك الإلكتروني

