«هامان» في خطاب نتنياهو
الحدث-كندا
رؤوف نجم
عندما تتحوّل الأسطورة الدينية إلى أداة سياسية في يوم بوريم
في توقيتٍ مدروس، وقبيل الاحتفال بعيد بوريم، استحضر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو شخصية هامان، العدو المركزي في سفر أستير، ليؤطر بها الصراع الراهن مع إيران. استحضار اراده رسالة ذات أبعاد دينية وسياسية ونفسية، موجّهة إلى الداخل الإسرائيلي ومحمّلة بإشارات واضحة إلى الخارج.
من هو هامان وما هو عيد بوريم
بوريم يُمثّل في الوعي اليهودي عيد نجاة بامتياز. ففي الرواية التوراتية، خطّط هامان، أحد كبار رجال البلاط الفارسي، لإبادة اليهود في الإمبراطورية الأخمينية، قبل أن تُحبط المؤامرة بتدخل الملكة أستير وقريبها مردخاي، وينتهي المشهد بسقوط هامان نفسه.
من هنا، شخصية هامان تجسد بالنسبة الى اليهود النموذج المتكرر للعدو الوجودي: عدو يسعى إلى الإبادة ويُهزم في اللحظة الأخيرة. وعندما يُستدعى هذا النموذج في يوم بوريم تحديدًا، ينتقل الخطاب من مستوى السياسة اليومية إلى عمق الذاكرة الدينية الجماعية.
بين فارس القديمة وإيران المعاصرة
في خطابه، أسقط نتنياهو قصة هامان على الواقع الإيراني، رابطًا بين “فارس القديمة” و”إيران اليوم”. وبهذا الربط، يُقدَّم التهديد الحالي بوصفه استمرارًا لخطر تاريخي لم ينقطع، مع اختلاف الأسماء وتبدّل الأزمنة.
هذا الإسقاط يمنح الصراع طابعًا وجوديًا يتجاوز الحسابات السياسية التقليدية، ويعيد تعريفه ضمن إطار أخلاقي مغلق، تُقدَّم فيه إسرائيل بوصفها كيانًا مهدَّدًا بالبقاء، فيما يُختزل الطرف المقابل في صورة خطر دائم.
داخليًا، يخدم هذا الخطاب هدفًا واضحًا يتمثل في توحيد المجتمع الإسرائيلي خلف القيادة السياسية والعسكرية في لحظة تصعيد حاد. فعندما يُصوَّر الخصم على أنه “هامان جديد”، تتراجع المسافة بين القرار السياسي والواجب الوجودي، ويغدو الاعتراض أو التساؤل حول الكلفة العسكرية موضع تشكيك أخلاقي.
بهذا المنطق، تتحول العمليات العسكرية إلى التزام تاريخي غير قابل للنقاش، وتُختصر الأسئلة المعقدة المتعلقة بالخسائر والعزلة الدولية والمستقبل السياسي في معادلة حادّة تقوم على ثنائية البقاء أو الزوال.
وعلى الصعيد الخارجي، يسعى نتنياهو إلى تكريس صورة النظام الإيراني بوصفه مصدر تهديد دائم، الأمر الذي يسهّل تسويق أي عمل عسكري باعتباره إجراءً وقائيًا. وفي موازاة ذلك، يحرص الخطاب على التمييز بين النظام والشعب الإيراني، في محاولة لتفادي تحويل الصراع إلى مواجهة حضارية أو قومية شاملة، وللإيحاء بإمكانية قيام علاقة مختلفة مع “إيران أخرى” في المستقبل.
وعلى الرغم من القوة التعبوية لهذا النوع من الخطاب، إلا أنه ينطوي على مخاطر جدية. فحين يُعاد تشكيل الخصم في قالب أسطوري للشر، تتقلص إمكانات الحلول السياسية، وتُقفل مسارات التسوية، ويتحوّل التصعيد إلى مسار مفتوح بلا ضوابط واضحة. كما أن توظيف الرموز الدينية في نزاعات معاصرة قد يساهم في تعميق الاستقطاب وتحويل الصراع من خلاف بين دول إلى مواجهة بين سرديات مقدّسة.
باستحضاره هامان في يوم بوريم، :كان نتنياهو يعيد سرد قصة دينية، و يعيد صياغة الحاضر بلغة الماضي. ويخاطب الذاكرة والهوية والخوف الجماعي قبل أن يخاطب العقل السياسي. واذ ينجح هذا الأسلوب في حشد التأييد وشدّ العصب الداخلي، يبقى السؤال مطروحًا حول ادارة السياسة بمنطق الرموز والأساطير وامكانية البناء عليه من اجل استقرار طويل الأمد، واذا لم ينجخ فهو يمهّد لصراع مفتوح قد يصعب احتواؤه.
alhadath.ca
الأخبار بالفيديو

الأخبار عبر البريد الإلكتروني
اشترك الآن لتصلك الأخبار إلى بريدك الإلكتروني

